الانتخابات الفرنسية... وعود الإصلاح وفخ توازن السلطات!

 

ويليام فاف

 

 

تعِد، بل تهدد، الانتخابات الرئاسية الفرنسية بإحداث تحول كبير وعلى قدر من الأهمية في الممارسة والمؤسسات السياسية في فرنسا. ومن المعلوم أن الجولة الأولى من هذه الانتخابات قد انطلقت اليوم الأحد 22 أبريل، ويتوقع أن تليها الجولة الثانية والحاسمة بعد مضي أسبوعين. ومن جانبه وعد المرشح نيكولا ساركوزي المتقدم حتى هذه اللحظة، حسب استطلاعات الرأي العام السابقة للانتخابات، بالإبقاء على دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة كما هو، إلا أنه سيجعله أكثر قرباً على صعيد الممارسة، من النظام الأميركي، عن طريق اتخاذه دوراً أكثر مباشرة ودينامية على غرار الدور الذي يؤديه الرئيس الأميركي، وبما يتفق ونشاطه السياسي الملحوظ. أما رئيس الوزراء، فمن المرجح أن يكون أقرب إلى رئيس طاقم الإداريين، منه إلى رئيس للحكومة، حسب ما ينص عليه الدستور. وهذا هو ما يثير قلق الجمهور الفرنسي. ذلك أن دستور الجمهورية الخامسة، يستثمر الكثير من رأس المال السياسي في منصب الرئيس، باعتباره رأساً للدولة، وتخول له سلطات وصلاحيات كاملة فيما يتعلق بالشؤون الخارجية والعسكرية. وفي المقابل ينص الدستور نفسه على أن تكون لرئيس الوزراء سلطة مستقلة تخوله وضع برامجه التشريعية في كل ما له صلة بالمسائل الوطنية الداخلية، واختيار مجلس وزرائه. وعلى رغم أن رئيس الوزراء يؤدي مهامه عادة بما يرضي الرئيس، إلا أن هذا الأخير قد احتفظ لنفسه تقليدياً، بمسافة كافية تفصل ما بينه وبين الحكومة. وفي الواقع فإن الحفاظ على هذه المسافة يصب في صالح الرئيس، لأنها توفر له هامشاً ضرورياً للوقاية والمناورة، متى ما اعترضت طريق الحكومة مشاكل وصعوبات. وفي حدود تلك المسافة الفاصلة نفسها، فإنه يحق للرئيس إقالة الحكومة المتعثرة وتعيين رئيس وزراء جديد، ليوجه المسار في اتجاه مغاير جديد. وذلك هو ما فعله الرئيس الاشتراكي الأسبق فرانسوا ميتران، إثر انتخابه في عام 1981. وكان الشعار الذي رفعه ميتران، هو "القطيعة" مع النظام الرأسمالي، ووعد الناخبين بالحد من معدلات التضخم العالية، وكذلك الحد من آثار تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة. ولم يستشعر الرئيس الاشتراكي ميتران حرجاً في عكس اتجاه ومسار السياسات الوطنية الاقتصادية والاجتماعية، في حين ألقي بوزر اللوم والمسؤولية كله على رئيس وزرائه بيير موروا.

وهناك نص آخر في دستور الجمهورية الخامسة، ألا وهو المبدأ الذي يحدد مدة الولاية الرئاسية بسبع سنوات، والولاية البرلمانية بخمس سنوات. ويضيف هذا المبدأ الدستوري بعداً آخر في المرونة الممنوحة للرئيس، بما فيها إعفاؤه من التورط الكامل في تغيير الأغلبية البرلمانية. وقد كان هذا المبدأ مرضياً ومريحاً إلى أبعد الحدود، لكل من الرئيس الأسبق ميتران، وخلفه جاك شيراك.

