فوكوياما و نهاية التاريخ؛قصة لاتنتهي!!

 

 

فرانسيس فوكوياما

 

التاريخ عند نهاية التاريخ... لا بديل لاقتصاد السوق والنظام الديمقراطي

إن كتاب نهاية التاريخ لم يرتبط قط بنموذج أمريكي معين والاتحاد الأوروبي يعكس بصورة أكثر دقة الهيئة التي سيكون عليها هذا العالم منذ خمسة عشر عاماً، ذكرت في كتابي نهاية التاريخ والرجل الأخير أن أي مجتمع إذا ما أراد أن يكون مجتمعاً معاصراً فلا بديل لاقتصاد السوق والنظام السياسي الديمقراطي.

وبطبيعة الحال لم يكن الجميع راغبين في المعاصرة، ولم يكن بوسع الجميع إنشاء المؤسسات ووضع السياسات اللازمة للوصول بالديمقراطية والنظام الرأسمالي إلي النجاح، إلا أن أي نظام بديل لن يعود بنتائج أفضل.

وعلي الرغم من أن نهاية التاريخ كان في الأساس عبارة عن حوار بشأن المعاصرة والحداثة، إلا أن بعض الناس ربطوا بين فرضيتي بشأن نهاية التاريخ وبين السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس جورج دبليو بوش والهيمنة الاستراتيجية الأمريكية. إلا أن كل من يتصور أن أفكاري تشكل الأساس الفكري للسياسات التي تنتهجها إدارة بوش، فهو لم ينتبه إلي ما ظللت أكرره منذ العام 1992 بشأن الديمقراطية والتنمية.

في مستهل الأمر، برر الرئيس بوش التدخل في العراق علي أساس برامج صدّام لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، والارتباطات المزعومة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة، علاوة علي انتهاك العراق لحقوق الإنسان وافتقاره إلي الديمقراطية.

ومع انهيار المبررين الأولين في أعقاب الغزو في العام 2003، زادت الإدارة الأمريكية من تركيزها علي أهمية الديمقراطية، في العراق وفي الشرق الأوسط الكبير، في محاولة لإيجاد الأساس المنطقي لوجودها في العراق.

زعم بوش أن الرغبة في الحرية والديمقراطية شعور عالمي وليس مقيداً بثقافة معينة، وأن أمريكا لابد وأن تكون مكرسة لدعم الحركات الديمقراطية سعياً إلي تحقيق الهدف النهائي الذي يتلخص في القضاء علي الطغيان في عالمنا .

ولقد رأي مؤيدو الحرب أفكارهم تتأكد في أصابع الناخبين العراقيين الملطخة بالحبر، والذين اصطفوا للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات العديدة التي عقدت في الفترة بين يناير وديسمبر 2005، وفي ثورة الأرز في لبنان، وفي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أفغانستان.

علي الرغم من الأمل الذي بثته مثل هذه الأحداث، إلا أن الطريق إلي الديمقراطية الليبرالية في الشرق الأوسط من المرجح أن يكون مخيباً للآمال في الأمد القريب إلي المتوسط، وهذا يعني بالتالي أن الجهود التي تبذلها إدارة بوش لبناء سياسة إقليمية علي هذا الأساس تتجه نحو فشل ذريع.

مما لا شك فيه أن الرغبة في الحياة في مجتمع حديث والتحرر من الطغيان تنبع من شعور عالمي أو يكاد يكون عالمياً. ونستطيع أن نجد الدليل علي هذا في الجهود التي يبذلها الملايين من البشر في كل عام سعياً إلي الانتقال من العالم النامي إلي العالم المتقدم، حيث يأملون أن يجدوا الاستقرار السياسي، وفرص العمل، والرعاية الصحية، والتعليم وكل ما يفتقرون إليه في أوطانهم.

لكن هذا ليس كأن نقول إن الرغبة عالمية في الحياة في ظل مجتمع ليبرالي أو نظام سياسي يتسم بمحيط من الحقوق الفردية وحكم القانون. إن الرغبة في الحياة في ظل ديمقراطية ليبرالية هي في واقع الأمر شيئاً يكتسب مع الوقت، كنتاج ثانوي للمعاصرة الناجحة في كثير من الأحوال.

فضلاً عن ذلك فإن الرغبة في الحياة في ظل ديمقراطية ليبرالية حديثة لا تترجم بالضرورة إلي القدرة علي تحقيق هذه الرغبة بالفعل. ويبدو أن إدارة بوش قد افترضت في تعاملها مع العراق بعد صدّام أن الديمقراطية واقتصاد السوق يشكلان الظروف المثالية التي ينبغي علي المجتمعات أن تتحول إليها بمجرد التخلص من النظام القمعي المستبد، بدلاً من الشروع في بناء سلسلة من المؤسسات المعقدة المتشابكة التي لابد وأن تبني بالعرق والجهد مع الوقت.

قبل أن يتمكن أي مجتمع من تطبيق الديمقراطية الليبرالية فلابد وأن يكون لديه أولاً دولة قائمة بوظائفها (وهو العنصر الذي لم تفتقر إليه ألمانيا أو اليابان بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية). وهذا ليس بالعنصر الذي نستطيع أن نسلم بوجوده في بلدان مثل العراق.

إن كتاب نهاية التاريخ لم يرتبط قط بنموذج أمريكي معين من التنظيم الاجتماعي أو السياسي. ومثل الفيلسوف الروسي الفرنسي ألكسندر كوجييف الذي ألهمني حجتي الأصلية في ذلك الكتاب، فأنا أعتقد أن الاتحاد الأوروبي يعكس بصورة أكثر دقة الهيئة التي سيكون عليها العالم مع نهاية التاريخ، مقارنة بالولايات المتحدة المعاصرة.

إن محاولات الاتحاد الأوروبي الرامية إلي تجاوز سياسات السيادة والقوة التقليدية من خلال تأسيس حكم القانون علي مستوي متخط للحدود القومية تتفق مع عالم ما بعد التاريخ أكثر مما يتفق معه اعتقاد الأمريكيين المستمر في السيادة الوطنية، والآلة العسكرية .

وأخيراً، أنا لم أربط قط بين البروز العالمي للديمقراطية وبين الوكالة الأمريكية، وبصورة خاصة لم أربط بين ذلك وبين ممارسة القوة العسكرية الأمريكية. إن التحول إلي الديمقراطية لابد وأن يكون مدفوعاً بواسطة المجتمعات الراغبة في الديمقراطية، وبما أن الديمقراطية تحتاج إلي مؤسسات، فهي عادة عملية طويلة ومجهدة إلي حد كبير.

وربما تستطيع القوي الخارجية مثل الولايات المتحدة في المساعدة في هذه العملية من خلال القدوة التي تقدمها باعتبارها مجتمعات ناجحة علي المستويين السياسي والاقتصادي. كما تستطيع هذه القوي توفير الدعم المالي، والنصيحة، والمعونة الفنية، وفي بعض الأحيان القوة العسكرية لمساعدة العملية في الاستمرار. إلا أن تغيير الأنظمة بالقهر والعنف لم يكن قط سبيلاً إلي التحول نحو الديمقراطية.

*فرانسيس فوكوياما - عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ورئيس مجلس إدارة مجلة المصلحة الأمريكية The American Interest..

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:أخبار العراق نقلا عن " بروجيكت سنديكيت"  مجلة المصلحة الأمريكية-1-4-2007