بريجنسكي: "الديمقراطية لن تأتي على أسنة الرماح"

 

 

سويس إنفو التقت الدكتور زبجنييف بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر، بمناسبة صدور كتابه الجديد بعنوان: فرصة ثانية - ثلاثة رؤساء وأزمة أمريكا كقوة عظمى.

بعد أن كانت أمريكا ترمُـز للكثيرين من أبناء الشعوب الأخرى إلى الديمقراطية وأنها منارة للحرية وقِـبلة للمهاجرين من كافة أنحاء العالم، أدّت السياسات الأمريكية، خاصة منذ انتهاء الحرب الباردة ووصولا إلى مغامرات الحروب الاستباقية والتنصّـل من قوانين جنيف، إلى أن ترتبط صورة أمريكا في أذهان شعوب العالم، وخاصة العالمين العربي والإسلامي، بممارسات غوانتانامو.

سويس إنفو: تحدثت في كتابك عن أداء آخر ثلاثة رؤساء أمريكيين بعد إنفراد أمريكا بزعامة العالم وكيف أثر أداؤهم على صورة أمريكا في العالم، فكيف كان تقييمك لكل منهم؟

د. بريجينسكي:

أعتقد أن الرئيس جورج بوش الأب كان أفضل من الرئيس كلينتن ومن الرئيس بوش الإبن، لذلك أعطيته تقدير "جيد"، لأنه تعامل برباطة جأش مع انهيار الاتحاد السوفييتي، واستخدم حنكته السياسية ومهارته الدبلوماسية في حشد رد دولي على غزو صدّام حسين للكويت، لكنه أخفق في ترجمة الحدثين إلى نجاح تاريخي مستديم، حيث لم يستخدم النفوذ السياسي الأمريكي ولا الشرعية الأخلاقية في المساعدة على تحويل روسيا إلى ديمقراطية حقيقية، وكذلك لم يستغل النصر في حرب تحرير الكويت بشكل استراتيجي بالضغط من أجل التوصل إلى تسوية سلمية عادلة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما كان يمكن أن يفتح المجال أمام تحوّل استراتيجي في الشرق الأوسط.

وسرعان ما تدهورت النظرة إلى دور الولايات المتّـحدة في المنطقة، وأصبحت شعوب المنطقة تنظر إلى أمريكا على أنها الوريث الإمبريالي للإمبراطورية البريطانية ووكيل إسرائيل، الذي يرفع شعار السلام ثم ينخرط في انتهاج تكتيكات المُـماطلة والتسويف لتمكين إسرائيل من التوسع في الاستيطان.

أما الرئيس كلينتن، فأعطيته تقدير "مقبول"، لأنه كان أمامه متّـسع من الوقت ليُـنجِـز أكثر بكثير ممّـا أنجزه في ثمانية أعوام من الرئاسة. فمع أنه يستحِـق التقدير على مشاركته شخصيا في عملية السلام، بحيث أمكن التوصّـل إلى ملامح ما يُـمكن أن يكون اتِّـفاقا للتسوية النهائية في كامب ديفيد الثانية، ومع أنه وسّـع نِـطاق حلف الأطلسي وعزّز مشاركته في استقرار منطقة البلقان، فإنه في النهاية افتَـقر إلى وضوح الرؤية الإستراتيجية، ولم يُـلقِ بالاً لمحاولات اختراق الحائط الذي استهدف حظر الانتشار النّـووي، وتمكّـنت كل من كوريا الشمالية والهند وباكستان من اختراق ذلك الحائط.

أما الرئيس الحالي جورج بوش الإبن، فإنه يستحق تقدير "فاشل"، لأن سِـجِّـله حافل بالكوارث والمصائب، وفي عهده انحدرت قُـدرة الولايات المتحدة على حشد التأييد الدولي وتشكيل الحقائق على مستوى العالم، كما أن الولايات المتحدة تورّطت تحت رئاسته في حرب كارثية في العراق، وأصبح المجتمع الأمريكي أسيرا للخوف والعزلة.

