الأوراق الفيدرالية

-5-

 

 

جان جي

إلى أهالي ولاية نيويورك:

في الكتاب الذي بعثت به الملكة آن البريطانية في أول يوليو من عام 1706 إلى برلمان اسكتلندا بضع ملاحظات جديرة بكل اهتمام. يومذاك كان الاتحاد بين اسكتلندا وبريطانيا في دور التكوين، وودت الملكة أن تعرض حسنات الاتحاد ليدرسها برلمان اسكتلندا. ومن ذلك الكتاب سأشير إلى فقرة أو فقرتين: "إن قيام اتحاد كامل وكلًي (بين المملكتين: انكلترا واسكتلندا) سيكون أساساً راسخاً لسلام دائم مستقر بينهما. وسيضمن لكم حرية في الدين، والتصرف، والملكية، ويقضي على المشاحنات بين الشعبين، وفيما بين أفراد شعبكم ذاته. إن إزالة التحاسد بين المملكتين سيزيد من قوتكم، وثرواتكم وتجارتكم. وبفضل الاتحاد المنشود سيكون كامل الجزيرة (البريطانية) مرتبطاً بالود، خلواً من المخاوف. ومن تضارب المصالح أيضاً. هذا كما سيمكّن الجزيرة كلها من أن تصدّ أي اعتداء عليها". وهنا يجب أن نلفت نظركم أيها السادة إلى أن الاتحاد سيلقى النجاح، فهو السبيل الوحيد لضمان سعادتنا في الحاضر وفي المستقبل، وبفضله وحده نحبط مكايد أعدائه الداعين إلى الانصراف عنه، لأن أولئك الأعداء لن يألوا جهداً في محاولة تأخير قيام ذلك الاتحاد ولا في إحباط الفكرة من أساسها.

لقد بيّنت الورقة السابقة أن الفُرقة المتولدة من الضعف والانقسام في البلاد ستغري الدول الأجنبية بالاعتداء عليها، وأنه لا شئ يضمن السلامة لنا من مكائدها غير الاتحاد، والقوة، وقيام حكومة صالحة. هذا موضوع واسع جداً، لا يمكن تغطية البحث فيه ولا استنزاف جوانبه.

إن تاريخ بريطانيا، وهو التاريخ الذي نعرفه أفضل من معرفتنا لأي تاريخ آخر، يقدم لنا عدة دروس. وبمقدورنا الاستفادة من خبرة البريطانيين دون الحاجة إلى دفع الثمن الذي دفعوه. ومع أن المنطق العام وحده يفرض أن يكون سكان تلك الجزيرة أمة واحدة في دولة واحدة، فنحن نجدهم، ولعصور طويلة، قد ظلوا منقسمين إلى ثلاث دول. كما نجد تلك الدول الثلاث منغمسة طوال الوقت في مشاحنات الواحدة منها مع الأخريتين. لم تكن أي منها تنظر إلى مصالح الدول الثلاث واختلافها مع مصالح دول القارة الأوروبية خارج الجزيرة، بل تم إبقاء المشاعر بالغيرة والتحاسد فيما بينها على الدوام، وكانت الممارسات التي تأتيها كل منها والسياسات التي ترسمها الدول الثلاث متناقضة في كثير من الأحيان. فظلت مزعجة لكل منها، تضعفها، وتعوق تقدمها وازدهارها.

تُرى لو قسّم أهل أمريكا أنفسهم بين ثلاث أو أربع حكومات.. ألا يحدث الشئ نفسه لهم حينذاك؟ ألن يفعل التحاسد ومشاعر الغيرة فعلها هنا كما كانت تفعل بريطانيا؟! فبدلاً من إقامة اتحاد ودّي، خال من جميع المخاوف المترتبة على اختلاف المصالح، سرعان ما تعمد الغيرة، حال التوزع، إلى إطفاء جذوة الثقة والود، وتبرز المصالح الجزئية لكل كونفدرالية، بدلاً من أن تسود المصلحة العليا لأمريكا كلها. إن المصلحة الخاصة حينذاك ستكون هي عماد السياسة.. ذاك هو طبع سياسة الكونفدرالية الواحدة. وعند ذاك ما أسرع أن تواجه الواحدة منها الأخرى، في الحرب، أو المنازعة.. وتظل الاثنتان يسيطر عليهما خوف دائم من افتئات واحدة منهما على الأخرى.

