ديمـقـراطـيــة بــلا ديمـقراطيين

 

 

شمخي جبر

 

للتربية دور كبير في الانتقال بالفرد من كائن عضوي الى كائن اجتماعي. أو كما يقال إن الإنسان (حيوان ولد قبل الأوان) أي قاصر التكوين، هذا يعني ان عليه ، ان يتعلم كل شيء أي كل ما يجعل منه إنسانا . مادام يتعلم من الآخرين فحياته مشروطة بهم كما يقول ابن خلدون ،(هم جنته وجحيمه في آن معا ) وهذا ما قصده ماكس فيبر ، اذ عد التربية  وسيلة من وسائل الهيمنة الاجتماعية  وأداة من أدوات السيطرة الاجتماعية التي يمتلكها المجتمع .

 وتعكس التربية التي ينالها الفرد داخل المجتمع   ثقافة هذا المجتمع بكل عاداتها وتقاليدها ومعاييرها الاجتماعية ، من خلالها يستطيع الكائن الاجتماعي ان يعيش في وسطه وينظم علاقاته ويلبي توقعات مجتمعه . الأفراد ليسوا إلا نتاجا لتنظيم اجتماعي ، كما ان أفعالهم وأنماط سلوكهم إنما تستند أصلا على إشكال وصور التنظيم الاجتماعي الذي يندرج فيه هؤلاء الأفراد ، إذ يرتبط الأفراد في كل تنظيم اجتماعي ، بسياق محدد من الأفكار وبنسق من القيم والمثل الأخلاقية .

وبقدر تعلق الأمر بالثقافة الديمقراطية وقيمها. يتلقى الفرد هذه القيم في الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل الاعلام ومختلف مؤسسات الضبط الاجتماعي فيتعلم السلوك الديمقراطي  وأهمية المشاركة الشعبية والمساهمة في حكم نفسه وتقرير مصيره ....الخ  من المعاني والقيم السامية التي تمثل أعلى درجات الارتقاء في السلم الحضاري والإنساني ، يتمكن الفرد معها بالشعور الذاتي بحكم نفسه وقدراته وانصياعه لمنظومة القانون التي تتسق داخل كفتي الحقوق والواجبات .

من هنا جاء تأكيد المربين والمفكرين على أهمية التدريب على المواطنة، وتعد منظمات المجتمع المدني خير من يقوم بهذا الدور لإكمال دور الأسرة والمؤسسة التربوية.

كما ان للتعليم أهمية خاصة في رفع وتيرة المساهمة السياسية للفرد، اذ تشير الدراسات الحديثة في ميدان التطور السياسي للمجتمعات الإنسانية الى التأثير الحاسم للتربية والتعليم في السلوك السياسي للمواطن . فليس هناك مؤسسة أهم من المؤسسة التربوية ـ باستثناء العائلة ـ لتأهيل الطفل وتنشئته سياسيا، اذ ظهر لدى بعض الباحثين ان الفرد غير المتعلم او ذي التعليم المحدود يختلف سلوكه السياسي عن الفرد ذي المستوى التعليمي العالي ، فتصبح العلاقة طردية بين التعليم والمشاركة السياسية، فارتفاع المستوى العلمي الذي يصاحبه ارتفاع المستوى الاقتصادي تزداد معهما المطالبة بالمشاركة السياسية من قبل المجتمع ككل . وثمة شرطان أساسيان  للحياة الديمقراطية يؤكد وجودهما الباحثون ، اولهما وجود القنوات القانونية التي تضمن للمواطن المشاركة السياسية وتقرير مصيره والتي تتحدد فيها حقوق وواجبات المواطن وهي الدساتير  التي لابد منها لتأطير وتنظيم الحياة السياسية وهي ضمانة لها، والشرط الثاني وجود المؤسسات التي تؤهل المواطن للمشاركة وهي منظمات المجتمع المدني والمؤسسات التربوية والتعليمية في جميع مراحلها .

لكن ، أية مؤسسات هذه التي تربي إنسان المستقبل ؟ هل هي مؤسساتنا التربوية التي تمارس التلقين الببغائي فتمسخ شخصية الفرد وتقتل روح الإبداع والابتكار والمبادرة ؟ فضلا عن وجود المعلم السلطوي الذي لا تفارق العصا يده ، فيتحول من مصدر إشعاع الى مصدر إرهاب وعنف وتسلط ، يقتل روح الإبداع لدى الطفل الذي عليه ان يتلقى فقط بدون ان يكون لديه اية ردة فعل ، القبول والاستسلام لا غير، اذ يحرمه من المشاركة وإبداء الرأي والحوار، يكمل حلقة التسلط التي يقع تحت طائلتها الطفل في الأسرة ، ذات النظام الأبوي التسلطي القمعي والتي ترزح تحت نير التخلف والجهل والأمية.

فنظام التلقين والحفظ والطاعة والامتثال  التي تقوم عليها أنظمتنا التربوية والتعليمية لا يمكن لها أن تساعد  في خلق أجيال متطورة تتجاوز الأجيال  السابقة ، لان هذه العملية لا تعدو إلا أن تكون عملية استنساخ .

 من هنا يصبح من الأهمية بمكان إعادة النظر بالمناهج الدراسية والأساليب التربوية التي لابد ان تتسم بروح الديمقراطية، ومنهج يسهم في تدريب الطفل على الحياة الديمقراطية ، وتنمية روح الإبداع والابتكار وغرس بذور الحوار وإشاعة روح التسامح واحترام رأي الآخر  مهما كان .وعكس هذا تتحول الأسرة والمؤسسة التربوية الى مفاقس لتفريخ مستبدين صغار ، وسيتحمل المجتمع تبعة الطريقة التربوية التي تلقوها . فتصبح الديمقراطية دين بلا أتباع.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح