رؤية أميركية في ملفات الشرق الأوسط

 

محمد أبو رمان

 

ثمة تحوّل كبير في اتجاه السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، يقوم على إعادة تعريف مصادر التهديد والأولويات، وإستراتيجية التعامل مع الدول والأطراف المختلفة في المنطقة.

احتلال العراق كان ـ في رؤية المسئولين الأميركيين ـ مفتاحاً ذهبياً لتغيير أوضاع المنطقة وخلق مرحلة جديدة، لكن النتائج كانت مختلفة تماماً، إذ تحوّل العراق إلى حاضنة لـ"الإسلام الراديكالي" بشقيه الشيعي والسني، وتعرّضت الولايات المتحدة إلى نكسة إستراتيجية كبيرة، يرى مسئولون أميركيون أنّ عقدة فيتنام تهون أمامها.

على الجهة المقابلة، أدت "دعوة الإصلاح الأميركية" إلى فتح مناخ ومتنفس للحركات الإسلامية في العملية الانتخابية، فكانت المرحلة الأخيرة بمثابة فترة ذهبية للصعود الإسلامي. إلا أن التحدي الحقيقي والمتغير الرئيس في المنطقة، تمثل بعودة المحافظين في إيران إلى الحكم، سواء في الانتخابات النيابية 2004م، أو الرئاسية 2005م، إذ أعاد الرئيس الجديد نجاد توجيه السياسة الخارجية الإيرانية بالكلية، وفي محور ذلك الإصرار على تخصيب اليورانيوم والمضي قدما في برنامج إيران النووي، واستثمار الظروف الإقليمية لإعادة مشروع تصدير الثورة، لكن بصيغة وأدوات أخرى، وهو ما نجح فيه إلى درجة كبيرة.

مع الوقت، أدت المتغيرات الجديدة إلى إعادة تفكير حقيقية في الإستراتيجية الأميركية بعد أحداث أيلول 2001م، ما تمخض عنه انقلاب كامل على مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، من خلال اعتبار التحدي الإيراني مصدر التهديد الرئيس، والعودة إلى السياسة الواقعية، بتقديم الاعتبارات الأمنية والإستراتيجية والسياسية على سؤال الإصلاح وحقوق الإنسان، والعودة إلى مفاهيم الحرب الباردة، ببناء تحالف إقليمي ضد "الخطر الإيراني" الجديد، بما في ذلك البحث في فرص تجنيد وتوظيف الحركات السلفية (التي اعتبرت بعد سبتمبر المصدر الرئيس للإرهاب!)، وتجديد الصفقة التاريخية مع الدول العربية الحليفة لمواجهة إيران، ما يعني أننا أمام فترة ذهبية ثانية في العلاقات الإستراتيجية الأميركية ـ السعودية.

ملامح الانقلاب الأميركي الحالي في المنطقة بدت واضحة تماماً، وليست بحاجة إلى تكهن أو ذكاء في القراءة الإستراتيجية، لكن آفاق هذا التحول والتوقعات المختلفة لا تزال موضع سؤال رئيس، بين احتمال وجود صفقة إقليمية تنهي كثيراً من الملفات الشائكة، وبين تطور الحرب الباردة الجديدة إلى مرحلة عسكرية، قد تعيد هيكلة المنطقة جيوستراتيجياً.

سؤال المرحلة الحالية والقادمة كان موضع حوار خاص مع مؤول رفيع في الخارجية الأميركية، الذي أكد على الخلفية السابقة في تطور السياسة الأميركية، وقدّم أفكاراً تصب في صلب الموضوع وفي استشراف المرحلة القادمة، أول الملفات الذي ناقشته مع المسئول هو الملف الإيراني، الذي يشكل قطب الرحى في التفاعلات الإقليمية اليوم.

يرى المسئول أن إيران تولدت لديها قناعة أن الإدارة الأميركية ضعيفة وعاجزة وغير قادرة على ضرب إيران، بسبب الإخفاق في العراق، لذلك عملت الإدارة الأميركية في الفترة الأخيرة على تغيير هذه القناعة من خلال قلب الطاولة على النفوذ الإيراني، ومحاصرة إيران في المنطقة بعامة وفي العراق بخاصة، ويرى المسئول أنّ الإيرانيين بدأوا يدركون أنّ تلك القناعة خادعة وغير صحيحة، وأنّ الإدارة الأميركية تملك خيارات مفتوحة، وأنها قادرة على إعادة ترتيب أوراق القوة والنفوذ في المنطقة.

