الأوراق الفيدرالية

-4-

 

جان جي

 

إلى أهالي ولاية نيويورك:

حددت ورقتي الأخيرة عدة أسباب تجعل سلامة المواطنين الأمريكين، ضد الخطر الذي يتعرضون له من جرّاء حرب ذات أسباب عادلة – أكبر ضماناً بفضل الاتحاد. ليس هذا فحسب، بل بينت الورقة أن الأسباب تُظهر أن الحاجة إلى تقديمها في حال الاتحاد لن تكون أقل حدوثاً، فحسب، بل سيكون توفرها أسهل على الأمة لو قدمتها دولة اتحادية واحدة مما لو قدمتها حكومة ولاية بمفردها أو كونفدرالية من بضع ولايات.

غير أن سلامة الأمريكيين ضد أخطار العدوان الخارجي (دولة أجنبية) لا تعتمد على قدرتهم لأن يقدموا للدول الأخرى أسباباً عادلة للحرب، وعلى ذلك فقط، بل تعتمد على مكانتهم بين الدول ودوام بقائهم في وضع يجعل الدول الأخرى تتجنب الاعتداء عليهم أو إلحاق الإهانة بهم. هذا في حال وجود أسباب عادلة. بيد أن هناك أسباباً غير عادلة أيضاً، وإنما هي أسباب يتم التظاهر بها ولا تكون حقيقية ولا عادلة.

وما أعظم الصدق، مهما بدا ذلك غير مشرف للطبيعة الإنسانية، حين نقول: إن معظم الدول تشعل الحرب حين يلوح لها إمكان حصولها على مكسب ما بفعل تلك الحرب. هذا هو الواقع المر. بل إن الملوك المطلقي السلطات في دولهم كثيراً ما يشعلون الحرب حتى لو لم تفز دولهم بأي مكسب. وهم يفعلون ذلك سعياً منهم وراء أهداف شخصية تماماً، مثل التعطش إلى المجد العسكري أو الانتقام لإهانات شخصية وجهت إليهم، أو مجرد طموح لديهم، أو وفاءً باتفاقات خاصة لتفخيم نفوذ أسرهم أو مساندة أعوانهم. إن هذه الدوافع وكثيراً من أمثالها ستراود الحاكم المطلق السيادة فقط، وكثيراً ما تقوده إلى الانغماس في حرب لا يقرها العدل ولا تصغي لصوت شعبه ولا مصالح ذلك الشعب وبصرف النظر عن مثل هذه الدوافع لإشعال الحرب، في حال الملكيات المطلقة، وإن كانت جديرة بالالتفات إليها، فإن هناك أسباباً ودوافع أخرى تتأثر بها الدول كما يتأثر بها الملوك. وسيتبين لنا بعد تفحص تلك الأسباب أن بعضها وليد وضعنا وظروفنا إلى حد ما.

فنحن مثلاً نقف في حلبة المنافسة مع كل من فرنسا وبريطانيا في مجال صيد السمك. وبمقدورنا أن نزود أسواق البلدين بذلك الصنف بأسعار أدنى مما تستطيع تلك الدولتان، دون النظر إلى أي جهود تبذلانها لإخفاء الواقع الحقيقي، سواء عمدت إحداهما أو كلتاهما إلى طريقة دعم صياديها في الداخل، أو إلى فرض الضرائب على السمك الوارد من الخارج.

ومع تلكما الدولتين وبقية الدول الأوروبية الأخرى نقف في مجال المنافسة أيضاً فيما يتعلق بالنقل البحري والتجارة، ونحن إنما نخدع أنفسنا إذا تجاهلنا أن أي من هذه الدول لن يسرها أن تزدهر تجارتنا وقدرة سفننا على النقل البحري؛ ذلك أن حصول أي زيادة لنا في ذلك المجال معناها نقصان مجالات تلك الدول فيه. تلك هي مصالحها، ومن الطبيعي أن تغدو سياساتها هي المحافظة على تلك المصالح بإعاقة تقدمنا نحن.

وفي التجارة مع الهند والصين، تتشابك مصالحنا مع مصالح أكثر من دولة واحدة. فنحن نسعى إلى المشاركة في المنافع التي تعود من تلك التجارة، فيما أن الدول التي سبقتنا قد رسخت نوعاً من الاحتكار في ذلك المجال. إن السلع التي كنا نشتريها من تلك الدول سيكون بمقدورنا أن نشتريها مباشرة من المصدر، وبذلك نحرم تلك الدول من أرباح احتكارها لأننا لن نشتريها من تلك الدول بأي حال.

ومثل هذا توسع تجارتنا على سفننا الخاصة، فلن يسّر التوسع أياً من تلك الدول التي كانت تقوم بهذه المهمة من قبل. وكذلك لن يسر أي دولة لها ممتلكات في القارة التي نحن منها ولا القارة المجاورة. والسبب بسيط، فالسلع التي نعرضها ستكون أرخص، والتبادل معنا سيكون أسهل. هذا إضافة إلى عامل القرب والجوار، والمعاملة الحسنة التي سيوفرها تجارنا وبحارة سفننا لمن يعاملونهم. وكل هذه حسنات لصالحنا لن تتقبلها الدول المنافسة سابقاً، ولا ترضى بها سياستها وملوكها.

