ماذا تغير بين مصر وأميركا؟

 

د. وحيد عبد المجيد

 

 

ما أبعد الفرق بين حالة العلاقات المصرية- الأميركية الآن في بداية عام 2007, وما كانت عليه في الفترة من أوائل عام 2004 وحتى منتصف عام 2006. ويظهر هذا الفرق لدى المقارنة بين أجواء الزيارة التي قام بها كل من وزير خارجية ومدير مخابرات مصر إلى واشنطن قبل أيام (6 – 10 فبراير) وأي من زيارات وزيرة خارجية الولايات المتحدة الثلاث إلى القاهرة خلال عام 2005, وخصوصاً الزيارة التي ألقت خلالها محاضرة في الجامعة الأميركية في 20 يونيو من ذلك العام.

فقد أبدى المسؤولان المصريان الكبيران ارتياحهما الشديد إلى أجواء زيارتهما الأخيرة إلى الولايات المتحدة, والتي قال عنها وزير الخارجية أحمد أبو الغيط إنها أكدت أن العلاقات المصرية- الأميركية دافئة وتمر بأفضل حالاتها. فأين ذلك من البرودة التي سرت في أوصال تلك العلاقات حتى وقت قريب حين اتجهت واشنطن إلى ممارسة ضغط ناعم Soft Pressure على القاهرة لحثها على المضي قدماً في طريق الإصلاح الديمقراطي وتسريع معدلاته.

وكان القرار الأميركي الخاص بإرجاء المفاوضات حول إنشاء منطقة تجارة حرة مع مصر, والتي كان مفترضاً أن تبدأ عام 2005, إلى أجل غير مسمى هو أبرز مظاهر التغير الذي حدث في أجواء العلاقات بين القاهرة وواشنطن. وتعود إرهاصات هذا التغير إلى عام 2002 عندما أعادت إدارة جورج بوش تقويم سياستها بعد هجمات سبتمبر 2001. وشملت عملية إعادة التقويم هذه مراجعة العلاقات مع الحكومات القائمة في دول عربية صديقة اعتبرها فريق في الإدارة الأميركية مسؤولة جزئياً عن وصول الإرهاب إلى قلب الولايات المتحدة. وانطلقت تلك المراجعة من افتراض أن سياسات هذه الحكومات خلقت بيئات منتجة للعنف, وأن اعتمادها على القمع عوضاً عن الإصلاح أدى إلى تصدير هذا العنف إلى الخارج.

وأسفرت التفاعلات الداخلية في واشنطن عن تبني ذلك الافتراض الذي أصبح موجهاً لسياستها تجاه مصر, ولكن بحذر خشية أن يؤدي تغيير حاد في هذه السياسة إلى إضعاف نظام الحكم في غياب بديل معقول أو مقبول له.

وانعكس ذلك في الضغط الناعم الذي ظهر بوضوح منذ مطلع عام 2005, مقترناً باقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في سبتمبر، ثم الانتخابات البرلمانية في نوفمبر وديسمبر من العام نفسه.

فقد سعت واشنطن لأن تكون هذه الانتخابات وتلك منطلقاً لإصلاح ديمقراطي اعتبرته إحدى وسائل تجفيف منابع الإرهاب الذي أعلنت الحرب عليه, بحيث يكون تحسين إجراءات العملية الانتخابية الرئاسية والبرلمانية عنصراً رئيسياً في هذا الإصلاح. ولذلك دعت إلى توفير ضمانات لنزاهة الانتخابات, بل طالبت برقابة دولية عليها. كما انتقدت قانون الطوارئ المعمول به في مصر, واعتبرته عائقاً أمام الإصلاح, ودافعت عن المتظاهرين الذين خرجوا لإعلان احتجاجهم على فرض شروط اعتبروها مانعة لتنافس حقيقي في الانتخابات الرئاسية.

وبلغ الضغط الأميركي أعلى مبلغ له في زيارة كوندوليزا رايس إلى مصر يوم 20 يونيو 2005, والتي بدأتها بمحادثات رسمية في شرم الشيخ أعقبها مؤتمر صحافي أكدت خلاله أن إصرارها على تحقيق الإصلاح ليس موجهاً ضد نظام الحكم المصري.

ولم يستطع وزير الخارجية المصري إخفاء امتعاضه من حديث رايس, إلى حد تذكيرها بالتجاوزات في سجن "أبو غريب" وتدنيس المصحف في غوانتانامو. فردت هي, بدورها, بأن الإصلاح يقوم على قيم، وأن وجود القيم لا يمنع وقوع تجاوزات ولكنه يحول دون إفلات المتجاوزين من المحاسبة.

