ورطتنا الحضارية!!

 

خليل علي حيدر

 

 

نحن في ورطة حضارية ثقافية حقيقية، تمسّ لدينا الحاجة من جانب إلى مناقشة كل صغيرة وكبيرة في حياتنا وفي تفاصيل تاريخنا وثقافتنا وديننا، وتضيِّق القوى المتزمتة من جانب آخر حرية الفكر والكتابة، وتجبر الكل إلا القليل النادر، على السكوت!

هناك يقول أستاذ الفلسفة، د. فؤاد زكريا، عامل لا يمكن تجاهله، لأن له في مجتمعاتنا المعاصرة دوراً يستحيل إنكاره، و"أعني عامل الخوف": فنطاق المشكلات المسموح بمناقشتها عقلياً وفلسفياً في الميدان الديني، يضيق يوماً بعد يوم، ويسير في اتجاه معاكس لذلك الذي عاشته أوروبا منذ عصر النهضة حتى اليوم.

وهكذا يشعر الفيلسوف بأن المناطق المحرمة تزداد على الدوام اتساعاً. لقد اختفت بيئة الحوار الحُر! "فقد تدهور مستوى التسامح الفكري في وطننا العربي، خلال القرن الأخير، تدهوراً ملحوظاً، وهبط الخط البياني لحرية الفكر هبوطاً حاداً، في السنوات الأخيرة بوجه خاص، وأصبح كثير من الموضوعات التي كانت تناقش بسماحة وسعة أفق في أوائل هذا القرن -العشرين- بل في القرون الأولى للعصر الإسلامي، من الممنوعات والمحظورات، وتحول هذا القرن -الذي اصطلحنا على أن نسميه عصر النهضة العربية- إلى عصر كبوة وارتداد وتخلف شديد، ولا تبدو في حياتنا الراهنة أية بادرة تدل على أننا سنتخلص قريباً من ضيق الأفق هذا، بل إن كل الدلائل تدل على أنه سيشتد إلى أن يصبح انسداداً تاماً لأفقنا العقلي".

ويستنتج قائلاً: "إن التسلط السياسي والاستبداد في الحكم كان من الضروري أن ينعكس على فكرنا في صورة خضوع متزايد للسلطة العقلية والروحية، وانكماش متزايد لقدرتنا على النقد والمعارضة الفكرية، يوازي بالضبط اختفاء المعارضة السياسية من حياتنا". (الفلسفة في الوطن العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة، 1985، ص46.

وقد تزايدت لحسن الحظ، خلال العقدين المنصرمين، فرص الابتكار والتجديد بفضل الحريات التي أتاحتها العولمة والفضائيات والانترنت، فاتسع فضاء الحرية الفكرية والسياسية في العالم العربي، وظهرت مؤلفات تناقش بجرأة متصاعدة ما كان يصعب الجدال فيه قبل عقود، وازدادت حدة الصراع بين تيار "الإسلام السياسي" وبقية التيارات.

ولكن، هل يستطيع التيار الديني الاستمرار في هذا الموقف الذي وقفته الكنيسة الكاثوليكية ذات يوم، وهل يستطيع التيار أن يجمع بين الروحية الجذرية أو الراديكالية الشاملة التي يخاطب بها شرائح المجتمع ويصطدم بها مع السلطات المحلية والدولية، وذلك النفَس المحافظ المتخوف الذي يكتنف موقفه من حرية البحث؟

يقول د. زكريا: "ما نود أن نبيِّنه هو أن هذه المناقشة الفلسفية، لو سمح لها أن تتم بحرية، لن تضر بقضية الدين، على عكس ما يتصور المتزمتون، بل إنها ستعمق الفكر الديني وتزيده ثراءً. والأهم من ذلك أن عقول الأجيال الجديدة، التي خرجت إلى النور في عصر الحاسبات الإلكترونية والصواريخ، لابد من أن تدور فيها أسئلة لا تكفي المواقف التقليدية المحدودة الأفق لتقديم إجابة مقنعة عليها. وقد تكف هذه العقول عن التساؤل إذا ما شعرت بأن في ذلك حرجاً أو خطراً، ولكن الأسئلة ذاتها لن تسكت في داخلها إلا إذا تلقت إجابات يدعمها المنطق السليم، ويقبلها التحليل الفلسفي".

