هل يريد مبارك الأب إحتراق مصر ؟!!

 

محمود الزهيري

    

كنت أتمني أن يترك مبارك الأب ذلك الرجل العجوز الذي أصبح في عمر أجدادي، الذين ماتوا منهم ، والذين مازالوا احياءً يعيشون بيننا يستمتعون بحياتهم دون ألم أو معاناة، سوي من أمراض الشيخوخة، أو الأمراض التي أصيبوا بها من نظام مبارك الأب وسياساته السوداء التي أصابت الملايين من الشعب المصري بأمراض عضوية مزمنة لايرجي منها شفاء ، وجملة من الأمراض النفسية التي طالت مايزيد عن ثلثي الشعب المصري ، وأبسط هذه الأمراض هي فقدان الأمل في الحياة الكريمة ، التي يؤسس لها الملايين من أبناء الشعب المصري برحيل مبارك الأب فجأة وبلامقدمات ، كأن يصحو الشعب المصري من نومه ، علي سماع آيات الذكر الحكيم ، والمارشات العسكرية ، والموسيقي الوطنية المصاحبة لمجموعة من الأغاني والأناشيد التي تتردد علي الأسماع في حالة قتل ، أو وفاة ، حاكم من الحكام العرب الأشاوس الشماليل ، والذين من الواضح كلهم أنهم من سلالة معاوية إبن أبي سفيان ، وإبنه يزيد بن معاوية!!

فهل أصبح أمل الشعب المصري أو غالبية أبناء الشعب المصري هو في رحيل مبارك الأب فجأة وبلامقدمات ؟!!

وهل أصبح هذا حلم للغالبية المقهورة بفسادات نظام حكم مبارك الأب ؟!!

أعتقد أن هذا الحلم القابع في عقلية المصريين والساكن في أعماق قلوبهم الحزينة المقهورة ، يمثل نوعاً من أنواع العجز والقصور عن إحداث فعاليات التغيير الديمقراطية السلمية التي كان من الممكن أن يكون للشعب المصري دور في إحداثه بالوسائل والطرق الديمقراطية التي تعزز الحياة الحرة الكريمة ، ولايوجد مثال أوضح من الإستدلال بمدة حكم مبارك الأب للشعب المصري التي تجاوزت ربع قرن من الزمان ، برغم صحته المعتلة ، وشيخوخته المصحوبة بجملة من الأمراض التي يخفيها مبارك الأب عن أقرب المقربين له ولنظامه الحاكم ، حتي أصبح سر مرضه من أقدس الأسرار التي لايتوجب علي أحد السعي لمعرفتها حتي لايتضح مدي عجز وقصور مبارك الأب علي القيام بمهام دوره الدستوري والقانوني ، لإدارة شوؤن حكم شعب يبلغ عدد سكانه السبعة والسبعين مليون مصري ويزيد ، والسيطرة علي مساحة مليون كيلومتر مربع هي مساحة مصر التي يعيش عليها الشعب المصري !!

مع الأهمية بالإشارة إلي العواجيز في السلطة والتي إستعان بهم طوال فترة حكمه في إدارة شوؤن البلاد  ، وكأنهم من الموحي إليهم من صحابة مبارك صاحب الوحي السياسي الذي ينتظره دائماً في غار شرم الشيخ ، وينتظره بالتبتلات السياسية التي يسأل فيها الرب الأمريكي مزيداً من الطاعات ، والكرامات ، ومزيداً من الأرزاق المتمثلة في القمح ، والدقيق ، والمعونات الدولارية التي تقدر بالمليارات علي مدار السنوات الطوال علي إتفاقية كامب ديفيد ، أو المسماة بإتفاقية السلام المصرية / الإسرائيلية ، التي هي مفعلة علي الورق فقط من الناحية السياسية ، وميتة الأثر بالنسبة للشعب المصري ، وغير مفعلة إلا من جانب مبارك الأب وصحابته وحوارييه في سلطة الحكم ، والحزب الوطني الحاكم رئاسته ، بجانب مهامه الرئاسية !!

ولكن السؤال الذي ينتظر الإجابة عليه هل مبارك الأب يحب مصر ، ويتمني للشعب المصري الحرية والكرامة ، والإذدهار ؟!!

الإجابة الأكيدة هي أن مبارك الأب لايحب مصر ، ولايحب الشعب المصري ، وهذه ليست مزايدة علي الأوطان و حب الأوطان ، ولكن البادي للعيان ، ومن مشاهدات الحياة اليومية يتأكد له ذلك بكل بساطة شديدة ، وحجم الغضب الشعبي المكنون داخل الصدور والذي يحمل قدر كبير من الكراهية لمبارك الأب و معه مبارك الإبن ، لايخفي علي ذو بصيرة فطرية ، فكلام الشعب المصري عن جمال مبارك الذي يريد أن يأتي به والده ليكون هو الرئيس المنتظر ، برغم هذا الكم الهائل من الضغوطات النفسية الواقعة علي الشعب المصري ، وبرغم القدر من الكراهية لأسرة مبارك ، ونظام حكمه الذي شاخ الكرسي الذي يجلس عليه ، ومعه العواجيز من الوزراء ، والمسؤلين ، الذين ليس لهم هم في حياتهم الدنيا ، سوي طاعة الرئيس ، وطاعة ولي العهد مبارك الإبن ، وهذه الطاعة تبين مدي قدر اللصوصية التي تجعل من طاعتهم فيها القدر الهائل من الحفاظ علي أموالهم ، وممتلكاتهم ، وثرواتهم المالية والعقارية و التي حصلوا علي من السلب والنهب علي حساب الإنتقاص من مستحقات أبناء الشعب المصري ، باللصوصية والسلب والنهب ، لدرجة أن مصر تم تقسيمها إلي قسمين ، قسم الرئيس وأعوانه ، وقسم الشعب المطحون بآلة الفساد العام بإستحقاق وجدارة فائقة في الفساد لم تصل مستوياتها أو معدلاتها أي دولة من الدول الفاسدة !!

