قراءة فى المشهد السياسى لمصر 2007

 

 

سيد يوسف

تمهيد

لا يهدف هذا الموضوع لرسم صورة شديدة القتامة حين يصف واقعا كئيبا ساهمت فى صنعه عوامل عدة أبرزها الطغيان السياسى، وترسخ مفهوم التشبع بالنقد ومن ثم الإحباط لدى بعض الفئات نتيجة العجز عن الخروج من هذا الواقع، فضلا عن عوامل أخر.

كما لا يهدف إلى مجرد توصيف ورصد لواقع مؤلم لا سيما فى أبرز ملامحه من حيث تبيان فعالية العلاقات البينشخصية بين أفراده سواء على مستوى التعامل بين الأفراد بعضهم بعضا أو على مستوى التعامل بين السلطة والناس أو حتى على مستوى التعامل على مستوى الإنسان داخل نفسه (صورة نفسية )، ولو أسهبنا فى وصف ذلك فإننا سوف نرسم صورة شديدة القتامة لا نبتغيها لكن ما نهدف إليه هو تبيان قولة حق نرجو بها تقديم المعذرة إلى ربنا لعل الظالمين يرجعون فهى بمثابة جرس إنذار وتنبيه لعل وعسى....كما تهدف إلى تقديم مادة تصلح للتنبؤ بما يحتمل أن يؤول إليه الحال الداخلى فى ظل هذى المعطيات.

ملامح وأحداث

(1) صورة موجزة لواقع سياسى مؤسف

لا نتجاوز الواقع حين نقول إن الرئيس مبارك لم يعد يشعر به أحد من الناس فى بلادى وكأنه شبح يظهر كل حين على الساحة خشية القيل والقال، وقد أدرك كثير من الفاقهين أن ملف الداخل وكل إلى النجل، وملف الخارج وكل للمخابرات، مع ملاحظة غياب دور وزارة الخارجية وإحالة ذلك الدور إلى رئيس جهاز المخابرات حتى بات منصب وزير الخارجية وكأنه شاغر... ومع انتقال دائرة اتخاذ القرارات الإستراتيجية والقومية من الرئاسة والجهات السيادية إلى لجنة فرعية بالحزب الوطنى تسمى لجنة السياسات فلنا أن نتنبأ بتعديلات دستورية يمكن وصفها بالمسخرة ( 34 مادة دستورية يطالها التعديل تم انتقاؤها فى مطبخ لجنة السياسات).

هذا وفى الوقت الذى تم فيه تجميد تام لمؤسساتنا التى كانت فاعلة كالجيش والقضاء وأجهزة الرقابة الإدارية فضلا عن التعليم سواء الجامعي أو ما قبل الجامعى كل ذلك لصالح المؤسسة الأمنية (الشرطة) شهدت البلاد أحداثا مؤسفة لم تشهدها مصر من قبل كالتحرش الجنسى فى عرض الشارع من قبل أجهزة الأمن، وتفشى ظاهرة البلطجة وانتشار العنف فى قطاعات كثيرة  لم تكن موجودة هكذا من قبل.

كما طفح السطح ببروز مجموعة رجال الأعمال بصورة متوحشة وانتقالهم بالزواج التقليدى من السياسة من المصانع إلى مراكز اتخاذ القرار، وعلاقات شديدة الانتماء بالمصالح الغربية...والحق إنه ليس زواجا بالسياسة بقدر ما هو زواج بنجل الرئيس تحديدا حيث –ووفقا لذلك – فقد تمت شبشبة ( نحت من كلمة شباب) مراكز الإعلام والصحف المسماة بالقومية وبعض الوزراء والمحافظين وجلهم من المحسوبين على لجنة السياسات التى يتولى شئونها شاب هو نجل الرئيس مبارك.

ويشعر النظام الحاكم بأنه ملفوظ ومكروه، وكراهية الناس فى بلادى لنجله أشد ففيها استمرار للظلم والطغيان ومن ثم لجأ النظام لتنظيم سرى يدعى لجنة السياسات ليتدبر أمر التوريث عبر تنازلات خارجية ورشاوى داخلية وتعديلات دستورية مشوهة قدر ما يستطيع لا سيما وأن هناك إجماعا شعبيا رافضا لمبدأ التوريث، وإجماعا شعبيا أيضا فى كراهية الوالد والولد، وقد عزز هذا حراك سياسى بسيط لا يطمئن إليه النظام الحاكم رغم قمعه.

 (2) النظام يصنع لنفسه عدوا

ليس للإخوان المسلمين دية عند الغرب، وفى الداخل هناك من يؤيد استئصالهم حقدا أو حسدا أو غباء أو جهلا ولربما جمع ذلك كله معا...ومن ثم ماذا لو صنع النظام لنفسه عدوا يشغل به حديث الناس عن الإصلاح ويعود من خلال إقصائهم إلى تجميد الحراك السياسى الذى بدأت تشهده البلاد بقوة، ويضمن ألا يؤاخذه الغرب عليه ولا يؤاخذه بعض الداخل؟!

وقد كان، فقد أوقد النظام حربا لا هوادة فيها مع الإخوان، وقد حذر الفاقهون أن هذه الحرب لا تخص الإخوان لأنهم ذو نزعة إسلامية فقط بقدر ما أن النظام عدو لكل صوت ينادى بالإصلاح ويعرى ذلك النظام لا سيما إذا كان على قوة فى التنظيم ورجاحة فى العقل.

والحق أن النظام الحاكم بالغ جدا فى فزاعة الإخوان المسلمين، حتى ارتد مكره السىء إليه كشأن الأغبياء دوما.