من المشكوك فيه، في رأيي، أن تقنع مثل هذه الحجج، التي يوردها د. زكريا، قوى التيار الديني، في أن تتخلى عن سلطانها على النفوس والنصوص، وعلى التفكير والتفسير. وهكذا يمتد "المشكل النهضوي" في العالمين العربي والإسلامي. فالنهضة الحقة ليست مجرد برلمان ومصنع ومصرف ومدرسة، بل لابد من أن تصل "كهرباء" النهضة والتجديد إلى الإنسان الفرد، وإلى مؤسسات الفكر في المجتمع، ليصبح العالمان العربي والإسلامي جزءاً حقيقياً فعالاً من العالم المعاصر، ولكي يصبح الإسلام المستند إلى الإرادة وحرية النقاش، ديناً عصرياً قوياً قادراً على اختراق كل الحواجز المعادية له، بعد أن يتخلص من السمات السلبية الكثيفة التي أثقله بها التخلف والتخويف!

على كل "إسلامي"، فيما أرى، أن يحاور نفسه: كيف يطالب مجتمعه بالخضوع لعملية تغيير شاملة، كما تطالب الصحوة مجتمعات العالم العربي والإسلامي، دون أن يعطيها حرية الفكر والنقاش والأمان الثقافي؟ لماذا يمتلك المسلمون في أوروبا وآسيا البوذية وأميركا وكندا وأستراليا كل هذه الحرية في التحاور والشد والجذب، بينما لا يجرؤ أي كاتب أو مفكر في ديار الإسلام على أي حوار؟

يتصور الكثير من الإسلاميين، وربما الليبراليين، أن هذا التحصن الفكري مكسب حقيقي للتيار الديني. وقد يكون حقاً، ولكنَّ له ثمناً باهظاً على صعيد مهم يمس الفكر الإسلامي المعاصر وقدرته على التجديد والابتكار. وهذا ما نلمسه بوضوح في كل معارض الكتاب الإسلامي السنوية، التي صارت تدور في حلقة التكرار وتتحاشى الجديد والمبتكر والجريء من الأفكار. بل وما من كاتب إسلامي ناضج في مصر ودول الشام وبلدان الخليج إلا ويدرك أبعاد هذه الأزمة الخانقة، حيث يخاف المؤلف الإسلامي نفسه من أن ينطلق في التفكير، أو يجدد في الحوار، أو ينتقد السلبيات، أو يصارح التيار.. فينزل على كتبه ومقالاته سيف المقاطعة البتار، ويكون نصيب بضاعته الفكرية الكساد.. والبوار!

وتبدو هذه الظاهرة أكثر إثارة للحيرة إذا لاحظنا مع د. زكريا فعلاً أن "علماء الكلام" المسلمين منذ قرون عديدة، قد خاضوا في مشكلات عقلية أثارتها الحياة الدينية في عصرهم. والآن، هل باستطاعة الصحوة الإسلامية أن تتجنب النقاش الفكري العصري، وأن تقود مجتمعات العالم الإسلامي بما فيه من فكر ومفكرين وجامعات ومؤسسات، دون إطلاق حرية البحث العقلي؟

في اعتقادي، يقول د. فؤاد زكريا في نهاية حديثه، إن البحث العقلي، بروح عصرية، في المشكلات الفكرية المرتبطة بالدين، كان ينبغي أن يحتل مكانة مهمة في أية "صحوة إسلامية" تريد أن تكون حقاً جديرة بهذا الاسم. "ذلك لأن هذه الصحوة تدعو إلى أن يكون للدين دور أهم في حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومن ثم كان الواجب أن تضع أيديها في أيدي الفلسفة من أجل القيام بالتحليلات المتعمقة التي يستلزمها أداء الدين لهذا الدور المهم في حياتنا المعاصرة".