سيناريوهات تشكيل إدارة أميركية ثنائية الحزبية!

 

لاني ديفيز

 

تخيلوا معي هذا السيناريو: أن أميركا منقسمة على نفسها لدرجة كبيرة. وأن وسائل الإعلام قد أعدت خرائط اعتمدت فيها على رموز لونية لتوضيح الانقسام حيث استخدمت لوناً معيناً للإشارة للولايات الجنوبية والحدودية ولوناً آخر لتوضيح ولايات الشمال. وأنه مع اقتراب عام الانتخابات، حيث يتوقع من السياسي الذي يتصدر ترشيحات حزبه "الجمهوري" أو الديمقراطي" لخوض السباق الرئاسي أن يختار عضواً آخر من حزبه كي ينضم لقائمته الانتخابية كنائب رئيس، اتخذ نتيجة لإحساسه باستثنائية اللحظة التي تواجهها الولايات المتحدة في الوقت الراهن قراراً خطيراً وطلب من زعيم من زعماء الحزب المعارض أن ينضم لقائمته كمرشح لمنصب نائب الرئيس، مشكِّلا -كما يعتقد الكثيرون- أول سابقة يتم فيها شغل منصبي الرئيس ونائب الرئيس من عضوين من الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة، وليس من حزب واحد.

إن هذا ليس محض خيال -كما يعتقد الكثيرون- بل له سابقة في التاريخ الأميركي حيث طلب "إبراهام لنكولن"، الذي كان قد رشح نفسه لإعادة الانتخاب رئيساً للولايات المتحدة عام 1864، من نائبه الجمهوري "هانيبال هاملين"، أن ينسحب من القائمة ويترك مكانه للمرشح "الديمقراطي" حزبياً "أندرو جونسون"، الذي كان معروفاً مع ذلك بتعصبه الحزبي. وكما نعرف فإن محاولة "لنكولن" لتشكيل قائمة من الحزبين لخوض انتخابات الرئاسة انتهت بشكل مأساوي، وذلك عندما تم اغتياله قبل حفل تنصيبه بشهر واحد.

وإذا ما كانت هناك رغبة لإعطاء مثل هذه المحاولة فرصة ثانية فليس هناك ما هو أنسب من الوقت الراهن. فالتنافس الشديد بين الحزبين وبشكل مشابه لما كان سائداً عام 1864، والظروف الاستثنائية التي تواجه الولايات المتحدة حالياً سواء في العراق أو في الحرب على الإرهاب، يمكن أن يدفعا مرشحاً ما إلى التفكير في تكوين قائمة ثنائية الحزبية في انتخابات 2008 الرئاسية، لتكوين إدارة لديها القدرة على مواجهة الأخطار التي تهدد أميركا في الوقت الراهن. وليس هناك من هو أكثر قدرة على التعبير عن هذا التوجه من "جوزيف ليبرمان" السيناتور "الديمقراطي"، الذي لا يمنعه انتماؤه الحزبي من الانفتاح على كل المقاربات الحرة والمحافظة في ذات الوقت كما أثبتت تجربته الانتخابية السابقة.

وبالإضافة إلى الحاجة الماسة إلى دعم من الحزبين لمعالجة حرب العراق، وإنهاء الوجود الأميركي هناك دون أن نترك وراءنا دولة مارقة، فإن ثمة حاجة ماسَّة أخرى لذلك تتعلق بتفعيل القوانين الجديدة الخاصة بالضرائب. فجميع القادة السياسيين المسؤولين في البلاد -من كلا الحزبين- يعلمون تمام العلم، وإن كانوا لا يريدون أن يعترفوا بذلك صراحة أنه لا سبيل لدفع نفقات الحرب في العراق، وتخفيض العجز في الموازنة مع الاستمرار في نفس الوقت في تنفيذ برامج الرعاية الصحية، وبرامج تحقيق الاستقلال في الطاقة ومكافحة الإحماء الحراري، والأمن الاجتماعي، دون رفع الضرائب إلا بواسطة تعاون الحزبين، أو من خلال تكوين قيادة من الحزبين لديها القدرة على دفع الزعماء "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" معاً لتناول هذا الموضوع بشكل أمين دون مزايدات حزبية ومهاترات.

