نار أشعلها تعديل الدستور المصري

 

د. وحيد عبد المجيد

 

يتوقع أن تنتهي عملية التعديل الدستوري في مصر بإجراء الاستفتاء العام على هذا التعديل اليوم الاثنين. ولكن المعركة التي أثارها هذا التعديل لم تنتهِ. والنيران التي أشعلها الجدل الحاد حول قضية العلاقة بين الدولة والدين لم تخمد. وربما يكون هذا هو الأثر الأهم، والأخطر، لمعركة التعديل الدستوري.

فقد أظهرت هذه المعركة انقساماً متعدد الجوانب ومتفاوتاً في خطره. ويكمن الجانب الأكثر خطراً لهذا الانقسام في الصراع الذي تصاعد حول المادة الثانية في الدستور المصري والتي تنص على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع".

لم تكن هذه المادة بين المواد الأربع والثلاثين التي طلب الرئيس المصري حسني مبارك إلى البرلمان تعديلها. ولكن هذه المواد لم يكن لها نصيب يُذكر من الجدل العام الذي اشتد حول المادة الخاصة بدين الدولة. فالملاحظ أن هذا الجدل انصب كله تقريباً على ثلاث فقط من المواد الأربع والثلاثين التي حدث فيها تعديل، ومادتين لم تكونا مطروحتين للتعديل. فأما المواد الثلاث التي تم تعديلها فهي المادة الأولى التي أضيف إليها نص صريح على أن مصر دولة تقوم على المواطنة، والمادة 88 التي عُدلت على نحو حصر الإشراف القضائي على الانتخابات في أضيق الحدود، والمادة 179 التي جاء تعديلها معطلاً لثلاث من أهم مواد الدستور المتعلقة بالحقوق والحريات الشخصية بهدف تيسير إصدار قانون لمكافحة الإرهاب بدلاً من حالة الطوارئ المعلنة منذ 6 أكتوبر 1986.

وأما المادتان اللتان لم تطرحا للتعديل ولكنهما تصدرتا الجدل العام، فهما المادة 77 التي تنص على انتخاب رئيس الجمهورية لمدد متوالية دون تحديد، والمادة الثانية الخاصة بدين الدولة.

غير أن ثمة فرقاً كبيراً بين طبيعة كل من هاتين المادتين، وبالتالي التداعيات المترتبة على الانقسام الشديد الذي حدث بشأنهما. فالمادة 77 تتعلق بمسألة إجرائية. وهذا النوع من المسائل لا يثير الانقسام حوله قلقاً شديداً، بخلاف القضايا التي تتعلق بمقومات الدولة والمجتمع، ناهيك عن أن تمس عقيدة الأغلبية. ولذلك فالمادة الثانية في الدستور المصري هي أكثر مواده حساسية، ولا تضاهيها في ذلك مادة أو مواد أخرى.

ومن هنا القلق الذي لابد أن يثيره الانقسام الذي اشتد حولها خلال معركة تعديل الدستور، بين من طالبوا بتعديلها ومن أصروا على أن تبقى كما هي. وبالرغم من أنها لم تكن مطروحة رسمياً للتعديل، كانت هي المادة الوحيدة التي أشعلت "حرب بيانات"، فضلاً عن الحرب الإعلامية واسعة النطاق في الكثير من الصحف والقنوات التليفزيونية العربية عموماً، وليس فقط المصرية. فقضية الدولة والدين لم تُحسم في كثير من بلاد العالم العربي والإسلامي. ولذلك فهي تثير الجدل من وقت إلى آخر في بلد منها أو آخر.

ومما زاد الانقسام حول هذه القضية في مصر خطراً أن الجدل الذي اشتعل بشأنها لم يقتصر هذه المرة على الجزء الأخير في مادة الدستور الثانية والمتعلق بالشريعة الإسلامية، وإنما شمل جزأها الأول الذي ينص على أن دين الدولة هو الإسلام.

فقد شهدت مصر معارك عدة من قبل حول اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، ولكن أياً منها لم يصل إلى الحدة التي تتسم بها المعركة الراهنة التي بدأت خلال عملية تعديل الدستور. كما أن هذه هي المرة الأولى التي يثير فيها المعترضون على اعتبار الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع قضية دين الدولة أيضاً ويدعون إلى إلغاء النص عليه بدعوى أن الدولة الحديثة محايدة تجاه الأديان كلها.

فالنص على أن الإسلام هو دين الدولة مستقر في الفقه الدستوري المصري منذ أكثر من ثمانين عاماً عندما صدر دستور 1923. كما أن الخلاف حول مسألة الدولة والدين تركز على موضوع الشريعة الإسلامية منذ عام 1971 حين تضمن الدستور الذي صدر في ذلك العام نصاً على أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع. وهو النص الذي تم تعديله عام 1980 لتصبح هذه المبادئ هي المصدر الرئيس، وليس فقط مصدراً رئيسياً للتشريع.

