تعديل دستوري أم عقد اجتماعي جديد في مصر؟

 

 

السيد يسين

 

في مصر هناك سؤال رئيسي ينبغي طرحه الآن: هل نحن في حاجة إلى تعديل لبعض مواد الدستور القائم، أم نحن في حاجة أولاً للاتفاق على عقد اجتماعي جديد؟

لقد قرأت خطاب الرئيس الموجَّه لمجلس الشعب والشورى بشأن تعديل عدد من مواد دستور 1971، وأصدر الحزب الوطني الديمقراطي بياناً بشأن التعديلات الدستورية، وقرر أنها تسعى إلى تحقيق ثمانية أهداف رئيسية. وهذه الأهداف هي تعزيز مبدأ المواطنة، وتقوية دور البرلمان، وتقوية دور الأحزاب، وتطوير نظام الإشراف على الانتخابات، والتوسع في اختصاصات مجلس الوزراء، ووضع ضوابط على سلطات رئيس الجمهورية، وتعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الإرهاب، وحماية أمن المواطن، وأخيراً تحقيق التلازم بين نصوص الدستور والأوضاع الاقتصادية والسياسية المعاصرة.

ومن بين كل هذه التعديلات المقترحة أرى أن أهم تعديل مقترح على الإطلاق هو تعديل المادة الأولى من الدستور، والتي كانت تقرر: "جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة. والشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة".

وقرر الحزب الوطني في بيانه أن هذا التعديل بالذات يستهدف تحقيق التلازم بين نصوص الدستور والأوضاع الاقتصادية والسياسية المعاصرة، بحيث لا يفرض الدستور على المجتمع نظاماً اقتصادياً معيناً لا يمكن تعديله إلا بتعديل الدستور، وهو ما يتيح مرونة في تبني السياسات الاقتصادية الملائمة وبما يخدم تطور عملية التنمية. ويرتبط أيضاً بتحقيق التلازم بين نصوص الدستور والأوضاع المعاصرة تعديل المادة الأولى من الدستور، كي تؤكد على مبدأ المواطنة بديلاً عن تحالف قوى الشعب العاملة.

والسؤال الآن: لماذا نفرد تعديل المادة الأولى باعتباره أهم التعديلات المطلوبة قاطبة؟ والإجابة لأن المادة الأولى في الواقع -وبغض النظر عن تحديدها للاشتراكية كنظام اقتصادي تتبناه الدولة- هي التي كانت تحدد طبيعة الواجبات الملقاة على الدولة ونوعية الحقوق للمواطنين.

ذلك أنه في ظل هذه المادة قامت الدولة في مصر بأداء وظائفها التنموية الأساسية من خلال خطة اقتصادية شاملة، أقامت المصانع، والتزمت بمجانية التعليم والرعاية الصحية للمواطنين، وتعهدت بتشغيل خريجي الجامعات، وضمنت للعاملين معاشات ملائمة حين تنتهي خدمتهم. وبعبارة أخرى فهذه المادة كانت تتضمن المفهوم المحوري الذي يحدد طبيعة واجبات الدولة ونوعية حقوق المواطنين. وهى بذلك كانت تشير إلى الملامح الرئيسية للعقد الاجتماعي الذي أبرمته الدولة مع المواطنين حين أصدرت الدستور.

وبالرغم من أن الدولة في عهد الرئيس أنور السادات أبطلت العمل ببعض نصوص هذا العقد الاجتماعي بغير إعلان، من خلال التحول السياسي الجذري من الحزب الواحد إلى تعددية الأحزاب، ومن النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالي، إلا أنه يمكن القول إن التطورات السياسية والاقتصادية في ظل التحول الرأسمالي الراهن في مصر قد ألغى هذا العقد الاجتماعي نهائياً وأبطل نصوصه.

ومن هنا فإن المهمة الأولى التي ينبغي على "الحزب الوطني الديمقراطي" باعتباره حزب الأغلبية أن يتصدى لها، ليست هي اقتراح تعديلات دستورية جزئية هنا وهناك مهما تكن أهميتها، ولكن طرح عقد اجتماعي جديد يبرم بين الدولة والمواطنين، ويشارك المجتمع كله في مناقشته قبل إقراره، من خلال الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، واتحادات المثقفين والجامعات ومراكز الأبحاث، والنقابات المهنية والعمالية.

والواقع أن الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد أصبحت حاجة عالمية بعد نهاية الحرب الباردة، وهبوط المكانة الإيديولوجية للماركسية والاشتراكية، وبروز العولمة باعتبارها العملية التاريخية التي تهيمن في الوقت الراهن على المجتمع العالمي، وتؤثر على كافة المجتمعات الإنسانية في ظل مبدئها الأساسي وهو الحرية المطلقة للسوق في ظل مبادئ الليبرالية الجديدة.

وقد أدت التغيرات الجسيمة التي لحقت ببنية المجتمع العالمي إلى الانتقاص من قوة مبدأ سيادة الدولة، واستقالة الدولة من أداء عديد من وظائفها التنموية، وانسحابها التدريجي من مجال الخدمات الصحية والاجتماعية، وخصخصة المشاريع العامة، وعدم التزامها بالتشغيل.