إن أسبانيا ترى من المناسب أن تغلق علينا منافذ نهر المسسيسبي وتسده في وجوهنا، وبريطانيا تود مثل ذلك في حال نهر سنت لورانس، ولن تسمح الدولتان لنا باستخدام المياه الواقعة بين ممتلكاتهما. من مثل هذه الاعتبارات وكثير غيرها التي يمكن توضيحها بصورة أوفى – يسهل أن نرى أن الغيرة وعدم الارتياح قد ينموان في النفوس، تدريجياً، وفي وزارات الدول الأخرى.. وسيعتبر هؤلاء أي تقدم لنا سواء في الاتحاد، أو النفوذ، أو القوة، ضد مصالحهم، ولن يرضوا بذلك.

ويعي المواطنون الأمريكيون أن الإغراءات لشن الحروب إنما تتولد من مثل هذه الظروف، وهم يدركون أنه، حالما تجد هذه الإغراءات نفسها قادرة على انتهاز الفرصة أو الزمن ما أسهل أن تلون ذلك باعتباره أسبابا كافية لشن الحرب. من ثم فإنه من الحكمة بمقدار في نظرهم إبقاء اتحاد أمريكا ضعيفاً، وعاجزاً، لا أن يباشر الحرب من عنده، بل حتي عن أن يصد الحرب التي يودون إقحامه فيها. لهذا فإن تلك الدول أيضاً ستثبط الهمة ما استطاعت في إنشاء ذلك الاتحاد. ومن شأن هذا الوضع أن يفرض علينا اتخاذ سبيل الدفاع، وهذا بدوره يعتمد على نوع الحكم، والسلاح، والموارد الموجودة في بلادنا.

ولما كانت سلامة الكل هي من مصلحة الكل، ولا يمكن ضمان تلك السلامة بدون حكومة، سواء كانت حكومة واحدة أو بضع حكومات – فدعونا نتقصى ما إذا كانت حكومة كفؤة واحدة أقدر لضمان السلامة أم أي عدد آخر من حكومات منفصلة.

إن الحكومة الواحدة تستطيع أن تجمع لخدمتها جميع المواهب والخبرات المتوافرة في أي جزء من أجزاء الاتحاد، وتستطيع أن تتحرك وفق سياسة واحدة موحدة. وبمقدورها أن تنسق، وتتمثل، وتحمي جميع أجزاء الاتحاد والولايات العضوة فيه. وبمقدورها أيضاً أن تمد حكمتها واحتياطاتها لتغطي الجميع، وتستفيد من ذلك كل ولاية. وعند عقد المعاهدات سوف تنظر إلى مصلحة الجميع لا إلى مصلحة خاصة لولاية واحدة. وفي وسعها أن تجند موارد الجميع وتعبئ فوات الجميع للدفاع عن كل ولاية.. وليس هذا في مقدور أية ولاية بمفردها، ولا كونفدرالية بمفردها أيضاً. إن ضباط قوات الاتحاد سيكونون خاضعين لنظام واحد، ولقائد أعلى واحد، فلا يتنازعون الرأي. وبذلك تغدو مليشيات الولايات فيلقاً واحداً يتحرك بنسق واحد، لا ثلاثة عشر فيلقاً، ولا كتلة صغيرة واحدة أو بضع كتل تتحرك في غير انسجام.

أي قوة ستكون بريطانيا لو تحرك جيش انجلترا لوحده، وجيش اسكتلندا بمفرده، وقوات أهل ويلز بمفردهم أيضا! فلنفرض أن حصل غزو لبريطانيا.. ولنفرض أن تلك القوات الثلاث كانت متفقة في الرأي على الدفاع، فهل سيتم الانسجام الكامل بين تحركات القيادات الثلاث في العمليات الحربية!! وهل سيكون مفعول تلك القوات غير الموحدة بقدر مفعول قوات بريطانيا العظمى الموحدة تحت قيادة حربية واحدة!!

ما أكثر ما سمعنا عن أساطيل بريطانيا وسيحين الوقت، إذا تدبرنا أمرنا بعقل وحكمة، حين تغدو أساطيل أمريكا قادرة تماماً على لفت النظر إليها. ولكن.. دعنا نذكر أنه لو لم تقم سلطة واحدة لتنظم أمور قوات بريطانيا البحرية، وتجعلها حاضنة للبحارة فيها لما أمكن إلحاقهم بتلك القوة والشجاعة التي يتميزون بها في حروبهم في الخارج. دع انكلترا تنشئ قوات بحرية خاصة بها. ودع اسكتلندا تفعل مثل ذلك، وهكذا ويلز – لها أسطولها وقواتها البحرية الخاصة، ومثل ذلك أيرلندا – فهل تستطيع الأساطيل الأربعة المفرقة أن تبني عظمة بريطانيا العظمى الحالية!! عند ذاك ستكون تلك القوات خاضعة لأربع حكومات.. ومن ثم تتضاءل كل من هذه الحكومات وتهتز قوة الأساطيل الأربعة.

