دعوة جديدة لإحتكار السلطة في العراق !

 

آرنولد كلينغ

 

 

انواع  الانظمة الاسياسية  ... الحالة الطبيعية للعراق

يدعي عالم نوبل للاقتصاد، دوغلاس سي. نورث، وزميلاه (جون واليس وباري وينجاست)، بأن هناك ثلاثة أنواع من المجتمعات. الأنظمة البدائية، وهي عصابات صغيرة من الصيادين، وهي غير ذي أهمية هنا. الأنظمة المقيدة (المحدودة)، وهي مجتمعات تقدم حقوقا سياسية واقتصادية ذات معنى لنخبة ضيقة فقط. الأنظمة المفتوحة، وهي ديمقراطيات رأسمالية تعطي الحقوق السياسية والاقتصادية لمعظم المواطنين. ويحاول نورث أن يبرهن أن الأنظمة المقيدة هي "الحالة الطبيعية": فهي مستقرة، تقاوم التقدم الاقتصادي، ونادرا ما تنتقل وتتحول إلى الأنظمة المفتوحة.

بالنسبة إلى نورث، فإن هذه الأنواع الثلاثة من الأنظمة تشبه الحالات الكيميائية الثلاث، الصلبة والسائلة والغازية. أي أنها تتميز وتختلف بوضوح عن بعضها الآخر، والانتقال أو التحول بين أشكال النظام المختلفة يحدث تحت ظروف خاصة فقط.

يحقق النظام المحدود الاستقرار من خلال تزويد كل مجموعة عنيفة محتملة بحق امتياز قيّم. فعلى سبيل المثال، ومن أجل إحباط المحاولات الانقلابية، يقوم اللواء الحاكم في المجلس العسكري بإعطاء العقداء القادرين فرصا عديدة للانتفاع شخصيا من الفساد. ويجب أن يتم سجن أو نفي أو قتل الشخصيات القوية التي لا يمكن شراؤها.

وبالرغم من إمكانية حدوث انقلابات عسكرية بشكل منتظم، إلا أن النظام المحدود لا يزال ترتيبا مستمرا نسبيا. عندما يحدث انقلاب ما، لا تتم عملية إعادة توزيع السلطة على نطاق واسع وإنما يحدث تعديل وخلط في القمة فقط. (ولقد تم الإشارة إلى هذا النوع من الاستمرارية لأول مرة منذ أربعين عاما في ورقة العالم السياسي من جامعة واشنطن ميرل كلينج التي تحمل عنوان "العنف والسياسة في أمريكا اللاتينية،" والتي نشرت في عام 1967 في دراسة لمجلة سوسيولوجيكال ريفيو، العدد 11).

إن أحد المفاهيم الرئيسية لنورث تنص على أنه يتوجب على حكام النظام المقيد أن يعملوا على الحد من حقوق الجماهير. فإذا نال الجميع حقوقهم الاقتصادية والسياسية، فلن يكون لدى الحكام أي عرض خاص يقدمونه لتهدئة المغتصبين المحتملين. فمن غير الممكن شراء المنافسين السياسيين المحتملين واستمالتهم إلا في حالة حصولهم على حقوق استثنائية حصرية. ولكن إعطاء حقوق حصرية لمجموعة واحدة يستلزم بالضرورة تقييد حقوق المجموعات الأخرى. أن نقول لحكام النظام المحدود "إننا نصرّ على التخلص من الفساد" هو بمثابة أن نطلب منهم ارتكاب الانتحار السياسي.

التحول النادر

يقوم النظام المحدود بتوزيع السلطة بطريقة تحافظ على رضى المجموعات المنظمة التي من المحتمل أن تكون عنيفة. ولن يكون لأولئك خارج الائتلاف الحاكم أي سبيل للوصول إلى السلطة السياسية أو الفرص الاقتصادية، ومن مصلحة النخبة إبقاؤه على هذا النحو.