ومن هنا أجمعت عديد من المؤتمرات والندوات العالمية وفي مقدمتها مؤتمر حوارات القرن الحادي والعشرين الذي نظمته هيئة اليونسكو منذ سنوات، على أهمية صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين. وتبدو أهمية صياغة هذا العقد الاجتماعي بالنسبة لبلد مثل مصر لأن الدولة تخلت نهائياً عن الخطة، وأفسحت المجال للعقد لكي يكون هو الآلية الرئيسية التي تنظم العلاقات بين الدولة والمواطنين، وبين المواطنين أنفسهم.

ولو رجعنا للتاريخ التشريعي لمصر منذ عصر "محمد علي" حتى الآن، لاكتشفنا أن "محمد علي" هو الذي قام بالنقلة الكيفية من نظام قانوني يقوم على المكانة ونعني مكانة بعض الفئات والطبقات الاجتماعية، إلى نظام يقوم على العقد، على أساس أن الحقوق والالتزامات تتخذ بحسب الرضا والقبول. وتم تدعيم نظام التقاضي من خلال تحديث نظام المحاكم وإصدار التشريعات التي تنص على حقوق الأفراد بشكل محدد.

ثم جاءت ثورة يوليو 1952، التي أحدثت في العهد الناصري تغييراً جوهرياً في النظام القانوني. ولعل أهم تطور حدث هو أن العقد ليس هو أساس الالتزامات والحقوق، ولكن الخطة التي تضعها الحكومة وتنفذها الهيئات التابعة لها، والقطاع العام له الأولوية. وليس معنى ذلك اختفاء العقد من الحياة القانونية، ولكننا نتحدث عن السمة الغالبة في حقبة ما.

وبعد ذلك جاءت في عصر الرئيس السادات مرحلة الانفتاح التي أدت عملياً إلى إلغاء أو إبطال مفعول عديد من السياسات الناصرية. لأن سياسة الانفتاح كانت تهدف إلى جذب رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا الغربية، وإحياء القطاع الخاص المصري، وتحرير الاقتصاد من خلال رفع الضوابط الحكومية المتعددة عليه، وترشيد القطاع العام. واستدعى تحقيق هذه الأهداف تغييراً عميقاً في جماع النظام القانوني المصري، يمكن تلخيصه في عبارة واحدة هي "العودة من الخطة إلى العقد مرة ثانية".

وتشهد على هذه الحقيقة عدة مؤشرات أساسية، لعل أهمها تخلي الدولة عن سياسة تشغيل الخريجين، مما أدى إلى بطالة واسعة بين الشباب، وتطبيق برنامج شامل للخصخصة تم بموجبه بيع عديد من مشروعات القطاع العام للقطاع الخاص، مما أدى إلى فصل العمال أو إحالتهم إلى المعاش المبكر.

ولعل أهم هذه المؤشرات تخلي الدولة عن "الخطة" وترك أمور التنمية بالكامل تقريباً للقطاع الخاص. وربما كان إلغاء وزارة التخطيط مؤخراً مؤشراً رسمياً على نهاية عصر التخطيط في مصر. ومما يؤكد استمرار هذا الاتجاه مشروع القانون الذي يعد الآن لتولي الوظائف العامة في مصر، والذي سيكون على أساس العقد المؤقت الذي يمكن إلغاؤه في أي وقت، وكذلك مشروع القانون الخاص بالجامعات والذي سيجعل التعيين في الوظائف الجامعية من أول المعيد إلى الأستاذ يقوم أيضاً على أساس عقود مؤقتة. وخلاصة الموضوع أننا في الواقع بصدد انقلاب شامل في نظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ألا يدعو ذلك إلى طرح فكرة العقد الاجتماعي الجديد، بدلاً من طرح مجموعة من التعديلات الدستورية الجزئية؟

علينا أن نبدأ بالأصل بدلاً من أن ننشغل بالفروع! ويلفت النظر أن الجدل الدائر حول أهمية صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين تتم في كل البلاد وبغض النظر عن مدى تقدمها الاقتصادي. بل إن التقدم الاقتصادي ذاته الذي يقوم -في ظل منظمة التجارة العالمية- على فتح المجال واسعاً وعريضاً أمام حرية التجارة بلا قيود ولا سدود هو الذي يدفع دفعاً إلى ضرورة مناقشة هذا العقد الاجتماعي.

لقد تغيرت في ظل العولمة طبيعة التزامات الدولة إزاء مواطنيها، وأصبح المواطنون -في ظل استقالة الدولة من أداء العديد من وظائفها التقليدية- في العراء إن صح التعبير.

سادت البطالة عديداً من المجتمعات، وألغيت عديد من التشريعات التي كانت ترعى فئة العاطلين عن العمل. بل إن هناك دعوات تذهب إلى أن عصر التشغيل الكامل قد انتهى إلى غير رجعة، تحت شعار "نهاية العمل" الذي بشر به الاقتصادي الأميركي "ريفكن" في الكتاب الذي أصدره بنفس العنوان وأحدث دوياً عالمياً.

كل هذه التحولات تدعو كافة الدول إلى طرح فكرة العقد الاجتماعي الجديد حتى تتضح مسؤوليات الدولة وحقوق المواطنين في عصر العولمة المتوحشة‍!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-18-1-2007