طبّق مثل هذه الحقائق على وضعنا الخاص. دع أمريكا تبقى موزعة في ثلاث عشرة ولاية، وثلاث عشرة حكومة تبعاً لذلك.. أو، إذا سرّك ذلك، دعها موزعة بين ثلاث أو أربع كونفدراليات وحكومات.. أية جيوش يستطيع الجزء الواحد منها أن يعبئ!! وافرض أن جزءاً واحداً تعرّض لاعتداء.. فهل ستكون الأجزاء الأخرى مستعدة لبذل المال والأرواح للدفاع عنه وإنقاذه!! أليس هناك إمكان أن يتم إغراء جزء واحد أو أكثر لأن يتخلّى، سواء بعرض المصالح، أو المال، أو الوعد بمنافع أخرى! ألن يقف ذلك الجزء أو الأجزاء المعنية موقف الحياد!! إن الرغبة في السلامة الفردية، أو حتى كره الحرب وعدم الاستقرار، سيكون عاملاً كافياً للإغراء بعدم المخاطرة والدخول في الحرب. بل إن مواطن الغيرة لدى حكومة إحدى الولايات قد تساعد في عدم مد يد المعونة إلى الحكومة المعتدى عليها!! هذا ممكن تماماً، ويجب أن يؤخذ في الحسبان أيضاً. ومع أن هذا المسلك لن يكون حكيماً، إلا أنه مسلك طبيعي تماماً. إن التاريخ ملئ بمثل هذا المسلك، وليس من غير المحتمل أن يقع لدينا مثل ما وقع لدى من سبقونا في ظروف متشابهة.

ومع هذا دعنا نفرض أن كل ولاية كانت راغبة في مساعدة الأخرى التي وقع عليها الغزو، سواء الولاية الواحدة أو الكونفدرالية الواحدة. كيف؟ ومتى؟ وبأية نسبة؟ يجب تقديم تلك المساعدة من الرجال والأموال؟ ومن الذي سيتولى إمرة القوات المتجمعة في تلك الحال؟ ومن أي رئيس حكومة سوف يتلقى ذلك الآمر تعليماته؟ وإذا انتهت العمليات الحربية وجاء عقد المعاهدات، فمن الذي يضع بنود تلك الاتفاقيات؟ وإذا حصل خلاف في تحديد تلك الشروط بين رؤساء الولايات المنفردة؛ فمن الذي سوف يأخذ دور الحكم الفيصل في تلك الحال!! إن منازعات شديدة ستبرز إلى السطح في مثل هذه المواقف.. ذاك عند وجود عدة حكومات، أما في حال وجود حكومة واحدة (أي اتحاد) فهي التي تباشر كل شئ: من التعبئة إلى الإنفاق، إلى عقد المعاهدات، آخذة بعين الاعتبار مصلحة الجميع، ومتحاشية كل ما يخلق الإحراج لأيّ ولاية بمفردها.

وأياً كان وضعنا، وعلى كل حال، سواءً كنا حكومة واحدة أو مقسّمين في صورة كونفدراليات – فإن الدول الأجنبية ستكون مطّلعة على ذلك الوضع، وستتصرف على أساس ذلك الواقع. فإن رأي ساستها أن بلادنا تحت قيادة حكومة كفؤة، حسنة التنظيم، ومنضبطة؛ وأن مواردنا وأموالنا المالية تدار بحكمة وسداد، وميزانية ماليتنا مستقرة ومكينة، ومواطنينا أحراراً، مطمئنين، ومتحدين – فإنهم سيغدون ميّالين إلى عقد ارتباطات ودية معنا، وكسب صداقتنا أكثر من ميلهم إلى استثارة غضبنا منهم. وعلى النقيض من ذلك إذا وجدونا مفلسين من حكومة كفؤة (بل وجدوا كل ولاية تتصرف حسب هواها، تصرفاً صحيحاً أو خطأ، كما يبدو مناسباً للحاكمين فيها) أو وجدونا منقسمين إلى ثلاث أو أربع كونفدراليات، إحداهما ميّالة إلى بريطانيا، والثانية إلى فرنسا، والثالثة إلى أسبانيا.. مثلاً وتتنازع فيما بينها، ويتم توجيه الواحدة منها ضد الأخريات. أي صورة شوهاء تدعو إلى الرثاء ستكون صورة أمريكا في أعينهم!! إذ ذاك ما أشدّ أن تتعرض أمريكا للاحتقار من طرفهم، بل حتى لصب نقمتهم على رأسها!! وما أصدق الحكمة القائلة بأنه: إذا ما آثر شعب الانقسام فإنه أول الأمر ينقسم على نفسه وضد مصلحته هو.

 الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 27-32.

و كل ذلك بحسب راي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر : جامعة مينسويا – حقوق الإنسان .