فرانسوا بايرو"... "الطريق الثالث" في الانتخابات الرئاسية الفرنسية

 

 

إيلين سيولينو

 

خلال الأسابيع الأخيرة للحملة الرئاسية الفرنسية التي تهيمن عليها سياسية اشتراكية هي "سيجولين رويال" من جهة، و"نيكولا ساركوزي" السياسي "المحافظ"، الذي يدعو للتشدد في القضاء على الجريمة من جهة أخرى، برز مرشح ثالث انضم إلى السباق الانتخابي يرفع شعاراً أميركياً بامتياز: "دعوا الانتماء الحزبي جانباً، وتخلصوا من الوعود الزائفة التي تطلقها الأحزاب الكبرى"... هكذا استطاع "فرانسوا بايرو"، السياسي المخضرم البالغ من العمر 55 عاماً، الذي كان مزارعاً، ثم مدرساً للأدب القديم، الدخول إلى حلبة التنافس على الرئاسيات الفرنسية، مستغلاً شعور الإحباط المتنامي لدى الفرنسيين وخيبة أملهم إزاء المرشحين الرئيسيين. ولعل النسبة الكبيرة من الناخبين الذين لم يحسموا رأيهم بعد تساهم هي الأخرى في رفع أسهم مرشح الوسط "فرانسوا بايرو"، حيث أعرب 17 إلى 20% من الناخبين أنهم سيختارون "بايرو" خلال الجولة الانتخابية الأولى المقرر عقدها في 22 أبريل، وذلك حسب ما أفادته مؤسسات استطلاع الرأي الفرنسية. وفجأة أصبح "بايرو" مرشحاً قوياً على الساحة الفرنسية يتوفر على حظوظ وافرة في المرور إلى الجولة الأخيرة.

وعلى رغم أن "بايرو" ليس من النوع المتمرد تماماً على الوضع الراهن، لكنه يحرص على أن يظهر بصورة السياسي المحنك الذي خبر ألاعيب السياسة، واختار "الوسط" لاستمالة أصوات الناخبين الفرنسيين. فبعد عام من التغطية الإعلامية المكثفة التي حظي بها "نيكولا ساركوزي" مرشح "اليمين"، و"سيجولين رويال" مرشحة "اليسار"، انتقلت الصحف والمجلات على اختلاف انتماءاتها السياسية إلى تركيز اهتمامها على "الرجل الثالث"، وأفردت له صفحاتها الأولى. ويدور الحديث اليوم عن قدرة "بايرو" المحتملة على إزاحة المنافسة الاشتراكية والوصول إلى الجولة الثانية التي ستعقد في السادس من شهر مايو المقبل. وحول تطلعات الفرنسيين يقول "فرانسوا بايرو" في لقاء أجري معه على متن طائرة خاصة أقلته من باريس إلى المنطقة الشمالية الفرنسية "إن ما يريده الفرنسيون هو رئيس يجمعهم بدل أن يُفرّقهم، رئيس يطمئنهم بدلاً من أن يثير القلق في نفوسهم". وأضاف "بايرو" موضحاً أن "حقيقة انتخابي رئيساً للجمهورية -لأني أومن فعلاً بأنه يمكن انتخابي- ستكون انعكاساً لرغبة فرنسا في إعادة اكتشاف نفسها".

والغريب فيما يتعلق بصعود نجم "فرانسوا بايرو" السريع على الساحة السياسية الفرنسية، هو حضوره الدائم فيها منذ زمن طويل. فقد ترشح لأول مرة في الانتخابات المحلية عام 1978، وعمل في وزارة الزراعة في السنة التالية، كما أنه فاز بمقعد في البرلمان عن منطقة "البرينيه"، التي ينحدر منها عام 1986، وأخيراً تقلد منصب وزير التربية والتعليم خلال التسعينيات. وأصبح بعد ذلك رئيساً لحزب الوسط "الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية" الذي أسسه الرئيس الفرنسي الأسبق "فاليري جيسكار ديستان" في السبعينيات من القرن المنصرم. وخلافاً لـ"ساركوزي" و"رويال" سبق لـ"بايرو" أن ترشح للانتخابات الرئاسية في 2002 عندما حصل على نسبة متواضعة جداً لم تتجاوز 6.8% من أصوات الناخبين في الجولة الأولى. ومع ذلك تمكن مرشح "الوسط" الفرنسي من تسويق نفسه كمستودع لآمال الفرنسيين وكسياسي واقعي قادر على معالجة مشكلاتهم وتقديم حلول ناجعة لها.