هنا نصل إلى السؤال: كيف يمكن تكوين قائمة انتخابية من الحزبين؟

يجيب "تيودور سورينسون" كاتب خطابات الرئيس الأسبق جون كنيدي على ذلك في كتاب كان قد أصدره عام 1984 يصف فيه الطرق أو السيناريوهات المحتملة التي يمكن بها تنفيذ ذلك.

السيناريو الأول، أن يقوم المرشح "الديمقراطي" أو "الجمهوري" بما قام به لينكولن في الماضي، أي أن يمد يده للحزب الآخر ويطلب من أحد زعمائه أن يخوض معه انتخابات الرئاسة كنائب له.

السيناريو الثاني سيناريو أحبذه أنا شخصياً، وهو أن يقوم كل حزب بإعداد قائمته الانتخابية الخاصة ثم يخوض السباق الانتخابي بالطريقة التقليدية كي يتمكن الناخبون من معرفة مواقف الحزبين، وبرنامجيهما الانتخابيين. وبعد أن تنتهي الانتخابات يطلب الفائز سواء من الحزب "الجمهوري" أو "الديمقراطي" من نائبه -أي الشخصية السياسية التي كانت موجودة معه في القائمة كنائب للرئيس بالتنحي (على أن يتم تكليفه بالعمل لاحقاً كوزير للخارجية مثلا)، ومن ثم يدعو مرشح الحزب المنافس للانضمام إليه كي يشغل منصب نائب الرئيس.

وفي هذا السيناريو يمكن أيضاً اختيار نائب الرئيس -بعد انتهاء الانتخابات- بواسطة الهيئة الانتخابية التي يفترض أن توافق في مثل هذه الحالة على الطلب المقدم لها من قبل الرئيس المنتخب للتصويت على اختيار رئيس أو نائب رئيس الحزب المهزوم للعمل معه في منصب النائب. كما يمكن أن يتم ذلك الاختيار عقب أداء الرئيس ونائبه للقسم: فيقوم نائب الرئيس بتقديم استقالته كي يصبح منصبه شاغراً، فيتعين ملؤه حسب التعديل الخامس والعشرين في الدستور من خلال قيام أعضاء الكونجرس بمجلسيه وبأغلبية الأصوات باختيار نائب رئيس جديد. وفائدة الطريقة الأخيرة أنها ستحظى بمباركة رسمية من الكونجرس على النهج ثنائي الحزبية.

بعد هذه الخطوة سيكون من الطبيعي أن يختار الرئيس أعضاء إدارته على غرار النموذج ثنائي الحزبية، أي اختيار مجلس وزراء 50% من أعضائه من أحد الحزبين و50% من الحزب الآخر (على أن يراعي اختيار القضاة المرشحين لمناصب السلطة القضائية الرئيسية على أساس الاستحقاق والجدارة وليس على أساس حزبي).

والسؤال الذي ننهي به هو: هل يمكن أن يحدث شيء مثل هذا؟ الإجابة هي أن الواقعية السياسية تعد عاملاً فاصلاً وعنصراً مرجحاً في هذا الشأن. فإذا ما تبين أن النهج ثنائي الحزبية سيؤدي إلى تعزيز فرص النصر... وإذا ما تبنى زعيم أحد الحزبين هذا النهج وجعله حقيقة واقعة على أساس أنه -دون غيره- سيكون في مصلحه بلاده، فإن الإجابة على السؤال المذكور في مثل هذه الحالة ستكون: نعم، من المرجح أن يحدث شيء مثل هذا في الانتخابات الأميركية الرئاسية القادمة.

*المستشار الخاص للرئيس الأميركي السابق "بيل كلينتون" من 1996 إلى 1998.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-23-1-2007