الدولة العربية في مفترق الطرق

 

السيد يسين

 

ندرك تماماً أنه لا يجوز تعميم الحديث عن الدولة العربية المعاصرة، نظراً للتباين الشديد في طبيعة النظم السياسية السائدة فيها، والاختلافات في رؤى النخب السياسية الحاكمة، وللفروق الجسيمة في عدد السكان، وللتنوع الشديد في المِلل والأعراق.

وبالرغم من ذلك كله فإن هناك عوامل أساسية تدعو إلى التعميم على الدولة العربية المعاصرة. ولعل أهمها جميعاً سيادة العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذه العولمة التي هي العملية التاريخية الكبرى التي غيرت من طبيعة المجتمع العالمي وأصبحت لها آثار نافذة اخترقت الحدود، ووصلت إلى قلب كل دولة في العالم متقدمة كانت أم نامية.

والتجليات السياسية للعولمة أبرزها ثلاثة: الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان. وأصبحت كل دولة -بما فيها الدولة العربية المعاصرة- مطالبة بالتحول إلى الديمقراطية حتى لو كان نظامها السياسي شمولياً أو سلطوياً. وهذا التحول يتم الآن في العالم العربي تحت عنوان التحول الديمقراطي بدرجات متفاوتة من السرعة والبطء، وبدرجات مختلفة من الفاعلية والإنجاز، في ضوء مقاومة واضحة للنخب السياسية العربية الحاكمة للإصلاح، بعد أن تعودت على الحكم المطلق.

وهذا التحول الديمقراطي يتم بتأثير ضغوط خارجية هائلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والمجتمع المدني العالمي، وأيضاً نتيجة المطالب المشروعة التي ترفعها جماهير كل دولة عربية بدون استثناء، سعياً وراء الخلاص من ظواهر الانفراد بالسلطة، والاستئثار بالثروة والقهر السياسي، والظلم الاجتماعي.

وقد سبق لنا في المقال الماضي أن أشرنا بإيجاز شديد إلى المعادلات العشر التي يقترحها المفكر اللبناني المعروف الدكتور غسان سلامة، لتكون أساساً لعقد عربي جديد.

ولعل نقطة البداية تتمثل في ضرورة أن تتخذ الدولة العربية المعاصرة قراراً استراتيجياً لا رجعة فيه بضرورة الانتقال من الأوضاع الشمولية والسلطوية إلى الآفاق الديمقراطية. ويتطلب ذلك أولاً وجود دستور يحدد العلاقة بين الدولة والمواطنين، ويؤكد على الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، في ضوء التزام دقيق بمبدأ سيادة القانون والذي يقتضي بالضرورة تأسيس نظام قضائي حديث متعدد المراحل، يكفل حق التقاضي لكل مواطن أياً كان دينه أو جنسه، ولا ننسى في هذا المقام أن هناك دولاً عربية ليس فيها دستور حتى الآن. غير أن وجود الدستور وإن كان شرطاً أساسياً لأي دولة حديثة، إلا أنه لا يكفي بذاته، بل لابد من مراجعة الدساتير العربية القائمة، لأن عديداً منها وضع في ظل نظم سياسية شمولية أو سلطوية أعطى السلطة كل السلطة للحكام، ولم يعط أي سلطة للشعب. بل وحتى في الدساتير العربية التي أقامت توازناً بين السلطة والمواطنين في ضوء مبادئ دستورية واضحة وقاطعة، لم يتم في التطبيق تفعيل هذه المبادئ وظلت -بتعبير علم الاجتماع القانوني- نصوصاً ميتة تحتاج لمن ينفخ فيها روح الحياة.

ومن ثم يمكن القول إن هناك مشكلة دستورية عربية متعددة الجوانب وتحتاج -كما أشرنا- إلى حسم، في ضوء بناء جسور جديدة من الثقة بين السلطة والجماهير.

ولعل النقطة الثانية في مجال الإصلاح والجديرة بأبلغ الاهتمام هي ضرورة تأسيس نظام عربي مشترك، لا تعتبره أي دولة تهديداً لمصالحها المشروعة.

وترد أهمية هذا الموضوع إلى أن العالم يعيش في ظل عمليتين تاريخيتين أساسيتين: العولمة والإقليمية. العولمة تحدثنا عنها كثيراً من قبل، والتي أصبحت ظاهرة مؤثرة على كل الدول، أما الإقليمية فهي تعني تجمع الدول في إقليم جغرافي محدد في اتحاد اقتصادي قد يتحول -كما حدث في الاتحاد الأوروبي- إلى اتحاد سياسي.

