الثقافة ومضادات المشروع الديمقراطي

 

ضياء الجصاني

 

الاقليم العربي أنموذجاً

لقد عانى الشارع السياسي العربي عامة والعراقي خاصة، من اشكاليات التأرجح بين نظم سياسية وأقتصادية وانساق ثقافية مختلفة، وقد عزز الأثار السلبية لهذا التأرجح، بؤس في الثقافة وفراغ هائل في العقل القومي والوطني، وأفتقار واضح لأبسط أسس الفكر المستقل ومن الحقائق التي لا يمكن اخفاؤها، أن الثقافة العربية لم تشهد وعلى مدى قرون طويلة، تبلور نظرية أو فلسفة في السياسة أو الاقتصاد او الاجتماع و التربية، تعكس الهوية القومية او الدينية للمجتمع العربي - الاسلامي. وقد حرص الحكم العثماني على غلق كل المنافذ الثقافية، والتمسك بسلفية ( دينية وفكرية )، أصبحت وبخاصة خلال العقود الأخيرة من عمر الامبراطورية الهرمة، تمثل نشازاً حضارياً عن ايقاعات العصر، الذي كان يحث الخطى خلف منجزات الثورة الصناعية و تقاناتها، و ما تركته من تحولات جذرية في الفكر السياسي و الاقتصادي العالمي، وما حققته الثورة الفرنسية من انفراجات حقيقية في مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان. ولم تنفتح نوافذ العصر للشعوب الراقدة تحت مظلة الدولة الثيوقراطية، الا بعد سقوطها و تفتت امبراطوريتها، و تقاسمت ممتلكاتها ( ممتلكات الرجل المريض )، بين الدول الغربية التي كسبت رهانات الحرب العالمية الاولى.

إن الوقائع السابقة قد جعلت المنطقة العربية بما فيها وطننا العراق في خواء فكري و فقر حضاري مدقع وهي تنوء تحت ركامات السلفية ورواسبها الثقافية المتحجرة. فكانت والحالة هذه " متلقيا " سلبيا لكل مفرزات الحضارة الغربية، و مذاهبها الاقتصادية والسياسية، التي حملتها له طلائع المستعمرين الاوروبيين، بعد أزاحة الدولة العثمانية وتفكيكها بشكل نهائي. وهذا يعني من الناحية العملية، أن المشروع الثقافي والفكري السياسي والاقتصادي في المنطقة، لم يجد له " مقدمات " محلية، يستقبل بها التحولات المستجدة بعد الحرب العالمية الاولى، بطريقة سلسلة ومتدرجة تتيح له تمثل الثقافة الجديدة، والافادة من معطياتها في أنضاج هويته، على وفق متغيراته الحضارية و خصوصيات أرثه التأريخي ..

لقد وضع هذا الواقع المعنيين بشؤون التراث و الحداثة، في مأزق لا يحسدون عليه بخاصة و أن الحال الذي وصفناه قبل قليل، لم يدم سوى بضعة عقود عندما شرعت الابواب مرة أخرى، ومنذ منتصف القرن الماضي لتوجهات ثقافية وفكرية جديدة، جاءت تحمل معها مشروعاً سياسياً اقتصادياً هو نسخة مكررة للنموذج ( السوفيتي )، فأنغمست حركة التحرر العربي في منزلقات (القومية الاشتراكية ) وتطبيقاتها الراديكالية المتعجلة. فكان ان شهدنا طيلة النصف الثاني من القرن الماضي، ظهور الدولة القومية ( المجزّأة ) بتطبيقات اشتراكية قومية، انتهت باكثر اشكال " رأسمالية الدولة " احتكاراً للأقتصاد والسلطة، وبأبشع اساليب القهر والادارة البيروقراطية، وتهميش القوى المجتمعية الفاعلة ومصادرة المجتمع المدني، بعد ان أدمجت مؤسساته بمؤسسات الدولة بأساليب متعسفة.