وكما وضعه نورث بقوله:

"إن النظام المحدود لهو توازن اجتماعي. وتتقاسم التوازنات خصائص مشتركة: (1) السيطرة على العنف من خلال امتيازات النخبة؛ (2) تقييد حق الدخول في التجارة؛ (3) وجود حماية قوية نسبيا لحقوق الملكية للنخبة، وضعيفة نسبيا لغير النخبة (إن سيادة القانون التي قد تتميز بها الدولة الطبيعية هي من أجل النخبة)؛ (4) القيود المفروضة على الدخول والخروج من المؤسسات الاقتصادية والسياسية والدينية والتعليمية والعسكرية."

وعليه، فإن الانتقال من النظام المحدود إلى المفتوح في غاية الصعوبة والإشكالية. ويجادل نورث على أن هذه التحولات نادرة. فمنذ الحرب العالمية الثانية لم تتمكن إلا ثماني دول من إجراء هذا التحول. ومما يثير الاهتمام أن هذه التحولات غالبا ما تتطلب فترة قصيرة نسبيا من الزمن التاريخي—خمسين سنة أو أقل. وتشمل الأمثلة الحديثة على تايوان وكوريا الجنوبية وإيرلندا وإسبانيا.

كتب نورث:

"إن السمة الأساسية للانتقال هي نشوء تبادل غير شخصي بين النخبة. وينطوي التبادل الشخصي على علاقة شخصية مستمرة بين أطراف التبادل بحيث تكون المعاملات المتكررة جانبا أساسيا من تعزيز التبادل. إذا خدع أحد الأطراف الطرف الآخر، فإن ذلك يهدد بخطر فقدان العلاقة بينهما والمزايا التي تنطوي عليها. وتقيّد ضرورة التفاعل المتكرر من نطاق تبادلات أي فرد من الأفراد. وفي المقابل، يتضمن التبادل المجرد، غير الشخصي، أطرافا لها القدرة على إجراء تبادل مستقل بدون علاقات شخصية طويلة الأجل. ويتطلب التبادل غير الشخصي أن يكون طرفا التبادل على درجة كافية من الثقة بأن حقوقهم وواجباتهم ستكون آمنة ومضمونة بالرغم من عدم تكرار التعاملات. وبذلك، يتطلب التبادل غير الشخصي شكلا من أشكال تعزيز الطرف الثالث."

يقول نورث إن هناك ثلاثة شروط ضرورية قبل التمكن من تصور الانتقال من نظام محدود إلى نظام مفتوح. شروط "العتبة" الثلاثة هي :

سيادة القانون للنخبة.

استمرارية حياة المؤسسات.

السيطرة السياسية على القوات المسلحة.

لا يتم الوفاء بأول شرط في الدول التي يعتمد حتى النخبة فيها على العلاقات الشخصية من أجل الأمن والضمان الشخصي والاقتصادي. وبالنظر إلى روسيا اليوم، من الممكن تجريد حتى أعضاء حكومة القلة الثرية من حقوقهم بسرعة من قبل رئيس الدولة. ومن ناحية أخرى، توقعت النخبة في بريطانيا العظمى فى فترة ما قبل الحلول الكامل للديمقراطية أنه سيتم تطبيق الإجراءات القانونية عليهم.

إن استمرار حياة المؤسسات يعني وجود شركات أو مؤسسات أخرى يمكنها أن تعمر بعد زوال أعضائها الرئيسيين. وإذا لم يكن هناك مثل هذه المؤسسات، فهذا يعني أن كل مؤسسة تقوم على الولاء الشخصي. حين يرى الناس منظمة ما تعيش وتستمر إلى ما بعد الزعماء الحاليين، سيبدأون بدعم العلاقات التعاقدية مع تلك المؤسسة. وعندما تبدأ الحكومة بتوفير إطار قانوني لحماية العلاقات التعاقدية، سيكون عنصر أساسي من عناصر النظام المفتوح قد أصبح جاهزا. ويقول نورث بأنه من أجل أن يكون لأي مؤسسة ضمن دولة ما دوام الحياة والاستمرارية فلا بد من أن يكون للدولة نفسها حياة دائمة. فإذا كانت جميع قرارات الحاكم القانونية قابلة للإبطال عند موت الحاكم، عندئذ، لن يتم استيفاء هذا الشرط.

