الديمقراطية المعيبة.. الحالة المصرية نموذجاً

 

خليل العناني

 

منذ بدء عقد الثمانينيات وحتي مطلع التسعينيات من القرن المنصرم ارتفع عدد الديمقراطيات في العالم كي يصل إلي ما يقرب من 120 دولة من أصل 192 مثلت مجموع دول العالم، أي بنسبة 2. 62 %، وذلك مقارنة بنحو 39 دولة من أصل 145 دولة عام ،1974 أي بنسبة لم تتجاوز أربعين بالمائة، وقد عرفت هذه الزيادة فيما بعد بـ (الموجة الثالثة للديمقراطية). بيد أنه منذ منتصف التسعينيات تباطأت هذه الموجة،ولم ينضو تحتها حتي عام 1996 سوي دولتين فقط هما (أوكرانيا والنيجر). وقد تراوحت أشكال النظم المتبقية ما بين شمولية علي غرار نموذج(ستالين) في الاتحاد السوفيتي السابق، ونازية علي غرار النموذج (الألماني) في عهد هتلر قبل الحرب العالمية الثانية.

وقد اختلفت درجة التحول الديمقراطي من بلد إلي آخر وفقاً لظروف وتقاليد كل بلد، في حين ظلت بعض الدول تراوح مكانها بين الديمقراطية والاتوقراطية فيما عرف بالديمقراطيات (الرمادية) تلك التي لم تتحول كاملة باتجاه الديمقراطية، كما أنها لم تتلخص من جميع صفات الأوتوقراطية. وذلك إلي أن ظهر مصطلح (الديمقراطية المعيبة)، أو (الناقصة)، تلك التي يقف فيها بلد ما علي أعتاب الديمقراطية، بيد أن عوامل بنيوية ونخبوية تحول دون إتمام هذا التحول.

وتتلخص أهم مؤشرات هذا النوع من الديمقراطيات "المعيبة" في ست رئيسية هي: ضعف المنافسة السياسية، وانعدام الاهتمام بالحريات المدنية والسياسية، وشخصنة المناصب السياسية، وممارسة السلطة دون رقابة مؤسسية، وعدم "تسييس" العامة، واعتقاد النخبة الحاكمة بأن مهمتها الأساسية هي "إنقاذ الشعب".

وعطفاً علي هذه السمات، تنقسم الديمقراطيات "المعيبة" إلي أربعة أنواع رئيسية، يتمثل أولها في الديمقراطية "المقيدة" وهي التي لا تتيح التمتع بالحريات المدنية لكافة فئات المجتمع، ولكنها تسمح بصيانة حقوقهم الانتخابية وتمثيلهم السياسي داخل المجالس المنتخبة، وذلك علي غرار البرازيل وجواتيمالا ولاتفيا وتايلاند طيلة الثمانينيات من القرن الماضي.

أما النوع الثاني فيطلق عليه الديمقراطية "المهيمنة" وهي التي تنجح فيه إحدي القوي المؤثرة في اللعبة السياسية، كالجيش أو رجال العصابات، أو أمراء الحرب، من فرض هيمنتها علي بقية الأطراف، والسطو علي الحكومة المنتخبة. وذلك علي غرار ما حدث في بعض بلدان أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا أوائل الثمانينيات.

والنوع الثالث هو "الديمقراطية غير الليبرالية" وهي التي يجري فيها تغيير إرادة الناخبين عبر انتخابات صورية، وانتهاك حقوقهم من خلال التحكم في الأدوات الدستورية، ولا وجود لمبدأ "حكم القانون"، فضلاً عن دخول المنافسين المحتملين في صفقات سياسية مع النظام القائم بهدف الحصول علي نصيب من المزايا السياسية، قد لا تتوافر في ظروف طبيعية، وتتمثل نقطة الضعف الوحيدة في هذا النوع في قوة السلطة القضائية وقدرتها علي منازعة النخبة الحاكمة سلطانها، ومن أمثلها السلفادور والمكسيك ونيكاراجوا وبنما وباراجواي وأورجواي وبيرو أواخر الثمانينيات.

أما النوع الأخير فيعرف بـ "الديمقراطية التفاوضية" وهي التي تمتلك فيها السلطتين التشريعية والقضائية سلطات ضئيلة لمراقبة السلطة التنفيذية، ونادراً ما تتواءم أفعال هذه الأخيرة مع القواعد والأصول الدستورية، ومن أمثلتها الأرجنتين وكوريا الجنوبية أواخر الثمانينيات.

في عام 2001 وصل عدد الدول التي يمكن أن نطلق عليها "ديمقراطيات معيبة" إلي نحو 5.72 من نحو 40 دولة تحولت حديثاً إلي الديمقراطية، وتركزت معظم هذه النسبة في منطقة أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا. في حين أن الارتداد إلي الأوتوقراطية حدث في ثلاث دول فقط هي "بيرو 1997 ـ 2000 "، وباكستان وبيلاروسيا.