إن أشد محبذي الكونفدراليات حماسة، ثلاث أو أربع منها على السواء، لا يستطيعون، بصورة من المعقولية، افتراض أن تظل تلك الكونفدراليات على قدم المساواة من حيث القوة، حتى لو تيسّر لها ذلك أول الأمر. وحتى لو فرضنا النية الحسنة عند كل منها، فهل سيظل ذلك التكافؤ مستمراً؟ تلك هي غير طبيعة البشر عند التطبيق. وبصرف النظر عن الظروف المحلية التي تميل إلى زيادة القوة في جزء وإنقاصها من الجزء الآخر، فإننا يجب ألا نُلغي أثر الإدارة الناجحة لحكومة ما في جزء، وعدم توفر مثل ذلك لجزء آخر. ومن شأن هذا أن يخلّ بميزان القوة والنجاح بين الجميع. وبذلك تتدمر المساواة المفترضة. إذ أنه من غير المعقول أن تكون الإدارة والسياسة المطبقة في ولاية أو كونفدرالية على نفس مستوى الإدارة والسياسة المطبقة لدى الأخرى. ومن ثم ينعدم الانسجام فيما بينها مع مرّ السنين، وتنعدم الثقة أيضاً.

وحال ما، ولأي سبب ما، حدث ذلك.. فإنه شئ لا مناص من حدوثه. وبذلك ترتفع كونفدرالية في أهميتها واعتبارها عن كونفدرالية أخرى، أو عن جميع الكونفدراليات الأخريات. إنها لن تغدو جاراً أميناً للأخريات عند ذاك، بل سينظر إليها جيرانها بصفتها عدواً محتملا يخشونه ويتحسبون لعدوانه. ومن شأن هذه المشاعر أن تدفع الجارات إلى عمل كل شئ تظن أنه يقلل من أهمية الجارة المتفوقة، كما أن تلك الجارات ستندفع إلى محاولة إحباط نجاحها وإعاقة تقدمها. وعند ذاك ستضيع الكونفدرالية الأقوى الكثير من الوقت والجهد لإقناع جاراتها بإزالة تلك المشاعر غير الودية من نفوسها. هذا، كما أن تلك الكونفدرالية، في نفس الوقت، ستنمو فيها مشاعر العداء تجاه الجارات، وتتصرف تبعاً لذلك. ونحن نعرف أن عدم الثقة في جانب يخلق عدم الثقة في الجانب المقابل. وليس هنالك سلوك أسرع في تقويض الثقة من التحاسد والغيرة، سواء تم التصريح بذلك أو ظل مضمراً مكنوناً.

إن الجزء الشمالي من البلاد هو منطقة القوة، والظروف المحلية فيه تجعل من المحتمل الأكيد في ذلك الجزء أنه سوف يحظى بالتمتع بتلك القوة، بل إن الكونفدراليات الشمالية القصوى على التحديد هي المؤهلة لذلك. ولن يطول الوقت حتى تتبين للجميع هذه الحقيقة. وما أسرع أن تثير "خلية نحل الشمال" هذه كما أثارت شمال أوروبا في نفوس أهل جنوب تلك القارة من الغيرة وعدم الرضا. وليس بعيداً من المنطق أن يجني أهل الشمال من حقولهم أقراص العسل الشهي فيترجمون ذلك ازدهاراً يعوز كونفدراليات الجنوب"

ومن السهل على من يتدبّرون التاريخ أن يقدروا أن الكونفدراليات الأضعف ستجد حشداً من الأسباب التي تدفعها على التخوف من الكونفدراليات الأقوى، وعند ذاك لن تنظر إليها بعين الكونفدراليات الجارات، بل الكونفدراليات المعادية.. بذلك يتبادل الطرفان التحاسد، والأذى.. وملخص القول: ما أسرع أن نغدو في نظر الدول الأخرى "أقوياء، لكن ضد بعضنا".