وعندما ألقت رايس, بعد ساعات قليلة في ذلك اليوم, محاضرتها في الجامعة الأميركية, ذهبت إلى مدى أبعد في خطابها "الإصلاحي". فقد ركزت على ثلاث مسائل أساسية: الأولى هي أن عدم تحقيق الإصلاح يؤثر في المنطقة ويضر بمصالح الولايات المتحدة التي ترغب في أن ترى مصر طليعة للتحول الديمقراطي في العالم العربي. والثانية أن الجميع يتطلع إلى مستقبل الإصلاحات في مصر, والأنظار موجهة إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فيها بأمل أن تكون مفتوحة ونزيهة. والثالثة هي أن الولايات المتحدة تساند التطلعات الديمقراطية لشعوب المنطقة, وأن الخوف من التغيير الذي يمكن أن يترتب على الإصلاح لم يعد مبرراً لعدم إقرار الحرية.

غير أن هذا التوجه أخذ في التراجع تدريجياً على صعيد العلاقات المصرية- الأميركية منذ منتصف العام الماضي, وتحول إلى قضية داخلية تثار من وقت إلى آخر في بعض لجان الكونغرس.

ولذلك لم يكن لهذا التوجه أثر يدل عليه خلال زيارة وزير خارجية مصر ومدير مخابراتها إلى واشنطن قبل أيام، إلا خلال جلسة استماع في الكونجرس تصادف عقدها خلال وجودهما. فقد سُئلت الوزيرة رايس, في تلك الجلسة, عن مصير سياسة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط, فأجابت بما ما معناه أن الإدارة لم تتخل عن هذه السياسة. وضربت أمثلة لجهودها في هذا المجال من بينها أنها طالبت مصر بالإفراج عن زعيم حزب "الغد" المسجون أيمن نور.

وجاء ذلك في سياق تفاعلات داخلية لا علاقة لها بوجود اثنين من كبار المسؤولين المصريين في واشنطن, إلى حد أن وزير الخارجية أبو الغيط لم يجد حرجاً في إعلان أن لقاءاته الرسمية في الولايات المتحدة لم تتطرق إلى قضية أيمن نور من قريب أو بعيد.

فأين ذلك, أيضاً, مما حدث في زيارته إلى واشنطن في فبراير 2005 حين فاجأته رايس, خلال مؤتمرها الصحافي, بإعلان أنها أبلغته قلق الإدارة والكونغرس من إجراءات اتخذتها حكومته من بينها إلقاء القبض على نور.

فقد جرت في نهر العلاقات المصرية- الأميركية مياه كثيرة خلال الشهور الأخيرة التي شهدت عدداً من التغيرات التي أعادت هذه العلاقات -تقريباً- إلى ما كانت عليه قبل المراجعة التي دفعت واشنطن إلى رفع مسألة الإصلاح في مصر إلى مرتبة متقدمة. وأهم هذه التغيرات اثنان. أولهما أن اتجاهاً متنامياً في داخل الإدارة الأميركية بات يدرك صعوبة الخروج من "المستنقع" العراقي بدون مساعدة مصر ودول عربية أخرى. ولا يجوز لمن يطلب العون أن يفرض شروطه. وثانيهما أن تجربة حكومة "حماس" أعادت القلق من أن يؤدي تسريع معدلات الإصلاح إلى وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة, بعد أن كان هذا القلق قد أخذ في التراجع نسبياً قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

فكان حديث رايس, خلال محاضرتها في الجامعة الأميركية في القاهرة (20 يونيو 2005) عن أن "الخوف من التغيير لم يعد مبرراً لعدم إقرار الحرية" ينطوي على رسالة مؤداها أن واشنطن لن تستمر في الانسياق وراء "فزاعة" الإسلاميين التي تجيد حكومات عربية استخدامها. كما كانت إشارتها إلى أن "الإخوان المسلمين عنصر في المجتمع السياسي المصري" تعبيراً عن استعداد واشنطن لقبول معادلات سياسية جديدة بشرط أن يحسموا موقفهم فلا تبقى لهم "قدم في الديمقراطية وقدم في الإرهاب" على حد تعبيرها.

غير أن قيادة "الإخوان" لم تدرك المغزى التاريخي لحكومة "حماس" من زاوية أنها تمثل أول اختبار عملي لإحدى حركاتهم في السلطة. فكان من شأن نجاح تجربة "حماس" في الحكم أن يزيل, أو يقلل إلى أدنى حد, القلق الغربي من أن يكونوا هم الرابحون من الإصلاح في مصر ودول عربية أخرى لا توجد فيها معارضة قوية غيرهم.

غير أن سلوك قيادة "الإخوان" لم يكن مساعداً على نجاح تجربة "حماس", بل ساهم في تكريس فشلها, وبالتالي في إخافة الأميركيين مجدداً من أن تؤدي ضغوطهم على الحكم في مصر إلى وضع أسوأ بالنسبة إلى مصالحهم إذا كان البديل الوحيد للنظام القائم هو نظام "إخواني" أو حتى حكم يقوده "الإخوان المسلمون".

فلا عجب, إذن, أن يعود الدفء إلى العلاقات الأميركية- المصرية، وأن تبدو البرودة التي سرت في أوصالها لنحو عامين, أو أقل, حالة عابرة قد لا تكون قابلة للتكرار في المدى القصير على الأقل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-22-2-2007

المقالات تعبر عن أراء أصحابها ولا تعكس بالضرورة عن أراء المعهد .