موسكو وكييف...والقراءة السياسية للتظاهرات!

 

آن أبلباوم

 

 

أرجو منكم الانتباه أيها القراء، فقد حان الوقت كي أطرح عليكم اختباراً في صورة سؤال هو: لو فرضنا أن هنالك مظاهرتين تمثلان حركتين سياسيتين انطلقتا مؤخراً في دولتين متجاورتين فلأي الدولتين سيهتف عشاق الديمقراطية أكثر، أو أعلى؟

التظاهرة الأولى: هذه المظاهرة انطلقت يوم السبت الماضي في موسكو، وبالتحديد في ميدان "بوشكين" وهو الموقع الأسطوري الذي طالما شهد مظاهرات المنشقين في العهد السوفييتي، حيث تجمع عدد يتراوح ما بين 2000 إلى 3000 متظاهر، للإعراب عن معارضتهم للكريملن ليتصدى لهم 9000 شرطي من قوات مكافحة الشغب مزودين بالهراوات وينهالون عليهم ضرباً، ويلقون القبض على 200 منهم كان من ضمنهم "جاري كاسباروف" بطل العالم السابق للشطرنج الذي وصفته صحيفة "برافدا" الروسية اليومية" بأنه مخلب سياسي باع روحه للخونة الذين يخططون لموت روسيا"، وفيما بعد وجهت النيابة لـ"كاسباروف" تهمة "التفوه بشعارات مضادة للحكومة في حضور جمع كبير من الناس.

"التظاهرة الثانية:"هذه المظاهرة بدأت منذ عدة أيام ولا تزال مستمرة حتى الآن في مدينة "كييف" عاصمة أوكرانيا وتحديداً في ميدان الاستقلال الموقع الأسطوري لاحتجاجات "الثورة البرتقالية" عام 2004، غير أن المتظاهرين هذه المرة كانوا ينتمون إلى"حزب الأقاليم" المناوئ لـ"الثورة البرتقالية" والموالي لروسيا، وكان هدفهم هو الحيلولة بين الرئيس الأوكراني "فيكتور يوشينكو" وبين الدعوة لانتخابات جديدة. وفي ذروة ذلك الاحتجاج تمكن المتظاهرون من اجتذاب عدد يتراوح ما بين 35 ألفا إلى 70 ألف شخص، والفارق بينهم وبين المتظاهرين في ميدان "بوشكين" في روسيا هو أن قوات مكافحة الشغب لم تهاجمهم كما أنها لم تقبض على أي واحد منهم.

ليس هناك من شك في أن هناك صعوبات جوهرية في إمكانية الحكم على المزايا الخاصة بكل مظاهرة من المظاهرتين، وخصوصاً إذا ما كنتم أعزائي القراء تنظرون إلى المسألة من نفس منظورنا نحن الأميركيين وهو منظور الأخيار والأشرار.

صحيح أن المتظاهرين الروس، وحسب نص كلماتهم، يحاربون من أجل حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، وصحيح أنهم يعارضون سلطوية الرئيس بوتين المتزايدة، ويشجبون الإقصاء الفعلي للمعارضة السياسية. وصحيح أيضاً أنهم أشخاص محنكون وذوو تجربة، ومترابطون بشكل جيد، وأن معظمهم من المعروفين جيداً في أوساطهم ويجيدون الإنجليزية، غير أنه من الصحيح أيضاً أنهم لا يحظون سوى بدعم شعبي محدود جداً، وهو ما يرجع جزئياً إلى أن وسائل الإعلام الروسية تصورهم على أنهم مجرد مجموعة صغيرة من الساخطين الذين يتلقون أموالاً من الخارج، والذين تعمدوا الاحتكاك بقوات الشرطة المسالمة ودفعها إلى الاشتباك معهم.

أما متظاهرو "كييف" فهم على النقيض من ذلك، يعارضون تغريب بلادهم، ولا يستسيغون فكرة اقتراب بلدهم من "الناتو" والاتحاد الأوروبي، ويرغبون بشكل عام في العودة إلى تلك الأيام التي كانت بلدهم تابعة لروسيا. ومعظم مؤيديهم، ينتمون إلى "حزب الأقاليم"، وهم غير مترابطين جيداً، ولا يتكلمون الإنجليزية على الأرجح، كما لا يوجد من بينهم بطل عالم سابق في الشطرنج. على رغم ذلك، نجد أنهم يحظون بقدر كبير من التعاطف الشعبي، وإن كان يلزم القول أيضا إن حجم هذه المظاهرات وزخمها لم يصل إلى حجم وزخم مظاهرات "الثورة البرتقالية"، حيث وصفهم أحد المراقبين للشأن الأوكراني بأنهم "حشود من الشباب الصامت المتواضع المظهر، الذي كان يجر أقدامه جرا في شارع "هروشيفسكي" وهو يحمل أعلاماً زرقاء".

وهؤلاء المتظاهرون، يؤيدون رئيس الوزراء "فيكتور يانكوفيتش" وكانوا قد صوتوا لصالحه في انتخابات ديمقراطية.

إنه لخيار صعب أن يحدد المرء لأي المظاهرتين يمكن أن يهتف أكثر وأعلى، غير أنه يمكن مع ذلك القول إن المرء– بديهياً- يود أن يرى آمال الديمقراطية في روسيا، وقد ازدادت إشراقاً. وعلى رغم أن المعارضة الروسية شجاعة، وقضيتها تدعو للإعجاب، وأعضاءها مألوفون، وطرائقها معتادة، فإن احتجاجها لا يمثل دليلاً – للأسف- على الديمقراطية في روسيا، بقدر ما يمثل دليلاً على غيابها. فالحقيقة هي أن السلطات الروسية قد تمكنت- إلى حد كبير- عن طريق الرقابة، والترويع، بل وحتى القتل، من إقصاء الحوار السياسي الأصيل في البلاد. ولو نظرنا إلى الطريقة التي تعاملت بها قوات مكافحة الشغب في روسيا مع المتظاهرين، فإننا يمكن أن نتوصل إلى خلاصة مؤداها أن مجرد قيام عدد ولو محدود من الناس بالتظاهر تعبيراً عن رغبته في المحافظة على قدر من التواجد العام في الفضاء السياسي، سوف يقابل بالعنف، وهو أمر يجب أن تكون المعارضة الروسية مستعدة له.

على النقيض من ذلك، فإن أوكرانيا التي طالما تم وصفها بأنها كيان سياسي منهك، غير منظم، تبدو وكأنها تتحول الآن- وإنْ على نحو بطيء- إلى دوله يستطيع شعبها على أقل تقدير أن يختار من بين خيارين سياسيين واضحين بعد مناقشة مفتوحة. صحيح أن قرار الرئيس "يوشينكو" بالدعوة لانتخابات جديدة مثير للجدل، إلا أنه على الأقل قرار يجري التدقيق فيه بواسطة المحكمة الدستورية العليا في أوكرانيا، التي من المنتظر أن تصدر قراراً أعلن جميع الفرقاء السياسيين مقدماً استعدادهم للالتزام به. ولئن كانت دعوة رئيس الوزراء "يانكوفيتش" للتظاهر في ميدان الاستقلال حيلة مبتكرة، إلا أنها حيلة قانونية لا شك في ذلك، وغير عنيفة، ولها كل الحق في أن تحصل على فرصتها.

لتبسيط المسألة أكثر وصياغتها في عبارات يمكن للجميع فهمها: إن أوكرانيا على رغم كافة الأخطاء التي وقعت فيها هي دولة حرية، يمكن فيها للقوى المناوئة للديمقراطية أن تتظاهر بحرية، أما روسيا فتبقى دولة يتم فيها ضرب القوى الديمقراطية والقبض عليها.

وبالنسبة لي فإنني أتمنى للروس التوفيق من كل قلبي، أما في اللحظة الحاضرة، فإنني لا أملك سوى أن أهتف لأوكرانيا بأعلى صوتي.

*كاتبة ومحللة سياسية أميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-18-4-2007