وقد تولى ميتران مهامه الرئاسية على امتداد ولايتين، اعتماداً على مبدأ الفصل الأتوقراطي بين الشؤون الرئاسية، والمهام الحكومية اليومية. كما فعل الشيء نفسه الرئيس الأسبق شارل ديجول، على رغم وجود أغلبية برلمانية معادية في حالتي الرئيسين ميتران وجاك شيراك. على أن ذلك لم يكن مما قصد إليه الدستور في شيء. فمتى ما فقد الرئيس التفويض الممنوح له، ولو من الناحية الرمزية، فإن الواجب كما يقتضي الدستور، أن يتم اللجوء إلى أحد خيارين لا ثالث لهما: إما الاستقالة من منصبه، أو تعيين رئيس وزراء جديد لا حزبي. لكن وبتحديهم للهزائم الانتخابية والبقاء في منصبيهما، فقد عزز كل من ميتران وشيراك تلك السلطات المؤسسية الممنوحة للرئيس، ولكن عن طريق التأكيد على أنه ليس في وسع القاعدة الناخبة إقصاء الرئيس من منصبه قبل اكتمال ولايته الرئاسية. وقد زاد هذا الطين بلة على نحو خاص، عندما جرى تخفيض الدورة الرئاسية إلى خمس سنوات بدلاً من سبع سنوات التي نص عليها الدستور. وبالتالي فقد تطابقت مدة الدورة الرئاسية مع مدة دورة البرلمان، ما حرم القاعدة الناخبة حقها في زحزحة الرئيس من منصبه قبل انتهاء دورته الرئاسية. وبحكم عدم وجود سلطة قضائية في فرنسا، مكافئة لما هو عليه حال المحكمة العليا الأميركية، فإن الرئيس الفرنسي يبقى محصناً وليس من سبيل للمساس به عملياً. وفي تقديري الشخصي أن هذه ظاهرة فرنسية بامتياز، إذ طالما ظلت القيود المفروضة على السلطة في فرنسا منذ ثورتها عام 1789، ليست على المؤسسات، وإنما على الشارع الفرنسي. هذا وقد وعد ساركوزي بتعزيز السلطة البرلمانية في حال توليه المنصب الرئاسي، وأعلن في الأيام القليلة الماضية، اعتزامه تخصيص عدد محدود من المقاعد للتمثيل النسبي، ما يعني ترشيح الأحزاب لهذا النوع من النواب، بدلاً من انتخابهم مباشرة. غير أن هذا الإجراء وعلى عكس ما وعد به ساركوزي، سيضعف سلطة البرلمان في واقع الأمر بخلقه ظروفاً لإبرام صفقة سياسية ما بين الأحزاب، وهو عينه الإجراء الذي وصم كلاً من الجمهوريتين الثالثة والرابعة بسمة الضعف وعدم الاستقرار التي اشتهرتا بها. ولم تكن الرئاسة في ظل هذين الدستورين المبكرين سوى بضع مهام شكلية وطقوسية.

هذا وقد بشر بـ"جرعة التمثيل النسبي" هذه، مرشحان آخران في الانتخابات الفرنسية الراهنة، هما فرانسوا بايرو وسيجولين رويال. وبالنسبة لساركوزي فإنه من المشروع أن ينظر لاقتراح "التمثيل النسبي" بعين الريبة والشك، طالما أنه لم يصدر عنه إلا من باب التطلع لكسب مزيد من أصوات القاعدة اليمينية المؤيدة لمنافسه جان ماري لوبن. وفي الواقع فإن التمثيل النسبي هو الصيغة الوحيدة التي تمكّن بعض الأحزاب الصغيرة التي تحظى بتأييد ناخبين متناثرين على امتداد القاعدة الانتخابية العريضة، من الدفع ببضعة نواب يمثلونها في البرلمان الفرنسي. ولذلك فالأرجح أن يتمسك بها كل من المرشحين بايرو ورويال. فالأول تحديداً بحاجة ماسة إلى التمثيل النسبي في حال فوزه بالرئاسة، بالنظر إلى الصعوبة البالغة التي ستواجهه في تشكيل حكومة يعول عليها، بحكم افتقاره إلى حزب سياسي شعبي يقف وراءه. وتلك هي طبيعة الحكم من مواقع "الوسط"، بكل ما تتطلبه من بحث دؤوب عن تحالفات مؤقتة وتنازلات هنا وهناك.

بقي أخيراً أن نقول إن الجمهورية الخامسة طالما نهشت ظهرها سياط النقد، بسبب ما نسب إليها من تشبيه بكونها إلى الأقلية المنتخبة أقرب، بكل ما عرفت به هذه الأقلية من انفلات وانعدام توازن بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية. وهي عينها المبادئ التي تحمي الحكومة الأميركية من ممارسات إساءة استغلال السلطة في حال توفرها.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيز"-22-4-2007