من هذه الاعتبارت يبدو الخطأ الأكيد في وجهة نظر أولئك الداعين إلى أن التحالف ضد الغير بين تلك الكونفدراليات، في الهجوم أو الدفاع – سيتم، وأنه سيخلق وحدةً في الرأي، وانسجاماً في المصلحة، وتوحيداً في السلاح، وتعبئة الموارد – تكفي لإبقاء الجميع (الكونفدراليات) قادرة على صد العدوان الخارجي. ذاك افتراض وهمي لا أكثر، يناقض طبيعة الأشياء..

متى تم مثل ذلك الانسجام والتحالف بين أجزاء بريطانيا أو أسبانيا قبل اندماج كل منهما في دولة واحدة، ووقفت تلك الأجزاء ضد عدو خارجي لها؟ لم يحدث ذلك أبداً. إن الكونفدراليات التي يقترح البعض تشكيلها ستكون دولاً متميزة الواحدة منها عن الأخرى، وسيكون لكل منها تجارتها الخاصة مع الدول الأخرى، والتي تنظمها معاهدات واتفاقيات خاصة بها، وستكون السلع التي تصدّرها أو تستوردها خاضعة لشروط خاصة، وتستفيد في تجارتها من أسواق مختلفة عن أسواق الكونفدراليات الأخرى.. ومن طبيعة المصالح التجارية المتباينة أن تخلق ارتباطات سياسية متباينة مع قوى أجنبية متباينة أيضاً. ومن ثم فإنه قد يحدث أن تنشب الحرب بين كونفدرالية في الجنوب مع دولة تكون كونفدرالية في الشمال راغبة تماماً في صيانة السلام معها، لأن مصلحة (الكونفدرالية تقتضي ذلك)، فهل ستؤيد الكونفدرالية الصديقة تلك الدولة أم تؤيد الكونفدرالية جارتها؟ إن موقفاً مثل هذا ليس من السهل تخطيه، ولا من السهل إقصاء احتمال وقوعه. إذن فإن تحالفاً بين الكونفدراليات يكون مناقضاً لمصلحة إحداها أمر لا يمكن أن يقوم، وإن قام، فلن ينجح، لأنه لا يمكن السير فيه بكل أمانة وإخلاص.

كلا .. من الأكثر احتمالاً في أمريكا، كما هي الحال في أوروبا، إن الدول المتجاورة، بدافع من المصالح المتضادة والمشاعر غير الودية – كثيراً ما تأخذ الواحدة منها موقفاً ضد جارتها، وتنحاز إلى غير جانبها. وبالنظر إلى بُعد موقعنا من أوروبا، فإنه من الطبيعي أن تستشعر الكونفدرالية عندنا خوفاً من جارتها أكثر مما تحس بها تجاه دولة بعيدة عنها، ومن ثم تسعى للتحالف مع القوى الأجنبية حرصاً على سلامتها هي من خطر الكونفدرالية الجارة. هذا أقرب منطقاً من قيام تحالف بين تلك الكونفدراليات. وفي تلك الحال من واجبنا أن نتذكر أنه من الأسهل علينا كثيراً أن نستقبل الأساطيل الأجنبية والقوات الأجنبية في موانئنا وبلادنا من أن نجعلها تغادر تلك الموانئ والأراضي. إن إقناعها بالمغادرة أمر صعب جداً. تذكّروا ما فعله الرومان وما غيّروه في طبيعة الحكم في الدول التي حالفتهم، واعتبروا أي بدع استحدثوها في نظم الحكم عند من تظاهروا بأنهم (جاؤوا) لحمايتهم.

دع الرجال الطيبين يحكمون بإنصاف، ما إذا كان التوزع في أمريكا بين عدد من الكونفدراليات سييسر صيانة بلدنا ضد الأعمال العدائية من الخارج أم أنه لن يفعل.

الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 27-32.

و كل ذلك بحسب راي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر : جامعة مينسويا – حقوق الإنسان .