فالحياة الحرة الكريمة لم تعد هي حياة المواطن المصري علي الإطلاق ، وهذا ناتج من جملة سياسات فاسدة مستبدة جعلتنا نحن المصريين في حالة كراهية شديدة لكل من مبارك الأب والإبن والأسرة والآل والولد ، وجعلتنا في حالة كراهية شديدة ، عصيان نفسي لكل من ينتمي للنظام الحاكم ، المسمي بنظام الحزب الوطني الحاكم في مصر ، حيث الكفر بالوطن هو العقيدة الأساسية التي يعتقد بها الحزب الوطني من أول رأس الحزب ، إلي آخر عضو من الأعضاء ، فالمصلحة هي الرائد والموجه للرئيس ، وحزب الرئيس !!

وهذا العصيان النفسي ، وحالة الكراهية الشديدة التي نحن عليها ، تولدت لنا من كراهية النظام للعدالة الإجتماعية ، وإذدراؤه لتكافؤ الفرص ، وتقريب اللصوص وسارقي الأوطان منه وإلتصاقهم به ، وتسيد روؤس الفساد في السياسة والتشريع ، والإقتصاد والزراعة ، والإعلام والثقافة ، والفن والتربية ، والتمايزالوظيفي الخطير بين موظف وآخر بين الوزارات المتعددة ، وتوظيف رجال الدين ، وعلماؤه من الجانبين المسيحي ، والإسلامي ، للتخديم علي الفساد ، ومداراة المفسدين واللصوص ، وإستخدام أساليب التعمية الدينية إبقاءاً علي إستمرارية مسلسل الفساد في الحكم والسلطة ،لدرجة أن المواطنين في غالبيتهم الفقيرة المعدمة لو خيروا بين الكفر وبين توفير فرصة عمل ، وسكن ، وضمان العلاج والدواء ، ورغيف خبز مغموس بذل المهانة والمذلة ، لفعلوا ذلك ، من سؤ الحياة ، وتدني مستوي المعيشة اللا إنسانية التي يعيشها المواطن المصري ، والذي وصل به المطاف في نهاية الأمر إلي خصخصة قطاع الصحة ، وبيع صحة المصريين في سوق المرض اللعين حيث لايكون لصحة الإنسان المصري أي ثمن أو مقدار ، دون النظر لعائدات البترول وقناة السويس ، والضرائب ، والسياحة ، علي إعتبارها أنها من ضمن البنود الإضافية لميزانية الدولة المصرية ، التي لاتناقش ولايعلم عنها الشعب المصري شئ ، في غيبة من الرقابة التشريعية أو المسؤلية الدستورية أو القانونية !!

فماذا يريد مبارك الأب من مصر ؟

أعتقد أنه يريد أن تتحول حالة العصيان النفسي الكامن في صدور المصريين ، إلي عصيان مدني ، لايمكن أن يحقق أهدافه ، ومن ثم تتحول الأمور إلي فوضي عارمة من الضغوطات النفسية والمعيشية ، والتي من الممكن أن تؤدي إلي حريق مصر ، وفي هذه اللحظة سيكون المحروقين من نار مصر هم المصريين المأوزمين بحكم مبارك الأب ، وعصابة الحزب الوطني الحاكم ، لأنهم سيكونوا أول الهاربين من مصر ، تاركين من ثرواتهم العقارات والمنقولات التي يصعب تهريبها إلي خارج مصر ، ثم يقوم الشعب المأزوم بترتيب البيت المصري من جديد ، ويبدأ رحلة البحث في محاكمة مبارك الأب وعصابة الحزب الوطني الحاكم !!

ولكن .. هل يسعي مبارك الأب لذلك من جراء تمسكه بتلابيب الحكم والسلطة حتي نهاية عمره ، أوضمانة إنتقال الفائض من عمره في الحكم والسلطة ليكون من نصيب مبارك الإبن علي حساب إحتراق مصر حريقاً مدوياً  ؟!!

وهل من الممكن أن يكون هناك سيناريو معد لذلك ، يتم من خلاله حريق مصر ، ثم تترك الأمور لمشيئة أصحاب مصالح من نوع آخر ؟!!

نرجو البحث في المسألة علي ضوء حريق مصر في المستقبل الذي قد يكون قريباً  ، وماذا بعد هذا الحريق من سيناريوهات محتملة ، وماهي الحلول المحتملة ، أو الترتيبات التي يمكن أن تعد منعاً لإحتراق مصر علي يد مبارك الأب أو الإبن  ؟!!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-25-4-2007