الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة:هل اختار المحافظون الجدد مرشحهم؟!

 

يوسف شلي

 

هل أصبحت مرشحة الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية الفرنسية سيغولان روايال، تشكل خطرا ما على أهداف واستراتيجيات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل هي مجرد صدفة أن تتحد جهود اثنين من أهم مراكز صنع القرار السياسي في واشنطن، والمعبرين عن انشغالات صقور المحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش والبنتاغون، ضد امرأة "مرشحة" للرئاسيات الفرنسية. وأغلب التحاليل السياسية الفرنسية والأوروبية والأمريكية، تتفق على أن المرشح البارز فيها لمنصب الرئاسة الفرنسية المقبل لن يكون إلا "نيكولا ساركوزي"؟ فلماذا إذا القلق أو التذمر؟

وأول المعارضين على ترشيح سيغولان روايال، كان معهد "American Entreprise Institute"، الذي عبر عن قلقه من خلال مقالة نشرت في 22/2/2007م، وبعنوان "سيغولان الاشتراكية"، بقلم جورجن راينهودت، يشير فيها إلى "البصمات الواضحة للاشتراكية في البرنامج الاقتصادي للمرشحة"، والتي "شيطنت" فيها التوجهات الاقتصادية المعاصرة والعولمة السائدة في العالم"، في إشارة منها إلى هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد والتجارة العالمي.

وفي هذا السياق، ذُّكر راينهودت ما قام به الاشتراكي الفرنسي ليونيل جوسبان، الذي عمل على أكبر برنامج خصخصة للشركات الفرنسية في زمانه، واتجاهات اليسار الأوروبي، من أمثال حيرهارد شرودر، وتوني بلير أو رومانو برودي، الذين "أطلقوا أكبر جدول للإصلاحات في أوروبا".

المقال المشار إليه، هدد المرشحة سيغولان بأن "القوى المالية سيفرضون عليها التغيير..وهذا بالنسبة لفرنسا، حالة يجب تفاديها، خاصة مع الأوضاع الاقتصادية العالمية المضطربة". الغريب في الأمر، أن البعض في واشنطن قد اختلط عليه الأمر فيما يخص برامج بعض المرشحين الآخرين، من أمثال آرليت لاغويليار أو أوليفيي بيزانسونو من أقصى اليسار، مقارنة مع برنامج سيغولان روايال!! وكأنهم لا يعلموا أن هذه الأخيرة، يعدها التيار اليساري من "الليبراليين"؟

وفي الاتجاه نفسه، تناولت المذكرة الصادرة عن مؤسسة (Heritage Foundation)، بقلم سالي ماك نمارا في 23/2/2007م، وبعنوان "سيغولان روايال والعلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا"، مخاوف المحافظين من "روح الديغولية"، في إشارة إلى سيغولان، مما قد يسيء إلى العلاقات الفرنسية - الأمريكية المتدهورة أصلا منذ غزو العراق.

وللتدليل على ذلك، حسب المؤسسة، انتقادات المرشحة الرئاسية للزيارة "المتوجة بالنجاح" لخصمها في الرئاسيات نيكولا ساركوزي إلى الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر/أيلول الماضي، وانتقادها اللاذع للتورط الأمريكي في المنطقة، وتأكيدها على وجود "انقسامات بسبب معارضة فرنسا للحرب في العراق"، وتعليقها "المشين" حول قولها عدم الخلط بين أمريكا بوش والشعب الأمريكي!!

ومن المآخذ أيضا، حسب مؤلف المذكرة، الرؤية "الديغولية" لسيغولان روايال لأوروبا منافسة وليس شريكة للولايات المتحدة، لموازنة القوة الأمريكية النافذة، والإعلان الموجه في برنامجها، عن إنشاء أوروبا سياسية، وانتخاب جديد فرنسي لدستور أوروبي معدل.

ودائما حسب المذكرة، فإن التصريحات العجيبة لـ"جيل سافاري" مستشار سيغولان روايال، الذي صرح في حوار صحفي أدلاه إلى صحيفة (Daily Telegraph) في 2/11/2006م، باسم المرشحة الاشتراكية، بأن البريطانيين يجب عليهم أن يختاروا بين أن "يكونوا في خدمة الولايات المتحدة أو مندمجين تماما كعضو في الاتحاد الأوروبي".