ولعل أخطر ما في ظاهرة " الديمقراطية المعيبة " أنها لا تعبر عن حالة " انتقالية " باتجاه الديمقراطية الكاملة أو "الديمقراطية الليبرالية"، حيث تؤسس نفسها كما لو كانت حالاً " طبيعية " قد تستمر عقوداً، وتقيم نماذجها في الحكم كما لو كانت تنعم بخصائص الديمقراطية الأصيلة. والأخطر من ذلك هو اعتقاد جميع الأطراف بما فيهم الشعب بأن هذا النمط من الديمقراطية هو الخيار الأمثل، وذلك مقارنة بالحال الاستبدادية التي كان عليها المجتمع من قبل.

ويبقي السؤال: تحت أي من هذه النماذج الأربعة يمكن أن تقع الحالة المصرية؟ ومرد السؤال أن ثمة " تحولاً " تشهده حالياً الساحة السياسية المصرية، يسعي البعض إلي تصويره كما لو كان تحولاً باتجاه الديمقراطية الحقيقية، في حين أن النماذج السابقة تؤشر علي خطأ مثل هذا الافتراض.

فعلي مدار العامين الماضيين شهدت مصر قدراً محدوداً من الانفتاح السياسي، ترتب عليه الانتقال من حال »السكون« إلي وضعية الحركة " المقيدة " سياسياً، في حين أدت خبرة هذين العامين إلي رفع سقف التوقعات الشعبية والنخبوية بإمكانية حدوث " انفراجة " واسعة باتجاه تعزيز حكم القانون وإطلاق الحريات المدنية والسياسية، ودعم المشاركة السياسية من كافة أطراف المجتمع.

وقد جاء إعلان الرئيس مبارك في السادس والعشرين من ديسمبر الماضي عن تعديل 34 مادة من الدستور المصري، كي يحسم الجدل حول مسألة تعديل الدستور ما بين تغيير شامل طالبت به بعض التيارات الحزبية والفكرية، وما بين تغيير جزئي روج له أنصار الحزب الحاكم، بيد أنه أثار في نفس الوقت العديد من التساؤلات حول كنه هذه التعديلات والهدف من إقرارها.

ويمكن تقسيم المواد المطلوب تعديلها إلي ثلاثة أقسام رئيسية :

أولها شكلي، ويتعلق بتجسير الفجوة بين نصوص الدستور وشكل الدولة المصرية وهي المواد التي تركز علي الوظيفة الاقتصادية للدولة ونظامها الاجتماعي، وتمثل اثنتي عشر مادة أي ثلث المواد المطلوب تعديلها. وهي المواد: (1 و4 و12 الفقرة الأولي و24 و30 و33 37، و56 الفقرة الثانية و59 و73 و179 و180 الفقرة الأولي).

وثانيها: موضوعي، ويدور حول إعادة صياغة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعة وتختص به ثماني مواد وتختص به ثماني مواد هي (94 و115 و118 و127 و133 و136 فقرة أولي و194 و195 و205).

وثالثها: يهدف إلي تقوية وضع النخبة الحاكمة، وتحصين موقفها المستقبلي، ويختص بذلك أربعة عشرة مادة، أي ما يقترب من نصف من المواد المطروحة للتعديل، وهو المواد (5 و62 و94 و74 و76 الفقرتان الثالثة والرابعة و82 و84 و85 و88 و138 و141 و161 و173 و179).

وثمة ملاحظات علي هذا التعديل الدستوري يمكن أن تجيب عن التساؤل المطروح أعلاه، أولاها، أن التعديلات المطروحة لم تأت ثمرة لحوار مفتوح بين القوي السياسية المختلفة، وإنما جاء تعبيراً عن رؤية طرف واحد هو الحزب الحاكم، ما ينفي عنها أية صفة »ديمقراطية«، ويجردها من أية صياغة موضوعية.

ثانيتهما: إن معظم التعديلات لا تدل علي إمكانية حدوث تغيير حقيقي في شكل نظام الحكم، بل علي العكس تعد تكريساً للنظام القائم بصيغته الرئاسية " النقية "، ذلك أن إعطاء العديد من صلاحيات رئيس الجمهورية لرئيس الوزراء، وذلك في حال خلو منصب رئيس الجمهورية، ينطوي علي تمكين السلطة التنفيذية من بقية السلطات كافة، وإحكام القبضة علي جميع منافذ الحياة السياسية، وهو تعديل يفترض إما سذاجة أطراف اللعبة السياسية، أو الاستخفاف بفكرة توازن السلطات، فضلاً عن تجاهل الأطراف المؤثرة في معادلة الحكم.