لقد بلورت الاحداث السابقة أنساقا"عديـدة من السلوك والثقافة، ظلت تعمـل على مستوى العقـل والشارع السياسي العربيين باتجاه مناقض للمشروع الديمقراطي الى حدٍ قد اصبحت معه هذه الأنساق، واحدة من أهم معوقات التحول نحـو الديمقراطية والأستجابة لأستحقاقاتها وثقافاتها. ولعل من أبرز مظاهر هذا السلوك وتلك الثقافة:  

أ - ممارسات الاقصاء السياسي واحتكار السلطة

قد تركت هذه الاشكالية اثاراً مدمرة في السلوك والشخصية، الامر الذي افقد " الفرد " مهارات سلوكية تُعد في صلب العلائق الديمقراطية داخل المجتمع،  وما يرتبط بها من  مفاهيم و قيم و سياسات، وثيقة الصلة بالتنمية والبناء الديمقراطي والحريات السياسية،  الضمانات الكاملة لحقوق الانسان وحقوق المرأة والطفولة، و بناء المجتمع على وفق أسس وقواعد مؤسسية مدنية، و ثقافة انسانية تؤصل الحوار وتمهد لقبول المختلف، و تقر التنوع المجتمعي    والتداول السلمي للسلطة، وتشيع ثقافة الاقتراع و حقوق المواطن في الترشيح و الانتخاب.

ب- التداخل القسري بين التعددية الفئوية و التعددية السياسية الفكرية ..

أن النتائج التي أفرزتها إشكالية الإقصاء السياسي، و ما تعرض له المجتمع في المنطقة العربية وفي العراق على وجه الخصوص من إرهاب فكري،  وتهميش ثقافي وتهديد اجتماعي منظم، فرض حالة من النكوص الحضاري و العودة بالفرد إلى مرجعيات فطرية بدائية ضيقة، تتمثل بالأسرة والطائفة والعشيرة وغيرها. وقد خلق هذا تنميطاً قسرياً لاتجاهات الفرد، وقولبة انتماءاته وتحديد خياراته في أطرٍ فئوية ضيقة، أو ولاءات طائفية او مذهبية او قبلية، حلت محل ما تشترطه الديمقراطية من تعددية سياسية فكرية، وما تفرضه من ولاءات للأفكار والمبادئ وأسس الانتماء  السياسي و قواعده، بخاصة  إنَّ التعددية التقليدية الفطرية، لما تنطوي عليه من شحنات عاطفية، سرعان ما تطغي على التعددية السياسية الفكرية.  وهي قد تؤدي في كثير من الاحيان الى التعصب، وربما الى الفوضى والتناحر و الأقتتال الدموي، أو انها في أحسن الأحوال، قد تؤدي بالعملية الديمقراطية الى الانحراف عن قواعدها العامة، فيصار الى ( تجبير ) النتائج الانتخابية دون وجه حق، لصالح الأطر التقليدية الفئوية التي نوهنا عنها قبل قليل. وبامكان المراقب أن يلاحظ هذا، في مجريات ما حدث من افساد لبعض الأنشطة الخاصة بالتجربة الانتخابية العراقية الرائعة، وما اسفرت عنه من نتائج لصالح قوى تقليدية غير منتجة، وما سبقها من دعاية انتخابية مضللة.

ج - التضاد بين جمود التراث واستحقاقات العصر المتحركة ..

لقد خضع العقل العربي ومنه العقل العراقي، الى ظروف وبيئات ثقافية مضطربة افرزت اشكالاً متشددة من عمليات التنشئة الاجتماعية، و لعل التردي الاقتصادي وتفاقم مشكلات البطالة، وسيطرة نظم انتاج متخلفة، وأنماط من السلوك الاستهلاكي حلت محل ثقافة العمل، مما تسبب في تراجع وأرتداد حضاري مخيف. وقد شهدت العقود الثلاثة أو الاربعة الماضية ( ترييف المدينة)، وهيمنة ثقافة القرية و تقاليد العشيرة، لدرجة أدت الى أضعاف روح المدينة وثقافتها، وما زاد في الطين بلة أن هذا التراجع الثقافي، قد صاحبه غزو لتقانات عصرية في المواصلات والاتصالات والاعلام ووسائل الترفيه، جعلت المجتمع في حالة غريبة من الازدواجية والتناقض بين الروحي والمادي، ففي الوقت الذي يستمتع فيه الفرد بهذه التقانات نجده يتباهى بأصوليته الثقافية والتقليدية، وهو ينظر الى الغرب و الحضارة الغربية المنتجة لهذه التقانات، نظرة ارتياب وتحسب بعدّها مصدراً من مصادر التهديد له وجود و ثقافة.