وقد كتبت محررة المذكرة، سالي ماك نمارا المحللة المختصة في الشئون الأوروبية في مؤسسة (Margaret Thatcher Center for Freedom)، وهي المؤسسة ذاتها المندمجة في مؤسسة (Heritage Foundation) بواشنطن، والتي يديرها نيل غاردينر، المستشار السابق لمارغريت تاتشر، دراسة أخرى بتاريخ 4/12/2006م، صادرة عن نفس المؤسسة، شرحت فيها بالتفصيل، النتائج السلبية التي أثرت على نفوذ القوة الأمريكية في أوروبا، بعد إطلاق العمل بالدستور الأوروبي "غير المنتخب"، إذ إن أكثر فقراته وبنوده مطبقة عمليا، رغم رفضه سنة 25م، ومثال على ذلك وكالة الدفاع الأوروبية، التي تعمل على تحقيق الأهداف الأوروبية المسطرة في الدستور الحالي...

وتشدد ماك نمارا في مذكرتها على الخطر الرئيسي الذي يتهدد الولايات المتحدة من خلال "عودة الحديث من جديد على الدستور الأوروبي، الذي يشكل خطرا حقيقيا على الأمن الأمريكي في أوروبا، ففي قلب الدستور، هناك القاسم المشترك بين جميع الأوروبيين لتحقيق "الشخصية الشرعية" لأوروبا أو عنوانها الرسمي، الذي يسمح بشكل واضح للأوروبيين، الحديث بصوت واحد على المستوى الدولي، بدل الحديث منفردين".

وسيقوم الدستور بإنشاء وزارة خارجية أوروبية قوية ونظام سياسي، ستضطر الولايات المتحدة مرغمة للتعامل معه والتفاوض عليه وكأنه كتلة واحدة، خلافا لما كان يحدث سابقا من تحالفات بين دول سيادية وحلفائها التقليديين. ومن أهم التوصيات التي قدمتها سالي ماك نمارا للحكومات الأمريكية: "الاعتراف بالخطر الذي يمثله الدستور الأوروبي للمصالح الإستراتيجية، الدبلوماسية، القضائية والعسكرية للولايات المتحدة"، وخاصة "الوقوف ضد تسليح الاتحاد الأوروبي، مما يعني زعزعة الأسس الذي قام عليها حلف شمال الأطلسي".

في العمق، توجد خلافات واضحة بين واشنطن وباريس، حول إشكالية انتشار ومهام الحلف الأطلسي، التي لها علاقة بالأمن الأوروبي، فالانتشار والتحويل، شكلا محور النقاش بين زعماء دول الحلف الأطلسي في لقاء القمة في (ريغا ـ ليتوانيا) في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

البعض من المسئولين والمختصين الأمريكيين، ومنهم المحافظين الجدد، يأملون نهاية تموقع الحلف الأطلسي في المسرح الأوروبي، لصالح وكالة أمنية ذات بعد شامل، وبالتالي يعملون على توسيع الحلف ليضم الأعضاء غير الأوروبيين، مثل أستراليا، اليابان والهند.

إن فكرة أو مشروع "وكالة أمنية شاملة"، مرتبطة بإرادة الولايات المتحدة الأمريكية الحالية لفرض الديمقراطية بالقوة في العالم عموما والشرق الأوسط خصوصا، بموازاة حربها على الإرهاب، حيث يعتبرها البعض عبارة عن "جوقة الديمقراطيين" في مواجهة من أجل "صراع الحضارات"، وأن التحالف يمكن أن يخلف الأمم المتحدة، لإضفاء شرعية التدخلات العسكرية والسياسية الخارجية لأعضائها!!

إن باريس تعتبر حلف الأطلسي أداة طيعة في يد واشنطن، وتعتقد أنه من المستبعد على الحلف أن يخلف الأمم المتحدة في حمايتها للسلم والأمن العالميين. وانطلاقا لقلقها من خطورة انجراف الحلف الأطلسي، وهو يخوض الصراعات الخارجية نيابة عن أمريكا، فإنها تخشى من "تحالف الديمقراطيين" تحت راية أمريكية، سيعزز، في كل العالم، وخاصة في العالمين العربي والإسلامي، فكرة أن الغرب منخرط في حرب "صليبية"، ويعمل على فرض حضارته بقوة السلاح على الحضارات الأخرى. إذا، فالحلف الأطلسي يجب أن يبقى منظمة أورو- أطلسية، والشرعية الدولية لن تكون إلا للأمم المتحدة لا غير.

