المجتمعات العربية امام عقبات الإصلاح

 

هشام الدجاني

 

تظهر قراءة شمولية معمقة لعالمنا العربي اليوم توقعات تشاؤمية حادة في كثير من بلدان هذا العالم. فالجزائر والعراق، الدولتان اللتان كانتا مرشحتين للوصول إلى مصاف بعض الدول الأوروبية، كما جاء في تقرير للأمم المتحدة في أواسط السبعينات، وذلك بسبب قدراتهما الذاتية الضخمة وإمكاناتهما البشرية، انتهتا إلى شبه حرب أهلية متصاعدة مما أعادهما إلى ما تحت نقطة الصفر. العراق تحول إلى بلد محتل وموطن للدمار الأعمى والحرب الطائفية، أما الجزائر فقد تبددت أحلامها بالتنمية والتقدم بعد أن أصبحت عرضة للفساد والنزاع الأهلي السافر.

العراق المقسم عرقياً كانت الدكتاتورية قد أنهكت قواه على مدى عقود، وتبددت قدراته البشرية والعلمية في المهاجر. وجاء الحصار ليستنزف المزيد من هذه القوى. وتلاه الاستعمار ليشله نهائياً ويجبر الكثيرين من سكانه على اللجوء إلى دول مختلفة. أما الجزائر فقد أنهكتها صراعات الجماعات الإسلامية المسلحة وتورط الدولة في هذه الصراعات.

السلطة في الدولة العربية الراهنة لا تملك في حقيقتها عقيدة ذاتية، لا قومية ولا تنموية ولا تحديثية. إن عقيدتها الحقيقية هي إيمانها بذاتها وبوجودها وبأجهزتها. ويلاحظ الباحث برهان غليون بحق أن الأنظمة العربية قادرة على تغيير سياستها من النقيض إلى النقيض، فنراها تنتقل من برامج اشتراكية إلى برامج انفتاحية ليبرالية من دون أن تشعر هذه النظم حتى بضرورة الحاجة إلى تبديل الحكومات والأشخاص. لقد أصبحت البنية الاستبدادية متجذرة في هذه الأنظمة، وبات يهمها بقاؤها واستمرارها فحسب. وهذا ما جعل مستقبل معظم البلدان العربية ينتهي إلى آفاق مسدودة، ولا سيما مع انسداد آفاق التغيير في ضوء الواقع العربي الراهن.

هذا التشخيص السياسي الاجتماعي يجعل الديموقراطية خياراً حتمياً لا بد من تبنيه حتى تتحول الأزمة السياسية إلى جزء من النقاش العلني يشارك فيه الجميع ويسهم بالتالي في تحقيق البدائل السلمية عن طريق التبادل السلمي للسلطة والذي يضمن تحقيق الرغبات المجتمعية للأغلبية.

قد يقول قائل إن الديموقراطية هي النظام السياسي الأكثر قدرة على التكيف مع الخلافات والنزاعات. هذا صحيح. ولكن الوصول إليها في العالم العربي ليس بهذه السهولة ومسارها يكاد يكون عصياً وممتنعاً على التحقق لا سيما بعد حدوث اصطفافات جديدة نتيجة الاستبداد السياسي الطويل الذي عاشته البلاد العربية، اصطفافات ارتبطت معها مصالح اقتصادية فئوية ومكاسب مالية ليس من السهولة التنازل عنها.

ما تقدم يحتم على الباحثين السياسيين العرب النفاذ إلى عمق الأزمة السياسية العربية لدراستها بإسهاب وتمحيص، ووضع الخطوط العريضة لطريق الإصلاح.

إذن يبقى التحليل السياسي – الاجتماعي هو الأقدر على قراءة أزمة المجتمع. هذا التحليل هو المنهج الأكثر التصاقاً بالواقع العربي، ولكن مع تجديد رؤيته وتطعيمه مع رؤى أخرى.

إن الزمن القادم يفرض علينا تحديات من نوع جديد، تحديات تتعلق بأزمة المجتمع العربي، وبالتالي التعمق في دراستها وإجلاء أبعادها لوضع الحلول السليمة لها.

*كاتب سوري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-17-4-2007