وفي الحوار الذي أجري معه على متن الطائرة، قال "بايرو": "أنا ديمقراطي على طريقة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون"، مضيفاً "أنا رجل الطريق الثالث" في إحالة إلى التصور السابق لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير. وقد جاء الدخول المفاجئ لفرنسوا بايرو والتحاقه المتأخر نسبياً بسباق الانتخابات غير مستساغ بالنسبة للمرشحين الرئيسيين الذي يأخذون عليه سذاجته، لاسيما عندما ينادي بتوحيد جهود الأحزاب الفرنسية وتوحدها تحت أجندة سياسية واحدة. ويعكف "اليمين" الفرنسي في هذه الأثناء على استمالة فرانسوا بايرو باعتباره أقرب أيديولوجياً إلى توجهه، مستغلاً الضعف الذي يعتري حزب "الوسط" على إثر دخول حزب جاك شيراك إلى الساحة في التسعينيات، ثم مجيء الشخصية السياسية البارزة نيكولا ساركوزي الذي تولى رئاسة حزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" في 2004.

من ناحيته يتهم "اليسار" الفرنسي "بايرو" بالتدليس، حيث يدعو رئيس الوزراء الاشتراكي السابق "لوران فابيوس" إلى ضرورة "فضح مناورة بايرو"، وكشف ميوله اليمينية. وفي محاولة للابتعاد على مرشح "اليمين" أكد "بايرو" أنه يجلس إلى المزارعين ويصغي إلى مشاغلهم بينما يرافق منافسه نيكولا ساركوزي رجال الأعمال الأثرياء. ويركز "بايرو" في برنامجه الانتخابي على مجموعة من الوعود مثل خلق الوظائف، ووضع معايير أفضل لتطوير التعليم، وتحسين الظروف المعيشية في الضواحي، والتقليل من الإنفاق الحكومي، فضلاً عن إعادة التوازن إلى ميزانية الدولة، ثم العمل على تقوية الاتحاد الأوروبي مع احتلال فرنسا لموقع الصدارة. لكن "بايرو" ورغم تاريخه السياسي الطويل، إلا أنه مازال أمامه الكثير ليتعلمه، خاصة في شؤون إدارة الحملات الانتخابية. ففي ندوة جمعته على طاولة مستديرة مع أساتذة وطلبة معهد تقني في منطقة "إبينال" لم يستطع إخفاء ضجره، وهو يستمع إلى شروح حول الاستخدامات الصناعية للخشب فبدأ يعبث بأذنه، ثم تهالك على الكرسي، وتثاءب في لامبالاة واضحة. وعندما خاطبه مدير المعهد باسمه طلب منه "بايرو" أن ينطق اسمه على نحو صحيح "بايرو"، كما ينادونه في منطقته الأصلية "بيرن"، وليس "بيرو"، كما قد ينطقها أهل باريس.

وطيلة رحلته على متن الطائرة تحدث "بايرو" بإنجليزية طليقة، مشيراً إلى أنه سافر كثيراً إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن أن جزءاً من أصهاره هم أميركيون. ومع ذلك انتقد "بايرو" الحرب الأميركية على العراق معتبراً أنها "سبب الفوضى" في الشرق الأوسط، كما عاب على أميركا نموذجها الاقتصادي الذي يعتمد حسب قوله على فلسفة "البقاء للأصلح".

*مراسلة "نيويورك تايمز" في باريس

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-11-3-2007