وكانت للرئيس الفرنسي جاك شيراك الفرصة لفرض الموقف الفرنسي خلال المعارك الساخنة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، خلال صيف 26م، بمعارضته الشديدة لاقتراحات جون بولتون سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة (وكان السفير الإسرائيلي في مقر هيئة الأمم المتحدة دان غيليرمان، قد صرح بأن بولتون عضو "سري" في فريق عمل "B'nai B'rith International"، وهي منظمة دولية تهتم بالشئون الإنسانية)، بأن يتم وضع قوات فصل بين الجانبين المتحاربين، أغلبهم من فرنسا، تحت قيادة الحلف الأطلسي.

ويبقى اللغز، يتعلق بمصير مرشح اليمين الحاكم نيكولا ساركوزي، الذي يقتسم الكثير من الأفكار والأطروحات السياسية مع سيغولان روايال، خاصة في القضايا التي تدور حول الدستور واتفاقية الأمن المشترك ووزارة للخارجة الأوروبية الموحدة.

كما يعتقد ساركوزي بأنه "لا يجب الاختيار بين الدفاع عن أوروبا والحلف الأطلسي"، ويبتعد بذلك عن الرؤية الأمريكية الواضحة حول الإعلان بأن الحلف الأطلسي "لا يملك الحق ولا الشرعية ليتحول إلى منظمة منافسة للأمم المتحدة"، وللتذكير فإن سيغولان روايال رفضت حلفا أطلسيا يلعب دور دركي العالم في مكان الأمم المتحدة.

وبعد زيارة نيكولا ساركوزي إلى واشنطن في سبتمبر 26م، حيّت سالي ماك نمارا في مذكرتها شخصية ساركوزي، باعتباره المرشح المقرب لواشنطن، الذي يحمل سياسة خارجية فرنسية جديدة "مستقلة عن الخط الديغولي التقليدي"، مشيرة إلى أن ساركوزي "انتقد علنا موقف جاك شيراك من الحرب على العراق في 23م"، وأن "موقف ساركوزي من الحرب الإسرائيلية-اللبنانية مثل اتجاها آخرا وقطيعة مع السياسة الخارجية الفرنسية"، وأن "الولايات المتحدة قد يكون لها (في حالة فوز ساركوزي) شريكا مسالما في أوروبا وفي مجلس الأمن".

أما معهد "أنترابريز"، فقد حيى هو أيضا المقاربة الأمريكية في سياسة ساركوزي، حيث اختار في زيارته الأخيرة إلى واشنطن "أن يكون أكثر قربا لخيارات واشنطن الخارجية بالنسبة"، وأشار إلى أن "فرنسا ستشهد تحولات كبرى وإيجابية على المدى القريب، على الأقل فيما يخص السياسة الخارجية".

وفي هذا الإطار، يعتقد نيل غاردنير "مدير" سالي ماك نمارا في مؤسسة (Margaret Thatcher Center for Freedom) بأن "التاريخ السياسي لساركوزي ومواقفه المعلنة، تعتبر إيجابية بالنسبة لواشنطن". كما يتأسف من مواقف الاتحاد الأوروبي، الذي يعارض أكثر فأكثر الهيمنة الأمريكية، وأن "سياسة خارجية وأمنية أوروبية مشتركة ليس في صالح الولايات المتحدة".

ويعطي غاردنير مثالا حيا عن مخاطر تطبيق السياسة الأوروبية المشتركة، التي كانت ستمنع بريطانيا، وبولونيا، وإسبانيا، وإيطاليا من مساعدة الولايات المتحدة في العراق، وإذا وجدت غدا، فإن البريطانيين لن يتمكنوا من البقاء إلى جنب الولايات المتحدة"، وأن عليهم أن يخوضوا الحروب القادمة بمفردهم، دون حليف عسكري مهم".