تتطلب السيطرة السياسية للقوات العسكرية أن لا يكون هناك أي مؤسسات مستقلة ذات قدرة على إثارة أعمال عنف واسعة النطاق. وبشكل واضح، لا يتمتع لبنان، حيث يعتبر حزب الله قوة عسكرية مستقلة، بالسيطرة السياسية للجيش. ومن ناحية أخرى، إذا سيطر فصيل واحد على الجيش، فهذا لا يتماشى مع تعريف نورث للسيطرة السياسية للجيش. بدلا من ذلك، فإن هذا النظام هو ديكتاتورية عسكرية.

وهكذا، فإن معيار نورث للسيطرة السياسية للجيش صعب المنال. فهو يتطلب قوة عسكرية موحدة ومنفصلة عن كل فصيل، مع نزع سلاح كل الفصائل. لتحقيق هذه النتيجة، يجب أن يتفق تحالف متوازن من النخبة ذات النفوذ على مجموعة من القواعد والإجراءات التي تحكم استخدام القوات العسكرية، كما يجب أن يكون لهذا التحالف آليات لضمان اتباع هذه القواعد والإجراءات.

المعاني الضمنية لحالة العراق

كان العراق في ظل نظام صدام حسين نظاما محدودا، أو "الدولة الطبيعية". ويؤكد نورث أن هذه الدول تقاوم التغير إلى الأنظمة المفتوحة ومحاولات تحفيز التنمية الاقتصادية لأن التنمية الاقتصادية الحقيقية تتطلب التنافس العادل مما يهدد المزايا التي تعتبر عنصر استقرار في الأنظمة المحدودة. وبالرغم من أن نورث لم يناقش "بناء الأمة"، إلا أنه يبدو من المعقول الاستنتاج أنه سيكون له نظرة متشائمة أيضا لهذه الفكرة.

لم يكن العراق أبدا على "عتبة" أن يصبح نظاما مفتوحا. فالفصائل الرئيسية ليست على استعداد للتخلي عن أسلحتها والتنازل عن السلطة العسكرية لتحالف مركزي. لا توجد مؤسسات دائمة الحياة يمكنها أن تقدم التزامات تعاقدية. بل، ليست هناك رغبة بين الفصائل لمنح بعضها الآخر حقوق في ظل سيادة القانون.

وعليه، أستطيع القول أنه ليس واردا أن تنجح الولايات المتحدة في تحقيق هدفها المتمثل في إقامة نظام مفتوح في العراق. وأفضل ما يمكن عمله هو إعادة العراق إلى حالته الطبيعية، أي إلى نظام محدود حيث تكون الحقوق والسلطة مقصورتين على بعض النخبة، الذين لا يخضعون للمنافسة الاقتصادية أو السياسية كما نعرفها.

يجب أن يكون لقادة كل الفصائل الرئيسية في العراق مصلحة من السلام من أجل نشوء وظهور نظام محدود. وبالنسبة لكل قائد، يعني هذا الحصول على حقوق اقتصادية وسياسية استثنائية لكي يشعر أن مخاسره تتعدى مكاسبه في حالة اللجوء إلى العنف.