لقد وضع هذا الواقع الفرد خلف حاجز سميك، من المعتقدات و التقاليد التي باتت  في معظمها غريبة عن العصر، وقد صارت بالوقت  نفسه تشكل حواجز يصعب اختراقها، حتى أصبحت المجتمعات العربية بمثابة (معازل ثقافية)، خلف حصون تحجب عنها اضاءات العصر، وهي ( مبهورة ) بالتأريخ وحوادثه مسترخيةً على وسائد التراث، ومتخذةً منها ثوابت لا يجوز مقاربتها، ومقدسات تمتنع على التحليل والنقد و المراجعة..!!

د- الصراع بين القطري والقومي:

أن ما مني به المشروع القومي من تراجع مهين، وفشل الدولة القومية في تحقيق  ( جنة الوحدة العربية )، ترك آثاراً مدمرة على الثقافة والعقل العربيين، وصارت ( الهوية القطرية ) مهددة تحت ضغط الهويات او الثقافات ( الفرعية ) في المجتمع الواحد في ( القطر ) الواحد. وقد اغلق النظام السياسي القومي العربي، بعد انزلاقه في مهاوي السلطة الشمولية ودكتاتورية الحزب الواحد وعبادة الفرد، فرص التحول الى ( الديمقراطية ) التي أصبحت ( خطيئة ) يعاقب عليها القانون، أو هي في احسن الأحوال، مشروع (مؤجل ) تحت ذريعة تهديد العدو الخارجي. وتحت ضغط النظام الشمولي وقمع الأجهزة الأمنية وأستبداد الحاكم القومي،  ضاع المشروع القومي الكبير في مشاريع قطرية منفردة ...... ثم ضاعت او توشك أن تضيع المشاريع القطرية، في مشاريع طائفية وأسرية وفردية. وعلى حدّ قول عالم الاجتماع العربي الدكتور سعد الدين ابراهيم، فقد (تحولت السياسة في عالمنا الى مساومات ومخابرات، وتحول الاقتصاد الى صفقات وعمولات، وتحولت الثقافة الى دعاية، وتحول الاعلام الى أعتام وتحول الحكام أنفسهم الى أنصاف ألة، لقد أصبح أبطال عالمنا العربي الى سماسرة للسلاح وتجارا للأغذية الفاسدة، وملوكا للطوائف، أنه عالم بلا شرعية عالم يسيطر عليه الخوف - خوف المحكوم من الحاكم ، وخوف الحاكم من المحكوم.

هـ - الذهنية الأصولية وأنثروبولوجيا العقل العربي:

ويجد الباحث في الثقافة والذهنية العربية المعاصرة، أن ثمة انماطا من التفكير قد تجذرت منذ القدم، وهي تعبر عن نفسها في الكثير من الظواهر الاجتماعية الشائعة، فما زال المجتمع العربي يحفل بظاهرة التزاوج داخل جماعة القرابة، وهو مجتمع يحفظ للمسنين مقامهم في العشيرة، ويمارس على الدوام علاقة ثنائية بين الفرد والجماعة لم تعد موجودة في المجتمعات المتحضرة. هو يعبر في هذه الممارسات عن مفاهيم ( حدية )، ترمز للسلطة والنفوذ ويعبر عنها بمفردات ( حاكم / محكوم ) و ( زعيم / أتباع ) و ( رئيس / مرؤوس )، يعطيها مدلولات متطرفة تخلو من التراتبية، أو التدرج بين هذه الاقطاب في حديها الادنى والاعلى. وهناك من يرى ( وهو على حق)، ان هذه الثنائية تعبر من وجهة نظر الأنثربولوجيا، عن نزعة ( أصولية ) متشددة  للتوجه نحو مجتمع الداخل، وأن أفضل الزيجات والصداقات والزيارات والمبادلات على وفق هذا المنظور، هي ما تحدث داخل العشيرة والعائلة أي ضمن (العصبية الواحدة).

