الانتخابات الفرنسية... خيار صعب بين "اليمين" واليسار"

 

تشارلز إي. كوبشان

 

 

بعد دخول الحملة الانتخابية في فرنسا أسبوعها الأخير، مازال المرشحان الرئيسيان في تنافس محموم من أجل استمالة الناخبين، في وقت تشي فيه استطلاعات الرأي بتكافؤ

حظوظهما. غير أن الناخبين منقسمون ولم يحسموا أمر اختيارهم بعد، وما زال كثيرون منهم مترددين بين "اليسار" و"اليمين" لمواجهة التحدي المزدوج المتمثل في الهجرة والعولمة.

والواقع أن هذا الانقسام ليس مقتصراً على فرنسا؛ فقد أدت التوترات الناجمة عن تدفق المهاجرين وفقدان الوظائف نتيجة التنافس الدولي في أوروبا (وفي الولايات المتحدة أيضاً) إلى عمليات استقطاب في المجتمعات وغضب الناخبين. بيد أن الرهان في فرنسا بصفة خاصة يعد كبيراً؛ فقد عانت حكومة الرئيس جاك شيراك من شلل فعلي في العامين الأخيرين بعد أن فقدت ثقة الجمهور، ما تسبب في فترات جمود بالنسبة للاتحاد الأوروبي والعلاقات الفرنسية- الأميركية.

مرشح اليمين "نيكولا ساركوزي" هو ابن مهاجر مجري، وقد شق طريقه ببطء نحو دائرة النخبة السياسية الفرنسية المغلقة ليصبح مرشح "وسط اليمين". أما سيجولين رويال، مرشحة "وسط اليسار"، فقد سلكت الطريق الصحيح أثناء بناء مشوارها السياسي، غير أن البعض مازال ينظر إليها باعتبارها جاءت من الخلف لانتزاع ترشح الحزب الاشتراكي من زملائها الذكور. وتعد "رويال" أول امرأة تسعى بجدية إلى الوصول إلى الرئاسة.

أما نقاط قوة "ساركوزي"، الذي شغل منصب وزير الداخلية حتى عهد قريب، فتكمن في تصميمه القوي ومواقفه الصارمة من المهاجرين -ولاسيما المهاجرين المسلمين الذين باتوا يشكلون أكثر من 10 في المئة من السكان اليوم. ورغم أن مقترحه مازال غامض المعالم، فإن دعوته إلى إنشاء وزارة للهجرة والهوية الوطنية تستجيب مباشرة لقلق "اليمين" من تشدد المهاجرين، والتحريض على العصيان المدني، وتهديد الهوية الثقافية لفرنسا. وقد سعى "ساركوزي" مراراً إلى استمالة الناخبين الذين قد يصوتون على "جان ماري لوبن"، المتحدث باسم "اليمين المتطرف". وفي ما يبدو مفارقة، فإن نقاط قوة "ساركوزي" تكمن أيضاً في احتمال فوزه؛ غير أن الكثير من الناخبين يخشون أن تتجاوز سياساته باسم القانون والنظام والدولة، في حال فوزه، الحدودَ، فتقوض الحريات الأساسية والتقاليد الحقوقية لفرنسا. غير أنه حاول مؤخراً تنعيم وتحسين صورته. بالمقابل، تقدم "رويال" نفسها، في ما يبدو محاولة لاستغلال نقاط ضعف خصمها، في صورة الأم اللطيفة والحنونة المدافعة عن نظام الرفاهية الاجتماعية السخي في فرنسا، متعهدةً بتجنيب فرنسا قساوة السوق المتوحشة ومظاهر اللامساواة. غير أن حملة "رويال" كانت قصيرة من حيث الجوهر وطويلة من حيث الخطوات غير الموفقة. ففي إحدى الهفوات التي ارتكبتها مؤخراً على سبيل المثال، تحدثت على نحو يفيد بأن "طالبان" مازالت تحكم في أفغانستان، والحال أنها أُسقطت في 2001، وهو ما دفع الكثيرين إلى التساؤل حول ما إن كانت قد نجحت في اختبار الكفاءة أصلاً.

