«العالم الثالث» ومحنة الديموقراطية

 

حازم صاغيّة

 

استنتجت «ذي ايكونوميست انتليجانس يونت» الرصينة أن موريشيوس وحدها، من بين دول افريقيا كافة، تستحقّ أن تسمّى ديموقراطيّة «كاملة». وقد علّقت مجلة «ذي ايكونوميست» على استنتاج شقيقتها الصغرى فاعتبرته «قاسياً». ذاك أنها استبعدت جنوب افريقيا من تصنيف الديموقراطيّة الكاملة نظراً الى افتقارها الى معارضة قويّة هي من شروط الديموقراطيّة كي تكتمل. مع هذا يبقى التقويم الإجماليّ صحيحاً، فيُخشى، من ثمّ، أن تتحوّل بلدان شبه ديموقراطيّة ما بين نيجيريا واثيوبيا إلى ما آلت إليه زيمبابوي في ظلّ روبرت موغابي. ويلوح أن بلداً كالكونغو، على رغم انتخاباته الأخيرة التي رعتها الأمم المتّحدة وأشرفت عليها، مهدّد بالارتداد إلى نمط سلطويّ غير ديموقراطيّ. لا بل ثمّة من يتخوّف على جنوب افريقيا نفسها: ذاك أن بطء التحويل الاجتماعيّ لمصلحة الأكثريّة السوداء يفاقم غضب هذه الأخيرة ويضاعف، بالتالي، مخاطر ارتدادها على المؤسسات الدستوريّة.

تطوّرات كهذه تقع برداً وسلاماً على دعاة «صراع الحضارات»، فتؤكّد لهم يقينهم من أن ثمّة بلداناً غير مؤهلّة، بسبب ثقافاتها ودياناتها، لاعتناق الديموقراطيّة. وفي هذا الصفّ الطويل يقف الأفارقة والعرب وبعض الأميركيّين اللاتينيّين ينتظرون أدوارهم في التبويب والتصنيف.

لكنْ، وفي معزل عن نظريّات التعويل الأحاديّ على الخلفيّات الدينيّة والثقافيّة، تداهمنا مشكلة يصعب التغلّب عليها بالخطابة والمناشدة الإراديّة، أو بالنيّات الحسنة كائناً ما كان مصدرها، وهي مشكلة يتشارك العالمان المتقدّم والمتخلّف في إنتاجها وتوسيع رقعة مفاعيلها.

ذاك أن الصعود الديموقراطيّ في الغرب كان جزءاً من صعود الفئات المطالبة بحقوقها، التي وجدت في التصويت، ومن ثمّ في التشريع، أداة لإحقاق تلك الحقوق. أما في «العالم الثالث»، أو معظمه، فتصاحبت «الثورة الديموقراطيّة» مع تغييب للمسألة الاجتماعيّة ارتكز على مقدّمات ثلاث: فمن جهة، سادت الغربَ الرسميّ رغبةٌ حادّة في استكمال الانتصار على الاتّحاد السوفياتيّ والشيوعيّة بجعله انتصاراً كونيّاً على المسألة الاجتماعيّة ورموزها وممثّليها. ومن جهة أخرى، طغى، في المناخ المذكور، تأويل للعولمة يحطّم صمّامات الأمان التي تحمي الجماعات الأكثر فقراً والبلدان الأكثر فقراً على السواء، وفي الآن نفسه لم تحل الدعوة الى فتح الأسواق دون المضي في دعم الاحتكارات الزراعيّة في الغرب على حساب المنتجين الزراعيّين في «العالم الثالث». وأخيراً، أدّت أحاديّة التركيز على مكافحة الإرهاب، بعد 11/9، إلى تهميش البنود الاجتماعيّة الأخرى المطروحة على أجندة العالم، من فقر ومرض وبطالة وبيئة ومعونات... الخ.

في المقابل، برهنت الثقافات السياسيّة في «العالم الثالث»، القوميّ منها والدينيّ والشعبويّ على أنواعه، أنها ذات مناعة استبداديّة عصيّة على التغيير. فبعد أن حطّم القمعُ الديناميّات الداخليّة لمجتمعاتها، وبعد أن سُدّت آفاق انتقالها الى سويّة سياسية - دستورية أرقى، لم يعد أمامها سوى العود على بدء: معالجة الاستبداد بالاستبداد وتخيير المجتمعات بين الخضوع لحكّامها وبين تعرّض للشمس والحريّة يساوي التعرّض للحرب الأهليّة حتماً.

وفي المناخ هذا، بات كل تبشير أميركيّ ساذج بالديموقراطيّة يقابله تحريض خبيث على صون الكرامة الجريح لـ «الأمّة» التي لا يجرح كرامتها إلا حكّامها أنفسهم. ومع هؤلاء، وفي عدادهم مسرحيّو درجة ثالثة كشافيز، أو درجة رابعة كأحمدي نجاد، ينبغي أن نتضامن مثلما تضامن الأفارقة مع روبرت موغابي. والأخير أرجع بلاده، في حياتها الاقتصاديّة وفي أدائها المؤسسيّ، ثلاثين سنة إلى الوراء... إلا أنه «صان كرامتها»!

محنة الديموقراطيّة تكمن تحديداً في هذا اللقاء بين السياسات الغربيّة الراهنة والعداء «الثقافيّ» الراهن للغرب.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-9-4-2007