سويس إنفو: ما الذي يُـمكن أن تتسبّـب فيه الحرب في العراق بالنسبة لمكانة الولايات المتحدة في العالم؟

د. بريجينسكي:

إذا استمرّت الحرب في العراق وواصل الرئيس بوش تصعيدها بإرسال المزيد من القوات الأمريكية، وهو ما فعله بالفعل، بل زاد العدد ليس بعشرين ألفا كما قال في البداية، وإنما بثلاثين ألفا، فقد ينطوي التصعيد على توسيع نِـطاق الحرب من خلال تصعيد أو صِـدام غير مقصود مع إيران، ربما عن طريق حادثة تشكِّـل فتيلا لمُـجابهة عسكرية، مثل حادث البحارة البريطانيين الأخير، والتي تُـعطينا مثالا على ما يُـمكن أن يقع ويتسبّـب في حرب قد يمتَـدّ مداها من باكستان وأفغانستان إلى إيران والعراق، وهو موقف مُـروِّع قد تجِـد الولايات المتحدة نفسها مُـنزلقة إليه، إذا واصلت تصعيد الحرب في العراق، وسيُـسفر هذا عن وقوع الولايات المتحدة في صِـراع طويل ومرير وأكثر تكلفة من الحرب في العراق، وسيُـقوِّض سُـمعة الولايات المتحدة بشكل لم يسبق له نظير.

سويس إنفو : وصفت وضع الولايات المتحدة في كتابك بأنها تجد نفسها في عالم تتصاعد فيه مشاعر العداء لأمريكا وتشكِّـك الشعوب في مِـصداقيتها فيما يغوص جنودها في مستنقع العراق وينأى عنها أصدقاؤها، فكيف تتوقع أن يكون للولايات المتحدة فرصة ثانية مع العالم؟

د. بريجينسكي:

لا زالت هناك بعض النوايا الطيبة إزاء الولايات المتحدة في العالم، ولا يزال الملايين من شعوب العالم المختلفة يحلمون بالهجرة إليها، ولكنني أدرِك أن السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات الأخيرة هي التي أدّت إلى تلك المشاعر وتلك المواقف، ولذلك فإنني اعتقد أنه سيكون بوسع الولايات المتحدة استعادة مصداقيتها وشرعيتها ومكانتها بالتدريج، غير أن هذا يتطلّـب شيئين هامين:

أولا، إدخال تعديلات وتغييرات جِـذرية وجِـدِّية على النهج الأمريكي في التعامل على المسرح الدولي.

ثانيا، الصبر، لأن هذا سيستغرق وقتا طويلا، نظرا لفداحة الضَّـرر الذي لحق بسُـمعة الولايات المتحدة.

ولعلي لا أخفي عليك شعوري بالحُـزن العميق، لأن أمريكا لم تعُـد تعني بالنسبة لشعوب العالم ما يمثله تِـمثال الحرية من قِـيم نبيلة، كما كان الحال عندما هاجرت وأنا طفل صغير إلى الولايات المتحدة، وإنما أصبحت مُـرتبطة في أذهان العالم بالتجاوزات التي وقعت في معسكر غوانتانامو وسيستغرق التخلّـص من تلك الوصمة وقتا طويلا.

سويس إنفو: ولكنك حذّرت في كتابك من أن العشرين شهرا المتبقية في حكم الرئيس بوش ستكون حاسمة بالنسبة لاحتمالات اقتناص الولايات المتحدة فرصة ثانية لإصلاح ما لحق بسمعتها الدولية من أضرار، فلماذا التحذير؟

د. بريجينسكي:

لأنه سيتعيَّـن، لنجاح الفرصة الثانية، أن تتوقف إدارة الرئيس بوش عن تصعيد الحرب في العراق، ولأنني أعتقد شخصيا أن الرئيس بوش لن يُـنهي تلك الحرب خلال العشرين شهرا المتبقية له في البيت الأبيض، وهو ليس مستعدّاً لاتِّـخاذ القرارات الصَّـعبة اللازمة لوقف تلك الحرب، كما سيتعيّـن على الرئيس القادم بعد بوش أن يتوفر فيه القَـدر الكافي من الوعي السياسي وحُـرية الحركة لاتِّـخاذ ما يلزم من تعديلات يتطلّـبها نجاح الولايات المتحدة في اقتناص الفرصة الثانية لإصلاح وضعها الدولي.