الملاحَظ أن "ساركوزي" و"رويال" بدآ حملتهما بالتركيز على الوسط، ولكنهما سرعان ما عادا إلى قواعدهما. إذ دفعت الهجرة "اليمين" إلى التوغل في "اليمين"، في حين دفعت العولمة "اليسار" إلى التعمق في "اليسار". والواقع أنه لا أحد منهما يملك أن يقاوم هذين الاتجاهين نظراً لأنهما يحتاجان إلى نسبة مشاركة كبيرة للناخبين لضمان تأهلهم إلى الجولة الثانية من الانتخابات. وإذا كان "ساركوزي" و"رويال" قد تخليا عن الوسط، فقد حقق مرشح ثالث أقل حظاً، هو "فرانسوا بايرو"، نقاطاً عديدة بتركيزه على الوسط. وبالمقابل، مكَّنت أفكار "لوبن" المناوئة للمهاجرين من تقليص قاعدة "ساركوزي".

ويمكن القول إن تزايد الدعم الذي يلقاه "بايرو" و"لوبن" لا يعد مؤشراً على جاذبيتها بقدر ما هو مؤشر على استياء الناخبين من الطابع الممل لحملتي المرشحين الأوفر حظاً وافتقارهما إلى الحيوية والنشاط. غير أنه من دون دعم حزب كبير، فإنه من غير المرجح أن يتمكن "بايرو" من الوصول إلى الجولة الثانية. أما في حال استطاع "لوبن" الصمود في الجولة الأولى -مثلما فعل في 2002- فمن شبه المؤكد أنه سيخسر في جولة السادس من مايو.

وقد ساهمت تداعيات الهجرة والعولمة في تركيز الحملة على الشؤون الداخلية؛ حيث حرص كل المرشحين على تحاشي الخوض في المواضيع الحساسة للسياسة الخارجية من قبيل كيفية بث روح جديدة في مشروع الاندماج الأوروبي المتعثر، أو ما ينبغي فعله إزاء الشراكة مع الولايات المتحدة التي تمر بصعوبات.

ومما يذكر هنا أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات حقيقية منذ أن رفض الفرنسيون مشروع الدستور الأوروبي الموحد في استفتاء شعبي عام 2005. وقد شكل هذا الرفض في الواقع تصويتاً بحجب الثقة عن شيراك، الذي دعم الفكرة بقوة. وكان من نتائج ذلك، أن أُضعفت الحكومة كثيراً، وهو ما انعكس بدوره على الاتحاد الأوروبي، الذي وجد نفسه مفتقراً إلى رؤية وزعامة فرنسيتين هو في أمس الحاجة إليهما لتوجيهه وإخراجه من حالة الجمود.

وقد اختار المرشحون للانتخابات الرئاسية لزوم الصمت بخصوص موضوع العلاقات مع الولايات المتحدة أيضاً. فبالرغم من تقلص وتراجع المشاعر المعادية للولايات المتحدة بسبب حرب العراق، إلا أن "ساركوزي"، الذي لا يُخفي عادة ميوله إلى الولايات المتحدة، عدل مؤخراً عن الحديث حول موضوع العلاقات بين ضفتي الأطلسي مخافة أن يُنظر إليه باعتباره مقرباً جداً من إدارة بوش.

ومهما يكن الفائز، فإن واشنطن تتساءل بشكل مشروع بخصوص ما تُخبئه الانتخابات المقبلة للعلاقات الفرنسية- الأميركية، وما إن كانت الحكومة المقبلة ستساعد على بناء اتحاد أوروبي قوي يمكن للولايات المتحدة أن تلجأ إليه لمساعدتها بخصوص مواضيع مثل الشرق الأوسط وغيره.

وفي وقت يذهب فيه الناخبون الذين لم يحسموا أمر اختيارهم بعد إلى مكاتب الاقتراع آخر هذا الأسبوع لانتقاء مرشحهم، فإن الواقع بالنسبة للولايات المتحدة وبقية أوروبا واضح: لا يهم من يفوز بالانتخابات الفرنسية بقدر ما هو مهم ما إن كان المنتصر يستطيع تجاوز انقسام البلد من أجل تشكيل حكومة قوية وفعالة.

*أستاذ الشؤون الدولية بجامعة "جورج تاون"، ومدير الدراسات الأوروبية بـ"مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-18-4-2007