ما وراء التوتر السياسي في أوكرانيا

 

روبرت ماركواند

 

 

تقع أوكرانيا على الحدود الجيوسياسية الحساسة بين الشرق والغرب؛ وكانت "ثورتها البرتقالية" قد أعطت قبل نحو عامين انطلاقة عملية تعزيز الديمقراطية وتكريس الاستقلالية عن موسكو. بيد أن مأزقاً سياسياً كبيراً ظهر مؤخراً على خلفية دعوة الرئيس "فيكتور يوشينكو"، الذي يُعد العقل المدبر لـ"الثورة البرتقالية"، إلى انتخابات جديدة في أوكرانيا في السابع والعشرين من مايو وجهوده الرامية إلى حل البرلمان.

ويوجد "يوشينكو" في صراع سلطة مع رئيس الوزراء الميال إلى موسكو "فيكتور يانوكوفيتش"، وهو ما تسبب في أزمة سلطة بين الجيش ووزارة الداخلية، ومعركة حول التأويلات الدستورية– وكلها أمور قد تحيي الانقسامات العرقية والجهوية، وإن كان لا أحد يتوقع عودة الدبابات والقوات إلى الشوارع.

وإذا كانت التوترات السياسية في أوكرانيا كثيراً ما توصف بأنها نتيجة للتجاذبات بين موسكو والغرب، فإنه يُنظر إلى الأزمة الحالية اليوم باعتبارها توتراً بين متنافسين ومؤسسات في الداخل. إذ يرى بعض المحللين أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الإصلاحات التي اعتُمدت في مرحلة ما بعد "الثورة البرتقالية"، والتي جلبت التعددية الحزبية وفصل السلطات وحرية الصحافة إلى أوكرانيا، هي نفسها التي سمحت بتعدد مراكز السلطة المتنافسة والفضفاضة بين البرلمان والرئيس إلى درجة أن تسوية الخلافات بينهما أصبح موضوع توتر حاد.

وفي هذا السياق، يقول "ألكسندر سوشكو" من "المعهد المستقل للاندماج الأوربي-الأطلسي" في العاصمة كييف:"إن مشكلات عدة لم تُحل، مما ترك الكثير من الثغرات التي يؤولها كل طرف كما يحلو له"، مضيفاً "عندما يتعلق الأمر بصراع، فهو غالباً ما يكون صعباً ومستعصياً لأنه ليست لأوكرانيا تقاليد وتجارب في حل مثل هذه الأزمات".

ويعارض "يانوكوفيتش"، الذي يتحكم في وزارة الداخلية والأغلبية في البرلمان، بشدة إجراء انتخابات جديدة. وقد رفع المسألة إلى أنظار المحكمة الدستورية، التي توجد اليوم في وضع صعب وحرج للغاية إلى درجة أن رئيسها "إيفان دومبروفسكي" حاول الاستقالة يوم الأربعاء. أما "يوشينكو"، الذي يقف الجيش إلى جانبه، فيقول إن الانتخابات ستمضي قدماً حتى وإن حكمت المحكمة ضد إجرائها.

واللافت أن الائتلاف البرتقالي لـ"يوشينكو" و"يوليا تيموشينكو" فقدَ، خلال العامين اللذين أعقبا الاحتجاجات العارمة لخريف 2004 والتي أدت إلى إلغاء الانتخابات المزورة التي وضعت زعيما مقرباً من موسكو في السلطة، الدعمَ بشكل مضطرد في البرلمان. ويرى البعض أن "يوشينكو" ربما يكون قد أحس بأنه لم يعد أمامه خيارٌ سوى الدعوة إلى انتخابات جديدة. ويذكر هنا أن "تيموشينكو" مرشحة تحظى بشعبية كبيرة، وقد تستفيد من انتخابات جديدة– وإن كانت المعارضة تنفي ذلك.

وفي غضون ذلك، يشتكي الأوكرانيون من غلاء المعيشة، ومما يعتبرونه عجز السياسيين عن تنفيذ الإصلاحات التي تعثرت. ويأتي قرار "يوشينكو" بالدعوة إلى انتخابات جديدة بعد التحاق أحد عشر عضواً من حزب "تيموشينكو" في الثالث والعشرين من مارس الماضي بأحزاب المعارضة– ليصبح بذلك عدد هذه الأخيرة في البرلمان 260 عضواً. ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن 300 فقط، هو العدد المطلوب لخلق ثقافة سياسية مختلفة، وقلب بعض من المبادئ التي أتت بها "الثورة البرتقالية" بخصوص فصل السلطات ومراقبة بعضها لبعض.

وفي هذا الإطار، يقول "ألكسندر تشيكميشوف"، نائب مدير معهد الصحافة ورئيس لجنة المساواة في كييف إن السياسيين في أوكرانيا "تعرضوا لضغوط من أجل تغيير الفصائل عبر الوعود أو الأموال أو حتى التهديدات"، مضيفاً "إنه صراع على السلطة يثبت صحة أقوال الرئيس من أن البرلمان لم يعد يعكس إرادة الناخبين المعبر عنها في انتخابات 2004".

أما "فيرا نانيفسكا"، رئيسة "أكاديمية إدارة الدولة" في أوكرانيا، فترى أن التوتر السياسي الحالي ليس سوى مظهر من مظاهر الآلام الديمقراطية المتزايدة إذ تقول "إنها أزمة حقيقية، غير أنها تعني أن الديمقراطية بصدد التطور والترسخ حتى وإن كانت مؤلمة".

بيد أن آخرين يرون أن ما يحدث ليس له علاقة بالديمقراطية البتة. وفي هذا السياق، يقول "كيريل فرولوف" من "معهد دراسات رابطة الدول المستقلة" في موسكو "إن الدولة تتدخل في شؤون الكنيسة، بل وتفرض على المواطنين اللغة التي عليهم أن يتعلموها. وبالتالي، فهذه ليست الديمقراطية".

بيد أن "فرولوف" يرى في الوقت نفسه أن نجاح القوى البرتقالية في انتخابات جديدة سيكون مثيرا للقلق إذ يقول "في حال فاز الوطنيون -أقصد "يوشينكو" و"تيموشينكو"- فمن شأن ذلك أن يتسبب ذلك في زعزعة استقرار الأوضاع في أوروبا الشرقية والمواجهة مع روسيا".

*مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في باريس

و كل ذلك بجسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-8-4-2007