وعلى الصعيد الأخر فان مفهوم " الحرية " في الذهنية العربية الأصولية يأخذ معناه من امتدادات الانثروبولوجيا، فالحرية في الثقافة العربية ( الرسمية ) على الأقل، لا تعني حرية الفكر والابداع والتعبير عن الذات الخلاقة، أنما هي مفهوم ( مغلق ) يعني بالدرجة الأولى حماية النفس من الأخرين، والأنغلاق وتجنب السيطرة والنفوذ، أو التمرد على كل ما يتعارض مع مصالح الذات من نظم وقواعد وضوابط.  وإزاء هذا الواقع السايكولوجي المعقد، والسلوك الأصولي ببعده الأنثروبولوجي، تصبح  (التعددية) شيئاً يكاد يرقى الى مستوى المستحيل، ونتعذر ممارسة التعددية السياسية، كما أن مفهوم الحرية الذي المحنا اليه قبل قليل، يحول دون اتاحة الفرص الكافية للتعبير عن الرأي وقبول الرأي المختلف، ومنح ( المرأة ) فرصاً متكافئة مع الرجل. وهو يحول دون نقل قرارات الحكم الى الشعب  ( مشكلة الشفافية )، ويعطل القدرة على تحليل وتقييـم ونقد ما يصدر عن الحكام من سلوك وقرارات. وهكذا فأن فرص تأسيس موقف سياسي من اي برنامج عام، سواء لجهة الموالاة أو لجهة المعارضة ستتناقص، وسوف تضعف نزعة الفرد بعد أن يفقد الأحساس  ( بقيمته الفردية )، نحو المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، والبحث عن ادواره الاجتماعية فضلاً عن الدفاع عنها.

 كما أن الانكفـاء الاصولي للذهنية العربية نحـو ( مرجعياتها ) التقليدية، ونقصد بها ( العصبية الواحدة )، يعد عاملاً ومسوغاً كامناً لظهور ( احزاب الايديولوجيات الشمولية )، العاجزة عن ممارسة أصول اللعبـة الديمقراطية الصحيحة. ومن البديهي أن تتحول هـذه الثقافة وهـذا النوع من السلوك، الى حاضنة مثالية مستوفية الشروط الموضوعية كافة، ( لتفريخ ) دولة أستبدادية تقوم على مبدأ ( الرعية ) وتشطب شطباً كلياً مبدأ (المواطنة)  و ـ التعبئة المجتمعية والاحتواء السياسي :

 أن واحداً من أكثر أمراض الدولة التقليدية خطورة وتهديداً للمشروع الديمقراطي المتمدن، هو ما تقع به هذه الدولة من عدم توافق، وفقدان التنسيق بين التعبئة الاجتماعية

( Social Mobilization ) من جهة، والتعبئة السياسية ( Political Mobilization ) من جهة ثانية. وأزاء هذا الوضع المضطرب، يظهر جلياً قصور المشروع السياسي للدولة، عن مواكبة الحراك الأجتماعي العام. ولذا يكون (تكييف ) السياسة للمجتمع هو شيء معجز، وواحد من أسوأ اشكاليات السلطة في الدولة التقليدية. وان هذه السلطة بكل مؤسساتها وتشريعاتها وثقافتها، لا تمتلك من الأدوات والأليات ما يمكنها من تحقيق الحد الأدنى، من التوازي والتوازن بين السياسة والاجتماع، للوصول الى تعبئة سياسية  موازية ومناظرة للتعبئة الاجتماعية. وعلى وفق هذا الواقع ولكي تخرج الدولة التقليدية من هذا المأزق، تلجأ الى حلول مقلوبة ومعاكسة للمشروع الديمقراطي برمته، فهي تذهب في العادة الى تكييف المجتمع للسياسية،  بعملية قسرية تعتمد   ( الاحتواء السياسي ) للمجتمع والاقتصاد معاً. وهكذا ازاء هذه العلاقة الشاذة تتجمد نظم الحكم ونظرياته، وتصبح عاجزة عن مسايرة ما يحدث من تغيير في نظم الانتاج وعلاقاته، ما يخلق حلقة متصاعدة من التحديات التي تواجه الدولة، فتتصاعد معها مناهجها وادواتها الأمنية القمعية، لأحتواء هذه التغييرات وما يترتب عليها من حراك اجتماعي. ويؤدي ظهور قوى جديدة واستحقاقات مجتمعية جديدة بالدولة، الى التصدي لها ولو بالقوة في أغلب الاحيان، وهكذا فانها تحاول أبداً ان تضع المجتمع، في حالة

( سكون ) قسري دائم، وهي لا تجد لها مفراً لتحقيق هذا من مصادرة الحريات العامة، وتحريم الصوت المعارض والتعددية بكل أشكالها، والنزوع نحو الشمولية التي هي نقيض أزلي للديمقراطية.