أوتوقراطية بوتين والتعطش الروسي للديمقراطية

 

توماس فريدمان

 

ربما أضحى مستحيلاً، من الآن فصاعداً، نعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالديمقراطية، نظراً إلى تحييده لبرلمان بلاده، ولسياسة القبضة الحديدية إزاء الجزء الغالب من الصحافة الروسية، إلى جانب ليِّه ذراع الجهاز القضائي، وهيمنته على معظم الشركات الوطنية العاملة في حقل الطاقة. لكن من البديهي أيضاً أن يتعطش الكثير من المواطنين الروس، إلى قائد سياسي قوي، وإلى اقتصاد مستقر تنتشر فيه المحال التجارية المكتظة بالسلع والمنتجات الغربية، ما أن تتحدث إليهم عن تلك الطعنة المثبطة للهمم، والتي سددها الرئيس السابق بوريس يلتسين إلى الديمقراطية إثر انهيار الاتحاد السوفييتي. وبسبب ذلك التعطش إلى الديمقراطية، فهناك ما يبرر الشعبية التي لا يزال يحظى بها بوتين. ومن ناحية ثالثة، فربما كانت روسيا اليوم، مرتعاً جنونياً للقياصرة الرأسماليين الجدد، وللمجرمين من كل صنف ولون، وكذلك للوطنيين والمتطلعين للديمقراطية، إلا أنها ليست من الاتحاد السوفييتي الشمولي السابق في شيء. بل إن فيها الكثير من شمولية فرنسا ديجول في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بقدر ما فيها من فساد وفوضى إيطاليا خلال ذلك العهد أيضاً، حين خرجت كلتا الدولتين من أتون الحرب العالمية الثانية، وهما أقل من أن توصفا بالديمقراطية الحقة. غير أنه وبعد مضي نحو 60 عاماً على الحرب، أسهمت كل من فرنسا وإيطاليا في إرساء جذور الديمقراطية الغربية الأوروبية، بفضل ما حققتاه من نمو هائل في دخول مواطنيهما. ورغم كل النقائص والهنات التي صحبتهما في مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن حكومتيهما تمكنتا من توفير السياق العام لإنضاج التحول الديمقراطي الحق، وهو سياق قد يتأتى في فترة تتراوح بين 9 أشهر و21 عاماً، أي ببروز جيل جديد يشب منذ صغره على قيم السوق والسياسات الحرة الطليقة.

ولا يزال يحدوني أمل قوي في أن تسلك روسيا الدرب ذاته، رغم ما يتطلبه ذلك من وقت. أما من الناحية التاريخية، فإن تحولاً كهذا سيكون خاطفاً وسريعاً، على حد قول "بوريس ماكارينكو"، نائب رئيس "مركز التقنيات السياسية"... لذلك فـ"المشكلة أن عمري الآن 47 عاماً، وأن حياتي كلها أصبحت على عجلة من أمرها. ومع ذلك فإنني جد متفائل بمستقبل ابنتي البالغة من العمر 15 عاماً، خاصة وأنا أرى كيف يشب أبناء وبنات الطبقة الوسطى العادية هنا. إذن فالمسألة كلها تتعلق بالكيفية والمدى الذي نبلغ به نقطة التحول تلك. وهذا هو ما أجهله، على أننا يقيناً سنبلغها، ولكن ربما ليس بما يكفي من السرعة التي تمكنني من الحضور".

وإلى ذلك أضافت "روز جوتيمويلر"، مديرة مكتب "مؤسسة كارنيجي الوقفية" بموسكو قائلة: "إن تجربة يلتسين الديمقراطية قد ولت بسبب نزع الشرعية عنها إثر انهيار الروبل عام 1998، ولكونها كانت فترة ساد فيها فساد وهيمنة الأوليجاركية. ولكن لا يعني ذلك وصول التجربة الديمقراطية الروسية إلى منتهاها... إذا ما أخذنا في الاعتبار، كم هي متغيرة روسيا عبر الحقب والقرون". وقالت لي "جوتيمويلر" الأميركية الجنسية، إنها زارت ضاحية "أوليانوفسكي" (مسقط رأس فلاديمير لينين) منذ وقت قريب، وإنها خرجت هناك لتناول العشاء مع ثلاثة أزواج روس، كانوا جميعهم من المستثمرين الشباب. "وبعد أن أغدقوا عليَّ من الشراب والطعام، وجهوا إلي سؤالاً واحداً كان يدور بخلدهم: ما هو تعريفك للطبقة الوسطى؟ وبدوا على درجة من الشغف بمعرفة ما تعنيه الطبقة الوسطى في أميركا. وقد عنى لهم الكثير كونهم جزءاً من طبقة اجتماعية وسطى واسعة". وأضافت "جوتيمويلر" قائلة: "رغم أن هؤلاء لم يكونوا من حملة اللافتات الاحتجاجية والمتظاهرين في الشوارع العامة، إلا أن تطلعاتهم كانت كبيرة وتصب في الاتجاه الصحيح". والشاهد أن الذين يصنفون أنفسهم على أنهم من الطبقة الوسطى، غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى خوض المعارك المطالبة بالحقوق المدنية والقانونية، حرصاً منهم على حماية مكاسبهم. وقد يحدث ذلك دون وعي منهم في بعض الأحيان.

وبذلك نصل إلى استنتاجنا القائل برجوح اعتماد التحول الديمقراطي في روسيا على ثلاثة عوامل رئيسية. أولها ما إذا كانت هذه الطبقة الوسطى النامية، على درجة من الانشغال والاهتمام بمكاسبها المادية فحسب. وفي هذا لاحظت "جوتيمويلر" أن ذلك هو الحد الذي يفصل بين هذه الطبقة والسياسة. وبفضل استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، فقد فاقت أجهزة الهاتف النقال في روسيا، عدد المواطنين. ثم هناك العامل الثاني، المتمثل في "مارد القومية الروسية"، وهو مارد لا يستبعد له أن يخرج من قمقمه في أي لحظة، فيعرقل مسيرة التحول الديمقراطي. وها هي مظاهرة نظمتها "حركة مكافحة الهجرة غير الشرعية" في شارع الفندق الذي أقيم فيه، وقد نددت شعاراتها باليهود والمهاجرين إجمالاً! أما العامل الثالث والأخير، فهو أسعار النفط والغاز الطبيعي. ذلك أنه أضحى في وسع كل مراقب لمجريات الأحداث هنا في روسيا، أن يلحظ التلازم العكسي ما بين أسعار النفط والغاز، ومدى اتساع أو ضيق الحريات فيها. فما أن تنخفض أسعار النفط حتى يتسع مدى الحريات والديمقراطية، إذ يتعين على روسيا أن تنفتح أمام العالم الخارجي، وأن تمكن مواطنيها من المضي قدماً. ويضيق هذا المدى طرداً، مع ارتفاع أسعار النفط، إذ سرعان ما تبطئ خطى الإصلاح على حد قول "فلاديمير ريزكوف"، عضو مجلس "الدوما" الروسي. ولذلك فعلى أميركا أن تعمل على خفض أسعار النفط العالمي.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" -10-2-2007