ركود" في الحريات... وتوجهات عالمية "مناهضة للديمقراطية"

 

 

هوارد لافرانشي

 

يبدو أن المسيرة العالمية نحو الحرية التي روَّج لها الرئيس بوش، تتعرض لصعوبات تهدد بإيقافها. فبعد التقدم الذي أُحرز في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، تسجل العديد من الدول تراجعاً ملحوظاً في مسيرتها الديمقراطية، وهي بلدان تمتد من دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى أجزاء من أفريقيا وشرق آسيا. ولفهم الأسباب الكامنة وراء هذه الانتكاسة الديمقراطية في تلك الدول دعونا ننظر إلى نموذج بورما. فقد دأبت الولايات المتحدة على تسليط الضوء على تلك الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا ونظامها الديكتاتوري لسنوات عديدة. لكن عندما سعت في الأسبوع الماضي إلى حشد الضغوط الدولية من خلال دعوة مجلس الأمن إلى استصدار قرار يطالب الحكام العسكريين في بورما بالإفراج عن المعتقلين السياسيين والانفتاح على الإصلاح الديمقراطي قوبلت الخطوة بمعارضة الصين وروسيا. ورغم محاولة الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى الدفاع عن توسيع ما تعتبره حقوقاً عالمية للإنسان، إلا أن هناك قوى أخرى تجر في الاتجاه المعاكس مثل الصين وروسيا اللتين تعتقدان أن ذلك من شأنه تهديد سيادة الدول.

بروز هذا التوجه المناهض للديمقراطية على الساحة العالمية ليس سوى مظهر واحد مما تسميه منظمة "فريدوم هاوس"، التي تتخذ من واشنطن مقراً لها وتُعنى بالدفاع عن الحقوق السياسية والحريات المدنية، "ركود الحريات". ففي تقريرها المعنون "حرية العالم في 2007" المتوقع صدوره قريباً، أشارت المنظمة إلى أن حالة الحرية في العالم لم تتسم بتقدم طفيف فحسب خلال السنة الماضية، بل ظلت على ما هي عليه دون تطور طيلة عقد من الزمن تقريباً، معتبرة أن أقل بقليل من نصف دول العالم هي التي تتمتع بالحرية. وفي هذا الإطار يقول "آرش بادينجتون"، نائب الرئيس المكلف بالأبحاث في "فريدوم هاوس": "إذا نظرنا إلى العالم خلال الفترة الممتدة من السبعينيات إلى غاية 1998، فإننا سنلاحظ تقدماً ملحوظاً للديمقراطية في السنوات الأولى بعدما اتجهت أعداد متزايدة من الدول إلى تنظيم الانتخابات، وما أسفرت عنه من تغييرات مهمة في الإدارة واستفادة المواطنين من الحريات المدنية، لكن انطلاقاً من 1998 بدأ ذلك المسار في الركود، مع تقدم هنا وتراجع هناك، لكن دون إحراز تطور حقيقي على المستوى الإجمالي".

ويمكن رصد أحد أهم العوامل المهمة التي تسبب هذا الركود في مجال الحريات والديمقراطية في ممارسة بعض الدول لأساليب ملتوية للحد من الحريات بدل لجوئها إلى الاعتقالات الواسعة، أو ممارسة التعذيب كما كانت تمارسه الديكتاتوريات البائدة. والأهم من ذلك أن تلك الدول تجد لها دعماً من قبل بلدان مجاورة تضيِّق هي الأخرى على الحريات مثل الصين وروسيا وفنزويلا. ويوضح هذا الأمر "آرش بادينجتون" قائلاً: "لقد بذلت روسيا قصارى جهدها لدعم الأنظمة القمعية، في المنطقة وعارضت جميع الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة وباقي الهيئات الدولية في محاولتها للتنديد بتلك الأنظمة، أو فرض عقوبات عليها لما أظهرته من انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان". وفي الحالة الأخرى للدول التي تمارس نفوذاً قوياً في منطقتها وتعيق التقدم الديمقراطي تبرز فنزويلا كإحدى أهم تلك البلدان في العالم.

فقد أعلن الرئيس "هوجو شافيز" مؤخراً عن خطط لإنشاء حزب اشتراكي واحد بعد ضم الأحزاب "اليسارية" الأخرى في البلاد بهدف تعزيز سلطته، كما رفض تجديد الترخيص لمحطات تلفزيونية معروفة بمواقفها المعارضة لسياسته. وعن الحالة الفنزويلية علق "بيتر حكيم"، رئيس "مؤسسة الحوار الأميركي" في واشنطن قائلاً: "لاشك أنه بالكاد نستطيع وصف فنزويلا بأنها بلد ديمقراطي، إننا نشهد في عهد شافيز استحواذاً متزايداً على السلطة، بينما تتعرض المؤسسات للإضعاف إلى درجة لم يعد هناك نسق للديمقراطية". ويضيف "حكيم" أنه بينما تلاقي سياسته مقاومة شديدة في بعض دول أميركا اللاتينية، فإنها تجتذب أيضاً العديد من المتعاطفين. وقد تفاجأ "بيتر حكيم" عندما وجد تعاطفاً مع شافيز في بلد مثل تشيلي التي كانت إلى فترة قريبة نموذجاً للديمقراطية والنجاح الاقتصادي في المنطقة. ويرجع "حكيم" شعبية شافيز في أميركا اللاتينية إلى عاملين، يتمثل الأول في إدراك الرأي العام أن ثروات بلدانه باتت تحت سيطرة نخبة محدودة، ويتمثل العامل الثاني في تحدي شافيز للولايات المتحدة في منطقة تسود فيها الأفكار المناوئة لأميركا.

هذا العامل الأخير هو ما يتوجب على وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التعامل معه خلال زيارتها الأخيرة إلى الشرق الأوسط. فقد حلت "رايس" بالمنطقة قصد حشد التأييد لخطة الرئيس بوش في العراق، ولإطلاق عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، لكنها تواجه صعوبة إقناع الأنظمة العربية بالتعاون مع أميركا عقب حربها في العراق وتنامي المشاعر الشعبية المناهضة للسياسات الأميركية في المنطقة. ولعل هذا هو ما دفع "رايس" إلى السكوت عن الديمقراطية خلال زيارتها للقاهرة في الأسبوع الفائت، إذ رغم ما يثار عن تضييق الخناق على المعارضة السياسية وبعض الهيئات الصحافية في مصر، امتنعت الولايات المتحدة عن توجيه الانتقادات للحكومة المصرية في هذه المرحلة. هذا ولم تقتصر ملاحظات تقرير "فريدوم هاوس" على الدول النامية، بل انتقدت أيضاً الولايات المتحدة لاستمرارها في إدارة معتقل "جوانتانامو" سيئ السمعة.

*عضو هيئة تحرير "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-18-1-2007