يرى المسئول الأميركي أنّ الإستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران أكثر واقعية وحذراً مقارنة بما حدث في العراق، فالسياسة الأميركية عادت إلى الأسلوب المعروف العصا والجزرة، وإذا كانت العصا تتمثل بالعقوبات والتهديدات والرسائل المختلفة في المنطقة، فإنّ الجزرة هي المبادرة الأميركية المعروضة أمام الحكومة الإيرانية الآن، والتي تقوم على تنفيذ أغلب المصالح والمطالب الإيرانية، باستثناء موضوع تخصيب اليورانيوم، ولا يخفي المسئول الأميركي أنّ هنالك تقدماً حاصلاً في الملف الإيراني، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة نوعية ملفتة.

ينفي المسئول الأميركي أنّ قراراً قد اتخذ بشن الحرب على إيران، وإن كان يقر بأنّ ثمة نقطة اللاعودة في الخيارات الدبلوماسية، عندئذ ستكون فكرة الضربة الجوية القاسية مطروحة بقوة أمام صانع القرار الأميركي. ويؤكد المسئول على الانقسام والصراع داخل أروقة صناعة القرار الأميركي نحو إيران، إذ يقود نائب الرئيس ديك تشيني التيار المؤيد للحل العسكري، بينما تدفع وزيرة الخارجية كونداليزا رايس وعدد من المسئولين لمنح فرصة جيدة ووقت كاف للحل الدبلوماسي، وللاتفاق مع القوى العالمية الأخرى بخصوص الملف الإيراني، وقد أظهرت المؤشرات الأخيرة أنّ الصين وروسيا ليسا داعماً مطلقاً لإيران.

ويرى المسئول أنّ الاتجاه المعارض لتشيني هو الذي يدير الملف الإيراني إلى الآن، وقد أكد مسئول بارز أمام الكونغرس في الأيام القريبة الماضية، أنّ هدف الإدارة الأميركية ليس تغيير النظام في طهران بل سلوكه السياسي، وهو ما يمثل خروجا على الخط السياسي التقليدي ذاته، إذ كان المطروح دوما هو تغيير النظام نفسه.

على الصعيد العراقي، وبخصوص استراتيجيه بوش الجديدة، يرى المسئول أنّ المعضلة الحقيقية سياسية، وأنّ الإدارة الأميركية تدرك ذلك تماماً....

في ملف التسوية، لا يبدي المسئول الأميركي حالياً تفاؤلاً، ويرى أنّ هنالك حركة جيدة وتحريكاً للمياه الراكدة في الآونة الأخيرة، لكن المشكلة تكمن في الجانب الإسرائيلي، الذي لا يظهر أي استعداد وقدرة على تقديم التنازلات الضرورية للحل النهائي، فليس المطلوب استئناف العملية السلمية، بل المطلوب هو التوافق على الأسئلة الرئيسة المرتبطة بالقضايا المفصلية. ولا يرى المسئول فائدة أو اختراقاً يمكن أن يحدث من جولة رايس في المنطقة، فالمحصلة ستكون وفقاً للمثل العربي "تمخّض الجمل فولد فأراً"!

مع هذا، يؤكد المسئول أن هنالك تنامياً في إدراك نخب سياسية أميركية واسعة لأهمية حل القضية الفلسطينية، ويشير المسئول إلى أن الوزيرة رايس استخدمت لأول مرة مصطلح "ضرورة رفع الظلم عن الفلسطينيين"، في أحد لقاءاتها الأخيرة في واشنطن، لكن ذلك لا يتوازى مع ضغوط حقيقية على إسرائيل، مع الأخذ بعين الاعتبار الفترة القليلة المتبقية للرئيس بوش، التي ربما ستعتمد معها إسرائيل سياسة المماطلة.

المتضرر والخاسر الأكبر في التحول الأميركي الجديد هو ملف الإصلاح السياسي، إذ يقر المسئول أنّ أولوية الإصلاح تراجعت في سياق العودة إلى السياسة الواقعية القديمة، وأنّ الإدارة الآن تخلت عن هذا الموضوع لصالح الاعتبارات الأمنية والسياسية الأخرى.

ويضرب المسئول مثلاً على التحول الأميركي بالاعتقالات الأخيرة في مصر التي طالت مئات الإخوان المسلمين، إذ طالب مسئولون أميركيون بإصدار موقف أميركي مندد بها، مقارنة بالموقف الأميركي من اعتقال أيمن نور، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل!

رؤية المسئول الأميركي قد لا تقدم جديداً في قراءة السياسة الأميركية وآفاقها، لكنها تسلط المزيد من الضوء عليها وعلى التحولات الجارية والمرحلة الحالية الحرجة في المنطقة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: مجلة العصر-20-3-2007