قد يكون الهدف من الاعتقال والمصادرة وتشويه السمعة والنيل من الإخوان طلابا ورموزا وأفرادا بالإعلام والمحاكمات العسكرية وبإهمال أحكام القضاء المدنى، وبعودة حكم البوليس السياسى تحت مسمى أمن الدولة قد يكون الهدف منه توصيل رسالة يدركها المصرى بحسه الشعبى (اضرب المربوط يخاف السايب) وفى هذا إشارة للأحزاب والضعفاء، وقد يكون الهدف من ذلك زيادة الإحباط العام وتوصيل رسالة للشعب المصرى بأنه لا أمل لكم فى مقاومة التوريث، وفى هذا الصدد أشير إلى ما يتناقله بعض الناس فى بلادى...حدثنى بعضهم منفعلا: إذا أراد مبارك توريث الحكم فليورث لقد زهقت أنفسنا، فليورث، لقد باع البلد قطعة قطعة ونهبها، فليورث، ولكن ليُْبقِ على ما تبقى ولم يُنْهَبْ بعد.

ولنا أن نتساءل هل تكمن مشكلة النظام مع الأخوان تحديدا أم مع كل صوت حر شريف ينادى بمحاربة الفساد تلك البيئة التى لم يعد يطيق النظام الحاكم العيش إلا فيها ؟!

الحق إن مشكلة النظام تكمن فى عقليته التى لا تجعله يحسن رؤية الواقع الداخلى ومن ثم فهو يحارب أى صوت ينادى بالإصلاح ولو أصلح هو لكان خيرا له فالإصلاح أرخص من الفساد وتبعاته وسلوا عن أيمن نور، وطلعت السادات، والمستشارين مكى والبسطاويسى لم يحاربهم النظام وهو ليسوا إخوانا ؟!

 (3) ابتزاز الغرب وأطماعه المعلنة

ولقد أدرك الغرب ضعف النظام ولهاثه حول التوريث حتى بات يوجه له صفعات الإهانة كل حين، وفى اتفاق مكة الأخير بين فتح وحماس دون رعاية مصرية صفعة واضحة الملامح لمن يعقلون.

ومن المعلوم أنه فى حال ضعف البلاد فإن القوى المجاورة يزاد طمعها وتتوحش قوتها لا سيما توحش وتربص القوى الإقليمية والدولية والتى لها مطامع معلنة ومكتوبة تجاه مصر عبرت عنها نية القوم بالهجوم على مصر عام 2015 ، كما عبرت عنها ما تناقلته استخبارات الغرب من قبل من كون مصر هى الجائزة الكبرى، ونذكر بما ذكرته مجلة كيفونيم الإسرائيلية الناطقة بلسان المنظمة اليهودية العالمية من دراسة اعتبرتها الأوساط الإسرائيلية بمثابة "ورقة عمل للحكومات المتعاقبة" وضحت أطماع القوم فى مصر ورغبتها فى ذلك بل محاصرة مصر حيث أدرك الخارج أنه لا يمكن الوصول إلى القلب قبل تفتيت الأطراف وهذا يفسر لنا محاولة تطويق مصر من خلال الكيان الصهيونى شرقا، ووادى النيل جنوبا(بدأ الأمر حين فصلت السودان كلية عن مصر كمطلب بريطانى للجلاء عن مصر ثم الآن محاولات فصل الجنوب عن الشمال فضلا عن دارفور وما يمثله السودان عموما من حائط استرتيجى لمصر ولكن يبدو أن كل ذلك يهون من أجل تلاقى المصالح حيث للغرب البترول السودانى واليورانيوم السودانى وللكيان الصهيونى ماء النيل وحيث للداخل التوريث ) فضلا عن التغير الملحوظ فى البنية الجسمية والصحية(سرطانات وأمراض ) للعامة فى بلادى تحول دون المقاومة لاحقا.

نقول : الغرب يبتز النظام المنبطح غاية الابتزاز من أجل تحقيق مطامعه المعلنة مستغلا كراهية الناس فى بلادى للحاكم ونجله من أجل تفتيت مصر داخليا، ونهبها معتمدا على ازدياد كراهية الناس فى بلادى للنظام لعلها –واهما- تهيئ له فرص التدخل المباشر مستقبلا.

ومن ناحية أخرى فإن النظام مستعد لفعل أى شيء من أجل ضمان استمرار التوريث حفاظا على ما تم نهبه من ثروات مصر، وخشية من العقاب والمحاكمة له...ومن ثم فهو يسارع فى تقديم فروض الطاعة العمياء للغرب متجاوزا مصالح البلاد والأمثلة التى تؤيد كلامنا تترى نذكر منها : التخلى عن دور مصر الإقليمي مع الاكتفاء بدور السمسرة لأمريكا، ومنها اتفاقيات تضر بمصلحة مصر مثل اتفاقية الكويز مع الكيان الصهيونى، ومنها اتفاقية تصدير الغاز الطبيعى للكيان الصهيونى، ومنها محاصرة حماس داخل فلسطين، ومنها انخفاض عدد الجيش المصرى بصورة متزايدة لحساب الشرطة، ومنها التفريط فى مثلث أم الرشراش، ومنها المشاركة اللوجيستية غير المعلنة في الحرب الأمريكية على العراق .......الخ.

خاتمة وملاحظات

غياب الحاكم وطموح الابن، وابتزاز الغرب وتنازل النظام، وتنازع النخب المصرية وضعفها، هذى بعض مفردات الواقع المؤسف الذى أخر البلاد وجمدها ...وأول ملامح التغيير اتفاق النخب، وإيقاظ وعى الناس، ومنع التوريث ولكن الذى يطلب العلا دون تضحية وتعب واهم وخاسر لا محالة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-1-3-2007