سويس إنفو: مشكلة صورة أمريكا في العالم العربي، أن الشعوب العربية تراها غير مُـهتمة بالتوصُّـل إلى حلٍّ للصراع العربي الإسرائيلي، وأنها تزعَـم دفع مسيرة الديمقراطية، فيما تساند حُـكَّـاما غير ديمقراطيين، فكيف سيُـمكن إصلاح وضعها في العالم العربي؟

د. بريجينسكي:

فيما يتعلّـق بدور أمريكا في حلِّ الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن أخطر ما يُـمكن أن ينال من مِـصداقية الولايات المتحدة هو تصوّر أنها وكيلة عن إسرائيل، ويتعيَّـن على الولايات المتحدة التدخُّـل النَّـشط للمساعدة في التوصُّـل إلى حل عادل وشامل يُـنهي القمع والاحتلال الإسرائيلي، ويوفِّـر الأمن والأمان للإسرائيليين وللولايات المتحدة، مصلحة حيوية في إنهاء ذلك الصراع، الذي يغذّي مشاعر العداء في العالمين، العربي والإسلامي، ضد الولايات المتحدة، التي تظهَـر إمّـا بمظهر سلبي، كما حدث خلال السنوات الست الماضية أو بمظهر المساند دوما للجانب الإسرائيلي، وأعتقد أن التدخل الآن يأتي في وقته تماما، لأن غالبية الفلسطينيين وغالبية الإسرائيليين أصبحوا مستعدّين لقبول نوع من الحل الوسط، وما يغيب عن الساحة الآن هو قيادات قوية من الجانبين، قادرة على اتِّـخاذ القرارات الصعبة.

أما فيما يتعلق بقضية التحوّل نحو الديمقراطية ومساندة واشنطن للحكام العرب غير المنتخبين، فيجب إدراك أن الديمقراطية ستبزُغ على المنطقة العربية شيئا فشيئا، ولكنها لن تأتي من خلال دعوة الولايات المتحدة إلى التحوّل نحو الديمقراطية ولن تأتي كذلك على أسنّـة الرماح بفرضها بالقوة الأمريكية المسلحة.

فالديمقراطية الحقيقية يجب أن تنبع من الداخل، ولذلك، فأنا أحاجج في كتابي بأن الديمقراطية هي المرحلة النهائية في عملية واسعة، تشمل احترام كرامة الآخرين وقبول التنوّع في ثقافات العالم وانعكاساتها على السياسة، حيث لا يُـمكن تصور أن الثقافة السائِـدة في مجتمع ما لا تُـؤثر على النواحي السياسية فيه، وفي هذا السياق، يمكن أن تقوم الديمقراطية من خلال مؤسسات، ولذلك، توهّـمت الإدارة الأمريكية الحالية أنّ بوسعها نشر الديمقراطية بالوعظ أو بفرضها بالقوة.

وبطبيعة الحال، نسمع الرئيس بوش يتحدّث بفخر عن الديمقراطية الوليدة في العراق، بينما لا تتواجد حكومة العراق، التي يسميها بالديمقراطية خارج المنطقة الخضراء، وهي أساسا قلعة عسكرية أمريكية في قلب بغداد.

سويس إنفو: من أكثر الأسباب التي أدّت إلى تراجُـع هيبة وسُـمعة الولايات المتحدة في العالم، ما تسمِّـيه واشنطن الحرب على الإرهاب، فهل يمكن شنّ حرب على تكتيك، وليس على عدو معروف؟

د. بريجينسكي:

أنا شخصيا لا أعرف ما الذي تعنيه فِـكرة شن الحرب على الإرهاب. فالحرب يتِـم إعلانها ضدّ كِـيان ما أو عدُو ما، لذلك، فالحديث عن شن حرب على الإرهاب يُـشبه القول بأن الحرب العالمية تمّ شنّـها على أسلُـوب الألمان المُـتميز بالحرب الخاطِـفة، فنحن نُـدرك أن كلاّ من الحرب الخاطفة بالآليات المدرعة واللجوء إلى الإرهاب، ليسا إلا سُـبلا للقتل بغرض التّـرهيب والتعامل مع تكتيك الإرهاب، يبدأ بالتعامل مع المناخ والظروف السياسية التي تغذيه، ولا يمكن مكافحة الإرهاب إلا بالتعاون مع عددٍ كبير من الدّول، ونكاد نكون الوحيدين الذين يستخدمون هذا التعبير القائل بوجود حرب على الإرهاب، وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى أننا تحوّلنا إلى ضحايا للتّـرهيب داخل مُـجتمع أمريكي يعمّـه الخوف، ويساعد هذا الشعور بالخوف على زيادة الشعور بعُـزلة أمريكا في العالم.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو-8-4-2007