هل يحكم الإخوان المسلمون مصر؟!

 

 

 

سؤال مثير فجّرته الاعتقالات والتعديلات الدستورية في مصر

النظام المصري يقول: إما جمال مبارك والتوريث.. وإما الوقوع في قبضة الإخوان!

عندما حصد الإخوان المسلمون عدداً كبيراً من مقاعد البرلمان المصري «مجلس الشعب» في الانتخابات الأخيرة بلغ عددها ٨٨ مقعداً، لكان يمكن أن يحصدوا مقاعد أكثر لولا استخدام السلطات الأمنية وتزوير الانتخابات، كما يرى المراقبون.

شعر الإخوان وقتها بأنهم قوّة سياسية تلقى مساندة، ولها شعبية في الشارع السياسي المصري..

وشعر النظام الحاكم في مصر، أن صعودهم يشكّل خطورة شديدة عليه.

وأعلنت أطراف دولية رئيسية كالولايات المتحدة، أن ليس لديها ما يمنع الاتصال مع الإخوان المسلمين، ومناقشة التطوّرات السياسية في المنطقة!

وقتها.. لم يشأ الإخوان ـ عبر شخصياتهم القيادية ـ أن يعبّروا عن سعادتهم أو استجابتهم للرغبة الأميركية، وإنما أعلنوا فقط أنهم لن يلتقوا أطرافاً أجنبية، إلا في ظل حضور رسمي وليس في مجالس سرّيّة!

وظهرت دراسات وأبحاث ومقالات.. وألقيت خطابات وعقدت اجتماعات.. وأدلى محلّلون بآرائهم، ونفى رسميون إمكان ذلك، وأكّد آخرون احتماله.. وقالت دراسات جادّة أن الإخوان المسلمين لا يمكن لهم أن يتولّوا سدّة الحكم في مصر، لأن المجتمع المصري.. مجتمع مدني ولا يربط بين الدين والدولة؛ ولأن الإخوان جماعة دعوة دينية، ليس لها أي علم بفنون ووسائل إدارة الدولة..

ورأى طرف ثالث أن مناقشة هذا الأمر تعدّ نوعاً من الثرثرة حول أمر لا يمكن أن يحدث على الاطلاق.

وقبل فترة قصيرة، بدأت في مصر عملية تعديلات في الدستور اقترحها الرئيس مبارك، وقيل وقتها أنه يتطلّع من خلالها الى تخفيف المعارضة الشديدة لنظامه، وقال محلّلون آخرون أنه يمهّد الطريق لتوريث السلطة الى ابنه جمال، الذي لوحظ صعوده الصاروخي من السلّم السياسي الى قيادة الحزب الحاكم.

لكن مراقبين آخرين رأوا أن التعديلات التي اقترحها مبارك، ووافق عليها مجلس الشورى كما هي، لا تستهدف إلا الى تقييد فرص الظهور السياسي البارز لجماعة الإخوان المسلمين، بل والتضييق عليهم نهائياً، وحرمانهم ممارسة العمل السياسي تمهيداً للقضاء عليهم نهائياً.

وواكبت المناقشة حول التعديلات الدستورية أوسع حملة اعتقالات لقيادات الإخوان.. حتى الآن، وشملت الحملة هذه المرة النائب الثاني للمرشد العام وأمين صندوق الإخوان..

في المقابل، قرّر الإخوان المسلمون أنهم سيدخلون المعترك السياسي بإعلانهم الاستعداد لإنشاء حزب سياسي مدني.

ووجد الرأي العام نفسه يستمع الى تصريحات للرئيس المصري تحتل الصفحات الأولى من الصحف الحكومية، تحمل عنواناً «الإخوان المسلمون.. خطر على أمن مصر».

وعادت الأحاديث حول الإخوان ومدى إمكان تسلّمهم سدّة الحكم في مصر..

وهل يمكن أن يحكم الإخوان مصر؟!

وهل سيحكم جمال مبارك مصر.. أم الإخوان؟!

ووسط هذا الزحام، فوجئ الجميع بتصريحات للإخوان في صحف عالمية وعربية، على لسان النائب الأول للمرشد العام الدكتور محمد حبيب.. قال فيها ما يفيد بأن «الإخوان قادمون»!

وعندما سئل عن كيفية حدوث ذلك، قال إنها إرادة الناس في مصر.. والأمّة تطلب الإخوان!

وفي التفاصيل، قال إن ذلك سيتم من خلال عملية انتخابات عامّة ديمقراطية لا تتدخّل فيها السلطة!

تحدّث محمد حبيب عن قدوم الإخوان لحكم مصر في اجتماع عام أقيم في الجامعة الأميركية بقلب القاهرة..

وفي حديثه مع صحيفة «فاينانشال تايمز« اللندنية.. وأيضاً في حديث مستفيض مع صحيفة «الأخبار» اللبنانية قال: الإخوان مستعدّون لحكم مصر.

وعندما سألته الصحيفة اللبنانية: ما الفارق إذا حذفتم الدولة الدينية، بين نظام حكمكم ونظام الحكم الحالي للحزب الوطني؟

أجاب: لا يوجد فارق في نص الخطاب، لكن الحزب الوطني حزب فاسد، وديكتاتوري ولا يريد الحريّة للشعب.. ولا يحترم الارادة الجماهيرية. كل ما يشغله هو أن يحكم.

وعندما سئل عن وضع الأقباط في حكم الإخوان المسلمين، قال: ليس لدينا مشكلة.. هم (أي الأقباط) شركاء في الوطن لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات..