والفكرة هنا أن تحقيق التنمية المستدامة أصبح يفوق طاقة الدول القطرية مهما اتسعت إمكانياتها الاقتصادية، ولذلك هناك حاجة شديدة للتكتلات الإقليمية التي أصبحت الآن هي أساس التعامل بين أقاليم العالم المتعددة. لدينا الاتحاد الأوروبي في أوروبا، و"النافتا" في الشمال الأميركي والآسيان في آسيا. ولذلك فالدول العربية المعاصرة مدعوة بقوة للدخول في مجال التكتل الإقليمي.

ولعل النقطة الثالثة جديرة بأن تثير حساسيات متعددة لأنها تتعلق بالعلاقات بين الدول العربية النفطية الغنية والدول العربية غير النفطية.

ويمكن القول ابتداء أنه يسجل للدول العربية النفطية أنها ساهمت بشكل إيجابي في دعم عديد من مشاريع التنمية في دول عربية غير نفطية متعددة. ونحن في حاجة اليوم ليس إلى مجرد دعم ولكن في صياغة رؤية استراتيجية عربية مشتركة، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية. ولعلنا نشير هنا إلى أن الرؤية المشتركة للأبعاد الثقافية لا تقل أهمية إطلاقاً عن الرؤى السياسية والاقتصادية. وها نحن نشهد اليوم بوادر شقاق بين السُّنة والشيعة، بدأ في العراق ويخشى أن يمتد لباقي أنحاء الوطن العربي.

والسؤال المطروح من بعد هو: هل ضرورة الاتفاق على نهج عربي للإصلاح تتناقض بالضرورة مع خصوصية كل دولة؟ والإجابة أنه لا تناقض بشرط ألا يرفع شعار الخصوصية الثقافية لكي يكون ذريعة لتعويق الإصلاح السياسي المرغوب.

وتبقى النقطة المحورية حقاً التي ينبغي أن تكون واسطة العقد الاجتماعي العربي الجديد، وهي التوازن بين واجبات الدولة وحقوق المواطنين.

وقد لوحظ أن عديداً من الدول العربية -تحت تأثير العولمة وضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي- أخذت في الاستقالة التدريجية من أداء وظائفها التنموية، وتركت لحرية السوق أن تقود عملية خصخصة واسعة المدى أثرت بالسلب على حقوق العمال والعاملين. بل إن هناك دولاً عربية أخذت تتراجع في مجال الرعاية الاجتماعية بإلغائها برامج أساسية، أو تقليص عدد آخر من البرامج.

وترتبط بالنقطة السابقة أهمية إقامة التوازن بين الدولة والسوق. وهذه ليست بالضرورة دعوة للعودة مرة أخرى إلى تخطيط الدولة أو إلى اقتصاد الأوامر الذي ثبتت في كثير من الأحيان سلبياته، ولكن هي دعوة لكي تقوم الدولة بواجبها في رعاية المواطنين، ولا تتركهم فريسة سهلة لقوى السوق الرأسمالية المتوحشة.

وفي إطار الإصلاح الاقتصادي لابد من الالتفات إلى وجود سوق غير رسمي في كل البلاد العربية، يسهم بشكل أساسي في جزء من الناتج القومي. تنظيم هذا السوق وإتاحة الفرصة أمامه للفاعلية في ضوء ضوابط مرنة مسألة أساسية.

ولعل أهم المبادئ الإصلاحية هو تحقيق معنى ومضمون التنمية المستدامة والتي ينبغي أن تصوب نظرها للمستقبل في مجال حفظ حقوق الأجيال القادمة في الثروة القومية، وفي مجال مشاريع التنمية المختلفة. وكل المبادئ السابقة لا يمكن تطبيقها إلا في إطار المساواة الكاملة بين الرجال والنساء.

ولسنا في حاجة في النهاية إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على هويتنا الحضارية في ضوء رؤية للعالم تسم بالانفتاح والحرص على الحوار مع الآخر.

وأياً ما كان الأمر فإنه يمكن القول إن الدولة العربية المعاصرة إذا ما مثلت أمام محكمة التاريخ، ونشرت سجلاتها بما تتضمنه من وقائع سياسية وإنجازات اقتصادية، ومبادرات ثقافية، فقد يتبين فقرها الشديد في مجال الإنجاز الديمقراطي، لأن غيوم الشمولية والسلطوية قد سيطرت على المناخ السياسي العربي طوال الخمسين عاماً الماضية.

ومن هنا الحاجة الماسة إلى التحول الديمقراطي. أما في المجال الاقتصادي فهناك إنجازات ملموسة، في مجال البنية التحتية، وإقامة بعض المشاريع التنموية الفعالية في ضوء قصور في النظرة الشاملة. أما في الجانب الثقافي فيكفي أن نشير إلى أن نسبة الأمية في المجتمع العربي تكاد تصل إلى 40%، مما يمثل سلبية خطيرة في مجال التنمية الاجتماعية.

إنها تحديات كبرى تواجه الدولة العربية المعاصرة، ترى كيف ستكون الاستجابة؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:1-2-2007