زيادة "رسوم التجنيس"... مصدر تهديد للديمقراطية الأميركية!

 

هاري باتشون

 

يبدو أن الأمور ستصبح أكثر صعوبة لمن يتطلعون إلى الجنسية الأميركية من المهاجرين والمقيمين بصورة شرعية في أميركا. فقد اقترحت مصالح الهجرة والجنسية في الولايات المتحدة رفع قيمة رسوم التجنيس من 400 إلى 675 دولاراً. ورغم أن المقترح مازال محط نقاش ولم يتحول إلى قرار نافذ، فإنه إلى حد الآن لم يبدِ الفاعلون في المجتمع المدني آراءً قاطعة حول الموضوع تبدد الشكوك. فبينما يبرر المسؤولون هذه الزيادة في رسوم التجنيس مشيرين إلى التشريع الذي أصدره الكونجرس خلال الثمانينيات ويفوض جميع المصالح الخدمية داخل إدارة الهجرة والجنسية بالسعي إلى تأمين التمويل الذاتي بعيداً عن اعتمادات الحكومة الفيدرالية، يرى منتقدو الزيادة الجديدة أنها ستُقصي الآلاف وربما الملايين من الأفراد الذين يعيشون في الولايات المتحدة وتحرمهم من الحصول على الجنسية الأميركية. لكن المؤيدين يردون بأن الجنسية الأميركية مهمة وذات قيمة تحتم على المهاجرين الساعين إليها التضحية وادخار بعض المال لتسديد رسومها.

وفي الوقت الذي يشتد فيه النقاش حول هذا الموضوع داخل الولايات المتحدة، لا أريد أن نصرف تركيزنا في حمأة الجدل عن القيمة الكبرى التي تكتسيها مسألة تجنيس المهاجرين الشرعيين بالنسبة لأميركا. فقد شكلت عملية منح المهاجرين فرصة المشاركة في الحياة المدنية أحد العناصر الأساسية المميزة للمشهد السياسي الأميركي منذ نشأة الدولة. وليس أدل على الأهمية الكبيرة للتجنيس من ورودها في كل من إعلان الاستقلال والدستور الأميركي، كما أن ضمان التجنيس والمشاركة السياسية لمن وُلد خارج الولايات المتحدة، كان من المواضيع الأولى التي ناقشها ميثاق الدستور الأميركي عام 1787، فضلاً عن مناقشته في الدورة الأولى للكونجرس 1790. وحسب بعض الخبراء القانونين تتعارض عملية التجنيس الليبرالية التي انتهجتها الولايات المتحدة مع القوانين الأوروبية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث كان يتم التفريق بين السكان الأصليين والمُجنسين، كما كان يتم التمييز في الحقوق بين المواطنين المولودين في البلد، والذين قدموا من خارجه.

وبالرجوع إلى التاريخ الأميركي نفسه، نعثر على ذات الجدل حول مسألة تجنيس المهاجرين، وهو جدل لا يقتصر على مجموعة عرقية، أو دينية بعينها، بل يمتد إلى كافة المجموعات التي هاجرت إلى الولايات المتحدة في فترة من الفترات. فقد تصاعدت المخاوف من المهاجرين الأوروبيين غداة الثورة الفرنسية خوفاً من الميول الراديكالية التي تبناها بعض الأوروبيين، كما تعاظم القلق من التأثير السيئ للأيرلنديين الكاثوليك، حيث أثيرت مسألة ولائهم إلى "البابا" بين 1840 و1850، هذا فضلاً عن المخاوف من الميول غير الديمقراطية للمهاجرين الإيطاليين والأوروبيين الشرقيين. أما اليوم فتثار قضية الجنسية المزدوجة للأميركيين ذوي الأصول اللاتينية ومسألة الولاء. ورغم التحفظات التي يبديها البعض، لا يمكن إنكار الأهمية التي تكتسيها مسألة التجنيس سواء للمهاجرين، أم لأميركا نفسها. فالتجنيس في الولايات المتحدة يمنح المهاجرين المستفيدين الحقوق كافة التي يتمتع بها غيرهم من المواطنين الأميركيين، عدا حق شغل منصب الرئيس.

لكن في الوقت الذي يمنح فيه قانون التجنيس المهاجرين حقوقهم للانخراط في الحياة السياسية على نحو طبيعي، إلا أن النظام الديمقراطي الأميركي لاشك يستفيد أيضاً من استيعاب مواطنين جدد. فكما هو معروف ترتكز أسس النظام الديمقراطي الأميركي في الحكم على إشراك المواطنين من خلال العملية الانتخابية، ومحاسبة المسؤولين المنتخبين في المناصب العامة من قبل الناخبين. فإذا كانت شريحة واسعة من السكان غير قادرة على المشاركة السياسية عبر الإدلاء بأصوتها في الانتخابات، فإن علاقة المحاسبة التي تربط الناخب بالمسؤول تضعف، بل وتنقطع في بعض الأحيان وتصبح مسألة التمثيل الشعبي عديمة الجدوى. وفي حالات متطرفة تتحول بعض المناطق التي يقطن فيها المهاجرون غير المجنسين إلى بؤر خارج نطاق التمثيل السياسي تقوض المحاسبة وتهدد فعالية النظام الديمقراطي برمته.

فهل حقاً من مصلحة الولايات المتحدة رفع رسوم التجنيس إلى أكثر من 10 أضعاف خلال العشرين سنة الأخيرة؟ وهل نريد أن تتشكل في المستقبل شريحة واسعة من ذوي الدخل المتدني، ومن المهاجرين المقصيين عن المشاركة السياسية، والمبعدين عن النظام السياسي؟ وبالتالي، ألم يحن الوقت للتعامل مع عملية التجنيس باعتبارها مفيدة لمصلحة الأمة والنظام الأميركيين؟ وبدلاً من التعامل مع المهاجرين باعتبارهم قيمة شرائية يخضعون لتقلبات السوق، دعونا نركز على النظرة الاستشرافية للآباء المؤسسين الذين آمنوا بحكمة "في الاختلاف وحده" الذي لا يميز ضد الفقراء ولا يحرمهم من التمتع بحقوق المواطنة في الولايات المتحدة الأميركية فقط، لأنهم عاجزون عن دفع رسوم التجنيس.

*أستاذ القانون بجامعة كاليفورنيا الأميركية، ورئيس معهد "توماس ريفيرا للسياسة"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-28-4-2007