ثالثتها: إن التعديلات وإن كانت تستهدف نظرياً تقوية الأحزاب السياسية، وذلك علي حد الحديث المتكرر لقادة الحزب الوطني، إلا أنها تصيب الحياة السياسية بالشلل، ذلك أنه تقيد حقوق الأفراد المستقلين في ممارسة حقوقهم السياسية التي ينص عليها الدستور، وإذا كان الهدف من مثل هذا التعديل هو منع جماعة " الإخوان المسلمين " من خوض أي منافسة سياسية لاحقة، إلا أنه يعد عقاباً جماعياً للمجتمع، كما أنه ينتهك حق أعضاء الجماعة في التصرف كمواطنين مستقلين.

رابعتها: إن العديلات تقوض الدور الذي يمكن أن تقوم به السلطة القضائية كحائط فصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ذلك أن المس بالمادة 88 الخاصة بالإشراف القضائي علي الانتخابات، إنما يعبر عن نية مبيتة لضمان عدم نزاهة العملية الانتخابية. أي تسييس »القضاء«، وهي الحجة التي سبق وأن تذرع بها البعض لمنع القضاة من المطالبة بحقوقهم الدستورية.

خامستها: إن هذه التعديلات لم تقترب من المواد " المفصلية " في الدستور، ومنها المادة 77 الخاصة بتحديد مدة الرئاسة، والمواد الخمس وثلاثون المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية، والمادة 93 الخاصة بالفصل في عضوية مجلس الشعب. ناهيك عن حزمة القوانين سيئة السمعة المختصة بمباشرة الحقوق السياسية وإصدار الأحزاب وحرية الصحافة واستقلال القضاء.

وأخيراً، فإن النظر لهذه التعديلات بصفتها منحة أو »هبة« من الحاكم، إنما ينطوي علي افتقار أي رغبة حقيقية للإصلاح السياسي، وهو ما يفقد التعديلات زخمها ويجعلها مجرد محاولة لتجميل الوجه، والقفز فوق استحقاقات الإصلاح الحقيقي.

وعطفاً علي ما تقدم يمكن القول بأن الحالة المصرية هي أقرب للحالة الثالثة وهي " الديمقراطية غير الليبرالية "، حيث تنطبق عليها معظم الصفات التي سبق الإشارة إليها، وأولاها أن التدعيلات الدستورية جاءت عبر " حياكة " خبيثة لمواد الدستور بهدف تحديد شكل النظام السياسي المقبل. وثانيتها: أن ثمة »صفقة« يجري التجهيز لها بين بعض أحزاب المعارضة الرئيسية والحزب الحاكم، ويكفي هنا اختبار ردود أفعال هذه الأحزاب علي التعديلات، وثالثتها: أن ثمة تحولات في مواقف بعض القوي المستقلة، ومحاولة الاستفادة من العلاقة المتوترة بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، عبر التصعيد ضد هذه الأخيرة، ويكفي هنا متابعة التصريحات غير المسبوقة التي أدلي بها الرئيس مبارك لجريدة الأسبوع، ورابعتها: أن الفئة الوحيدة التي لم تستسلم حتي الآن لضغوط النظام هي القضاة.

من جهة أخري فإن ثمة مفارقات شهدتها الحياة السياسية المصرية خلال الأسابيع القليلة الماضية، تتنافي تماماً مع جوهر التعديل الدستوري، منها علي سبيل المثال رفض السماح لنحو 12 حزباً بممارسة النشاط السياسي، علماً بأن بعضها دخل عامه الحادي عشر وهو حزب الوسط " الجديد ". ومنها أيضاً شن حملة " ممنهجة " علي جماعة الإخوان المسلمين التي تحظي بالشرعية داخل مجلس الشعب وتحتل 20% من مقاعده. كذلك الخوف من إطلاق حرية الصحافة. ورفض الترخيص لبعض الصحف التي قد تعبر عن رؤي مغايرة للوضع القائم، وذلك كما هو الحال مع صحيفة " البديل " التي يقودها مجموعة من ذوي التوجهات اليسارية المتميزة.

وخلاصة ما سبق فإن مصر تبدو الآن واقعة بين تيارين: إحداهما يهدف إعادة قولبة المعادلات السياسية بهدف إحكام قبضته علي الدولة والمجتمع بأساليب جديدة، ويمثل الحزب الوطني دفته الرئيسية.

وثانيهما: يسعي إلي كسر احتكار اللاعبين التقليديين لقواعد اللعبة من حزب حاكم وأحزاب متهالكة، بهدف الحصول علي جزء من الكعكة وإن كان بسيطاً، وتمثل جماعة الإخوان المسلمين حاضنته. وبينهما تيار عريض ينتظر انتهاء الصراع بين الطرفين كي يحسم موقفه، ويحدد إلي أيهما قد ينحاز.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الوفد المصرية -15-1-2007