ولكن: كيف يشترك وزراء أقباط في حكومة تحكمها الشريعة الإسلامية؟.. وماذا عن الأحزاب العلمانية؟

أجاب: سوف يسمح بكل ذلك وسوف يحدّد ذلك القانون.

قلق على الوطن!

يقول الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (عضو مكتب الارشاد لجماعة الإخوان): أشعر بما يشعر به كل المصريين الطيبين من قلق على الوطن ومستقبله، خلال هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد، والتي زادها حرجاً وتوتّراً ذلك التصعيد الغريب من الحكومة، تجاه فصيل وطني كبير له إيجابياته وأخطاؤه ككل البشر.

واتصل بي كثيرون من أبناء الوطني المخلصين، محذّرين من أن هناك جهات معيّنة تعمل على تصعيد التوتّر بينكم وبين الدولة، ومع ذلك فهناك إجماع داخل الكثير من الأجهزة على رفض هذا التصعيد، لأنه في غير صالح الوطن ومستقبله، خصوصاً في هذه الفترة الانتقالية الحرجة، وعلى إثر ذلك أودّ أن أخاطب السيد رئيس الجمهورية والأساتذة المفكّرين والمثقفين والنخب السياسية والاجتماعية.. هناك نقاط عدة أجد لزاماً عليّ أن أقولها: يعلم السيد رئيس الجمهورية عندما كان نائباً من خلال لقاءات كانت تتمّ بينه وبين المرحوم الأستاذ عمر التلمساني المرشد الأسبق للإخوان وكان يطلعني على مضمونها، أن مسألة العنف والعمل المسلّح لا مكان لهما على الاطلاق في فكر ونهج وحركة الإخوان، وأن ما كان في الأربعينيات والخمسينيات قد ولّى ومضى، ومضت معه ظروفه ومؤثّراته وسياقاته مع النظام الملكي والاحتلال وفلسطين، وذلك التصادم القدري مع الثورة في بداياتها بسبب أخطاء مشتركة من الجانبين، وحين تولّى السيد الرئيس الحكم أعلن أن الإخوان لا علاقة لهم بأحداث العنف..

وحول حملة الاعتقالات المتواصلة التي تشنّها أجهزة الأمن ضد عناصر الجماعة يقول: إن النظام في مصر يريد أن يحقّق هدفين: أولهما تخويف المجتمع كلّه ليقول للشعب ها هم الإخوان الذين حصلوا على ٨٨ مقعداً في البرلمان، نحن نسيطر عليهم ونملأ بهم السجون. أما هدفه الثاني، فهو توجيه رسالة للخارج.. الى أميركا، لإرضاء الأقطاب الأميركية والإسرائيلية، ليقول لها: ها هم الإخوان أكبر عقبة أمام مشروعكم الإسرائيلي والأميركي في المنطقة نستطيع خمْد أصواتهم ونعتدي عليهم، فالحكومة تنتهج سياسة معيّنة لتأديب المعارضين في صورة الإخوان أقوى منافس لها.

علاقة شائكة!

المحلّل السياسي الدكتور عمرو الشوبكي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أعدّ بحثاً عن رحلة الإخوان مع السلطة جاء فيه:

الحقيقة أن علاقة الإخوان بالسلطة هي علاقة شائكة منذ تأسيس الجماعة على يد الراحل حسن البنّا عام ١٩٢٨ وحتى الآن.. وعرفت مراحل هدوء ومواجهة وسلم وعنف، وبقي كلاهما مستمرّين فلا الإخوان اختفوا ولا السلطة سقطت.

وصار من المهم البحث عن أفق «حلّ سياسي» لمعضلة الإخوان والنظام القائم، يمكن البناء عليها في عصر آخر قادر على بناء مجال مدني للمنافسة السياسية، يحلّ مكان المواجهة الأمنية الرائجة حالياً.

والمؤكّد أن عصر المنافسة السياسية لن يكون في عصر الرئيس مبارك، ولا في مشروع التوريث، إنما في عصر آخر قد يأتي يحمل نخبة مدنية إصلاحية تتفاعل نقدياً مع الخارجي، ولا تكون معزولة عنه ولا ذيلاً له، وقادرة على أن تبني نظاماً ديمقراطياً كفؤاً في مجالي الاقتصاد والسياسة، وبالتالي، أو في النتيجة، قادر على دمج الإخوان في المعادلة السياسية كحزب مدني، لأن مستقبل الاصلاح الحقيقي في مصر لن يكون بالتعديل الثاني للمادة ٧٦ أو غيرها من مواد الدستور، وإنما بدمج الإخوان في العملية السياسية وحلّ المشكلة «الإسلامية» حلاًّ سياسياً.

والمؤكّد أن هناك ثمناً كبيراً سوف تدفعه الجماعة من وحدتها وطريقة عملها، إذا سمح لها بأن تكون حزباً سياسياً مدنياً.. بالمقابل، فهناك ثمن، ربما أكبر، ستدفعه السلطة في حال إذا قبلت بحزب سياسي مدني للإخوان المسلمين، يحترم الدستور والنظام الجمهوري ويؤمن نظرياً وعملياً بالمواطنة، لأن هذا سيتطلّب حكومة قويّة تضم سياسيين، وتنجح بالانتخاب الحرّ الديمقراطي، وقادرة على منافسة أي تنظيم سياسي جادّ، سواء كان الإخوان أو غيره.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المشاهد السياسي-3-2-2007