ومن شأن امتداد الجدل ليشمل دين الدولة وليس فقط مصادر التشريع فيها أن يزيد الانقسام حول قضية الدولة والدين حدة وخطراً في آن معاً. فلم يتعرض النص الدستوري الذي يحدد دين الدولة المصرية إلى نقد يُعتد به على مدى أكثر من 80 عاماً، ناهيك عن أن يصبح جزءاً من الانقسام حول قضية الدولة والدين.

فقد حدث توافق على أن الإسلام هو دين الدولة خلال أعمال لجنة الثلاثين التي تم تشكيلها في أبريل 1922 لإعداد مشروع للدستور عقب حصول مصر على استقلال قانوني بموجب ما عُرف بتصريح 28 فبراير 1922 الذي أقرت فيه بريطانيا بهذا الاستقلال مع احتفاظها بما أُطلق عليه تحفظات أربعة.

وكان بين أعضاء تلك اللجنة ثلاثة علماء دين مسلمين هم الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي سابق) والسيد عبد الحميد البكري شيخ الطرق الصوفية ونقيب الأشراف والشيخ محمد خيرت راضي، إلى جانب نائب بطريرك الأقباط حينئذ الأنبا يؤانس الذي تولى البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس السادس بعد ذلك عام 1927. كما كان من بين أعضاء اللجنة اليهودي يوسف أصلان قطاوي.

وخلال مداولات اللجنة، عرض الشيخ محمد بخيت المطيعي عليها بعض القواعد التي اقترح إضافتها إلى أحكام الدستور، ومنها أن يكون الدين الرسمي للدولة المصرية هو الإسلام. وطرح رئيس اللجنة حسين رشدي باشا هذا الاقتراح لأخذ الآراء عليه، فوافق أعضاء اللجنة جميعهم عليه. وتم وضع النص على دين الدولة في أولى مواد الباب السادس المتعلق بالأحكام العامة، وهي المادة 149 التي صيغت كالتالي : "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية". وأقرت اللجنة هذه الصيغة بشكل نهائي عند التصويت عليها في 3 أكتوبر 1922.

ويمكن تفسير الإجماع على هذه المسألة بعدم وجود حساسيات دينية أو طائفية في المجتمع المصري في ذلك الوقت. كان المصريون خارجين لتوهم من ثورة 1919 الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وقد تلاحم المسلمون والمسيحيون في الشوارع والميادين التي سارت فيها المظاهرات الشعبية حاملة شعارات مثل (مصر للمصريين) و(الدين لله والوطن للجميع).

ولم يجد مسيحيو مصر في الإشارة إلى دين الأغلبية المسلمة في الدستور ما يسيء إليهم أو إلى دينهم. كان الجميع ينظرون إلى النص على أن الإسلام هو دين الدولة باعتباره تحية كريمة من المشرِّع الدستوري لدين الأغلبية، على حد تعبير الفقيه المصري الكبير د. عبدالحميد متولي.

والحال أنه لم يكن هناك ما يثير قلق المسيحيين، ولا اليهود الذين كانت لهم جالية صغيرة ولكنها نشطة في مصر حينئذ، من النص على دين الدولة خصوصاً في ظل وجود نص آخر على أن (حرية الاعتقاد مطلقة) في المادة 12 ضمن الباب الثاني في دستور 1923، وهو الباب الذي كان يحدد حقوق المصريين وواجباتهم. كما كفلت المادة 13 في الباب نفسه أن "تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات الدينية في الديار المصرية على ألا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب".

وظل الأمر على هذا النحو حتى ثورة 1952. فعندما أعدت لجنة الخمسين، التي شكلتها قيادة الثورة، مشروع دستور جديد عام 1954 حافظت على كل من دين الدولة وحرية الاعتقاد. ولكن النص على أن الإسلام دين الدولة جاء في المادة 195 في الباب العاشر، فيما تم دمج المادتين 12 و13 اللتين وردتا في دستور 1923 لتصبحا مادة واحدة أخذت الرقم 11 في مشروع دستور 1954.

وبالرغم من أن قيادة الثورة رفضت هذا المشروع، فلم يكن لهذا الرفض علاقة بالنص على دين الدولة، وإنما بنوع النظام السياسي الديمقراطي الذي قام عليه. ولذلك فعندما صدر دستور 1956 بقي النص على أن الإسلام هو دين الدولة، ولكنه وُضع في المادة الثالثة ضمن الباب الأول (الدولة). وبالتالي أصبح ضمن مقومات الدولة وليس الأحكام العامة للدستور. وبقي الأمر على ما هو عليه في دستور 1964 فيما عدا أن النص على دين الدولة جاء في المادة الخامسة.

ولم يحدث تغيير إلا اعتباراً من دستور 1971 الذي أضاف أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع، قبل أن تصبح هي المصدر الرئيس في أول تعديل لهذا الدستور عام 1980.

وبالرغم من أن التعديل الأخير الذي يتوقع أن يتم تمريره عبر استفتاء اليوم (الاثنين) لم يتعرض إلى قضية دين الدولة ولا مصادر التشريع، فقد اشتد الجدل حولها وأشعل ناراً لا سبيل إلى إخمادها إلا عبر حوار موضوعي يستهدف إيجاد توافق وطني حول العلاقة بين الدولة والدين.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر : الإتحاد الإماراتية-26-3-2007