وإذا كنا نريد إقامة نظام محدود علينا أن نحدد الفصائل (الأحزاب) التي نريد لتكون في الائتلاف الحاكم، ويجب أن نعطي لكل منها شيء ذا قيمة مقابل الحفاظ على السلام. وبعبارة أخرى "فجة" (إذا جاز التعبير)، يمكن تصور إعطاء كل حزب من الأحزاب الرئيسية في حكومة الائتلاف السيطرة على مجموعة معينة من آبار النفط. أما بالنسبة للأحزاب غير المرغوب فيها في الائتلاف (مثل تنظيم القاعدة في العراق)، فيجب مطاردتهم وقتلهم. وإذا استمرت الأحزاب التي تتلقى مخصصات من آبار النفط في ممارسة العنف، عندها يتم تصنيفهم خارجين عن القانون وحرمانهم من الأمن الشخصي، مع مصادرة مواردهم النفطية وتوزيعها على الأحزاب الأخرى. وبالرغم من صعوبة ذلك، إلا أن التحدي يزداد ربما باعتقاد إيران أنه من مصلحتها زعزعة الاستقرار في العراق. يجب إقناع كل الفصائل والأحزاب بأن حجم الاستفادة التي سيحصلون عليها من المشاركة فى التحالف أكبر من قيمة الدعم الذي قد تتلقاه من إيران.

بعض الأسئلة

لقد استنبط نورث مفاهيمه بدقة، ومع ذلك، لدي بعض الأسئلة حول الفروقات بين الأنظمة المحدودة والمفتوحة.

إستنادا إلى نورث، تعمل الأنظمة المحدودة بطريقة مختلفة جدا عن الأنظمة المفتوحة. ويترتب على ذلك أنه ينبغي أن يكون من السهل تصنيف البلدان في معظم الفترات الزمنية على أنها إما ذات أنظمة محدودة أو مفتوحة.

من حيث المبدأ، ينبغي أن يكون ممكنا إنشاء مؤشر المنافسة السياسية داخل البلدان إضافة إلى مؤشر المنافسة الاقتصادية. علاوة على ذلك، ينبغي أن يتم ملاحظة الأنماط التالية في تلك المؤشرات:

يجب أن يكون من النادر ملاحظة قيم مرتفعة للمنافسة السياسية المتزامنة مع قيم منخفضة للمنافسة الاقتصادية، والعكس صحيح. هل سيكون مؤشر المنافسة الاقتصادية للصين مرتفعا رغم أن مؤشر المنافسة السياسية يجب أن يكون منخفضا؟ هل يوجد هناك دول يمكننا أن نلاحظ عكس ذلك لديها—ربما المكسيك؟

هناك دول كثيرة لديها قيم منخفضة لكل من المؤشرين، وكذلك عدد لا بأس به لديه قيم مرتفعة للمؤشرين. يجب أن تقع دول قليلة نسبيا في الوسط لكل من المؤشرين. هل تعتبر الهند دولة "وسطية"؟ تشيلي؟ هل تعتبر جميع الدول "الوسطية" من المرشحين للانتقال من أنظمة مقيدة إلى مفتوحة، والعكس صحيح؟

السؤال الآخر الذي يخطر لي هو كيف يمكن تصنيف الولايات المتحدة عام 1800. لم تكن الحقوق السياسية في ذلك الحين تشمل النساء والعبيد أو الناس الذين لا يملكون شيئا. لقد تركز قدر كبير من النفوذ الاقتصادي والسياسي في عدد قليل من الارستقراطيين من فرجينيا والتجار من نيو إنجلاند. ومع ذلك، كان هناك أحزاب سياسية متنافسة ونظام اقتصادي حر، إلى حد بعيد، من الاحتكارات والامتيازات الممنوحة من الدولة.

إذا كان من غير الممكن الإجابة على هذه الأسئلة بطريقة مرضية، فقد يتوجب في النهاية نبذ مفاهيم الأنظمة المحدودة والمفتوحة، وإن كانت جذابة. ومع ذلك، أعتقد أنها ستثبت انها مفيدة ومهمة للعلوم الاقتصادية والسياسية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-22-4-2007