مجلاتنا الثقافية.. أين هي؟

 

ثريا الشهري

 

في مطلع القرن التاسع عشر، كان انتشار عدد من المجلات الثقافية التي حكت عن مظاهر النهضة العربية الحديثة آنذاك، وما زالت تذكر كسجلات ناطقة عن تلك الحقبة. أما اليوم، وعندما يتصفح القارئ أو المؤرخ العربي ما يتراص على الأرفف من مجلات ثقافية، فهل سيجد فيها بداية لحضارة أصيلة وصادقة، أو حتى تأريخا للمرحلة بمظاهرها وتمخضاتها؟

لا أعتقد، فوثائق مهمة في حجم العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والهلال والمقتطف والرسالة وغيرها، لتعد بحق من منابر الفكر وإبداعات أصحابها، وقلما نجد ما يماثلها في يومنا على الرغم من المحاولات المخلصة لبعض المجلات العربية الثقافية، والتي هي محدودة على كل حال كمثل مجلة «العربي»، أو على نحو ما مجلة «حوار العرب» الخاصة بمؤسسة الفكر العربي. مع العلم أن المجلة الثقافية اليوم تعد المطبوعة القادرة على اجتياز حواجز العالم العربي بخلاف الصحف اليومية التي قد تتعرض للمنع أو المصادرة، فضلاً عن المدة التي تتمتع بها إصدارات المجلة التي تصل إلى أسبوع أو شهر أو...، وبالتالي تتاح لأكبر عدد ممكن من القراء، الأمر الذي لا يتوفر للصحيفة التي جرت العادة على التخلص منها بمجرد قراءتها، فإن كانت الحجة في توفر خدمات الإنترنت التي لم تكن متاحة في العهود السابقة، فأقول إنهما أداتان مختلفتان وإن اشتركتا في الغرض المعرفي، وهنا أذكر أنني صممت مرة على الاحتفاظ بأعداد بعض الصحف لمدة عامين، ولم أع إلا والمكان يتحول إلى أرشيف متخم بالورق الذي لم أجد مناصاً من التخلص من أغلبه على مضض، فليس من السهل مطلقاً تخزين الصحف كما هو الحال مع المجلات.

إن المجلة الثقافية التي نحن بصددها هي تلك المرشحة والمؤهلة لمد الجسور بين البلاد العربية، وتغطية أخبار أهلها، فتكوّن من نفسها قاعدة يدور حولها الرأي العام العربي، إذ ماذا نعرف عن المجتمع الموريتاني أو الجزائري! وما إحصاءاتنا عن أحوال السودانيين أو الصوماليين ورأيهم في سياسة الشرق الأوسط وما يدور على أرضهم، أم ماذا نعي عن باقي الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية البالغ عددها 22 دولة! ونحن بكلامنا هذا لا نتطلع إلى موضوعات خارجة عن سياق الحياة، أو مقالات معلّبة لكتاب معلّبين، وإنما نطمح في واقعية مؤثرة، في استطلاعات حقيقية وليست منقولة عن إصدارات أجنبية، في كتابات تنطق بقضايا الأمة وهمومها وما أعظمها، في كلمات تذكرنا بقيم عربية مشتركة، وتراث أوشك على الاندثار، في شؤون محلية بطروحات غير محلية، في نكهة ثقافية نابعة من أرض المجلة أياً كانت وتناغمها المتوازن مع ما هو عربي وعالمي، في أخذ ورد وحوار واجتهاد من دون تشنج أو تجن أو اتهام. إنها مهمات لم تعد الصحف السياسية ولا ملاحقها بقادرة على استيفائها، ولا حتى التلفزيون بمحدودية مشاهديه مهما يكن أو كلفة انتشاره، وبسبب الجانب الفكري التحليلي العميق المطلوب في المجلة الثقافية، ولا أيضاً الكتاب الذي قد نتوهم سلفاً بتغطيته لهذا النقص المعلوماتي، فالكتاب لا يستطيع منافسة المجلة الثقافية بحكم معالجته لموضوع أو موضوعات بعينها لا تأخذ شكل المجلة وحريتها في تناول الأفكار والعلوم وتوزيعها بشكل مختلف، وبصورة أكثر جاذبية، وأدعى لهضم بإمكانه الوصول إلى القارئ العربي متوسط الثقافة.

فإن حصل مثلاً ونشر في إحدى المجلات الثقافية ما يصنف بالمقال غير الموفق، فلا ينبغي الحكم على المجلة بأسرها واتهام القائمين عليها بالتقصير أو التخوين، خاصة مع مراجعة التاريخ المشرف الذي ينتمي إليه الإصدار، فالخطأ دائماً ما يكون وارداً في معالجة ما يجري في مجتمعات على أعتاب تجارب حضارية جديدة، ولا يكون التصرف الحضاري في وضع غير مريح كهذا سوى بالرد على الرأي الخاطئ بالرأي السليم، أو الأقرب إلى الصواب.

المجلة الثقافية العربية لا تقف مسؤولية إصدارها عند هيئة تحريرها، فإحجام المثقفين العرب ذوي الكلمة «المقروءة والمحترمة» عن المساهمة بإبداعهم، وضنهم بجهدهم أو حتى إحباطهم من جراء التسطيح السائد، لا يملأ الورق بالإنتاج الدسم الذي يسد النقص ويشفي ويعافي، بل يفتح المجال للكتَبَة المرتزقة الذين لا التزام خلقي لديهم ولا حضاري، والذين قد يصل الإسفاف بهم إلى حد بيع الموضوع الواحد إلى أكثر من مجلة، معتقدين أنهم وببعض «رتوشهم» يستطيعون تغيير المكتوب وتمريره على القارئ وكأنه يكتب لأول مرة، فأي إصلاح ووعي! وأي نقد للعقل العربي يرجى من كتابة كهذه؟

الصحافة السياسية المحلية أو المهاجرة مقيدة بعوائق المكان وحساسية الأوضاع العربية الدقيقة، فلا نستغرب أن تضييق سماء رسالتها وتأثيرها، رغم دعمها وتزايد أعدادها وتطوير أدواتها، وكم من موضوعات جاءت مقتضبة ومجزأة أسوة بما هو مسموح وبما يضمن للقائمين استمرارهم بالعمل، لذا تبقى الصحافة الثقافية المنشودة التي تتناول المجريات بلا استثناء، بموضوعية علمية وفكرية هي الشعلة التي يمكنها خدمة التنوير الحضاري العام للأمة، فنحن لا يمكن لنا الاستمرار في العيش متحسرين على ما آلت إليه أحوالنا دون أن نتحرك إلى الأمام ونطبع مرحلتنا بطابعنا فنكون في مستوى التفاعل والتحديات، كما فعل غيرنا بمراحلهم، فمن حسن الظن بالنفس والتاريخ وقوانين الارتقاء، أن نفتش ونبحث عن حقيقة الإبداعات الثقافية الحقيقية، وتلك البذور الواعدة، إنه دور يبحث عن أكثر من بطل. كلمة أخيرة: بعد مائة عام من الآن، ليس مهماً ما حققناه من عمارات شاهقة وأسهم مضاربة، ولكن ما بقي من فكرنا، وما حقنّا من« أكسجين» جديد في عقلنا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-27-1-2007