هل الديمقراطية مناسبة للشرق الأوسط؟

 

 

بدأت تظهر الأصوات "الأخرى" أو ما يعرف بأصوات "الاحتياط الاستراتيجي" بالظهور على ساحة صناعة السياسة في واشنطن لتوصل فكرة أن الديمقراطية غير مناسبة للشرق الأوسط. وهناك خمسة أسباب رئيسة يوردونها لتأكيد خلاصتهم هذه. 1- المنطقة مقسمة إلى هويات غير متجانسة ومتناقضة لا تلبي الشروط الأولية لقيام الديمقراطية المؤسسة على المواطنة والفرد. 2- الديمقراطية لن تحل مشكلات الولايات المتحدة في المنطقة العربية، لذلك ينبغي أن لا تقوم الولايات المتحدة بمتابعة سياسة دعم الديمقراطية. 3- الديمقراطية ستهدد أمن إسرائيل (وهو ما يعتبر خطا أحمر في واشنطن). 4- الإسلاميون سيفوزون في الانتخابات وهذا ليس في مصلحة الولايات المتحدة 5- ثقافة المنطقة غير مناسبة للديمقراطية. يبدو هذا الحديث بأنه "خرافة" مقارنة مع "خرافة" نشر الديمقراطية بالقوة إذا لزم في المنطقة التي تبنتها إدارة بوش. ربما يكون الساسة الحاليون قد فقدوا الكثير وأصبحوا مهرجين.

عندما يتحدث الشباب يجب أن تكون لديهم فكرة يقولونها، ولكن عندما يتحدث كبار السن ليس بالضرورة أن تكون لديهم فكرة يقولونها، ولذلك لا يوجد شباب يعملون في السياسة! بهذه العبارة لخص تشارلز رينج فكرة سياسية معقدة حول المشاركة السياسية. أود إضافة عبارة "في الشرق الأوسط" في نهاية مقولة تشارلز لأنها تصف الحال في المنطقة بشكل جيد. وعندما يكون هناك شباب في السياسة يكونوا قد ورثوها عن آبائهم في أغلب الأحيان. أين الجيل الجديد؟ لماذا لا توجد مشاركة شبابية في العمل السياسي في الدول العربية؟ هل ينبغي أن ننتظر تدخّل دول أخرى باسم الديمقراطية لتدمير حياتنا ومجتمعاتنا؟

كانت هذه الأسئلة جزءا من منظومة كبيرة من الموضوعات السياسية التي بدأت الولايات المتحدة ومؤسسات دعم الديمقراطية الأمريكية بطرحها حول العالم العربي منذ سقوط الاتحاد السوفيتي. وتوّجت الولايات المتحدة جهودها هذه بإعلان دعم الديمقراطية كمبدأ أساسي في سياستها الخارجية كاستجابة استراتيجية بعيدة المدى للإرهاب. ورافقت هذه السياسة قناعة كبيرة بأن الديمقراطية مناسبة لكل زمان ومكان. الآن بدأت الصورة تنقلب مع انقلاب السحر على الساحر في العراق.

في معهد هدسون Hudson Institute في واشنطن كان السؤال المطروح على أربعة مشاركين؛ هو هل الديمقراطية مناسبة للشرق الأوسط؟ يبدو أن نوع الأسئلة يتغير بتغير الأولويات حتى وإن كان التغيير مناقضاً من حيث الجوهر للسياسة المعلنة من قبل الإدارة. ربما تكون هذه القفزات في صلب صناعة السياسة الأمريكية في واشنطن. تتكون هذه الصناعة من مؤسسات كثيرة ومتعددة تبدأ بمراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية وبيوت التفكير السياسية وتمر باللّوبيّات وتصل إلى مراكز صنع القرار التنفيذي.

تحاول بعض مراكز الدراسات أن تستبق الأحداث وتتنبأ بما سيحدث أو ترسم سياسة تقدمها للتبني من قبل الإدارة. وفي السياق ذاته تحاول بعض بيوت التفكير أن تقدم الأعذار للسياسيين وسياساتهم عند مواجهة الفشل. في هذا الإطار يمكن فهم دخول معهد هدسون على خط محاولة إنقاذ إدارة الرئيس بوش؛ عن طريق طرح السؤال حول ملاءمة الديمقراطية للعرب.

يقدم "الباحث" لي سميث فرضية مفادها أن أفضل ما يمكن أن يصل إليه أي بلد عربي في مجال الديمقراطية هو تقاسم السلطة عن طريق المحاصصة الطائفية والإثنية والجغرافية والعرقية وما إلى ذلك. ويقدم النموذج الأفضل في هذا الإطار وهو لبنان. ويتحدث "الباحث" عن هذه الطريقة في الحكم ويصفها بـ "التعددية" التي تبنى على أساسها الديمقراطية! وفي الرد على نظرية السيد سميث يمكن طرح التساؤلات التالية:

التعددية كما تطورت كمفهوم في العلوم السياسية وفي الدراسات الديمقراطية تشير إلى التعددية السياسية القائمة على الهوية المدنية للأفراد وليس الهوية الدينية أو العرقية وما إلى ذلك. والهوية السياسية تنتظم على أساس الأفكار والمصالح التي يلتقي عليها مواطنون وليس طوائف في دولة ما. ما الذي يريده السيد سميث من الدعوة إلى بلقنة المنطقة العربية وتحويلها إلى فئات متناحرة؟ هل هذه هي الديمقراطية التي ينادون بها؟

لماذا عندما يتحدثون عن المنطقة العربية يقولون إنها مقسمة ومنقسمة على نفسها ولا يمكن تطويرها ديمقراطياً بدون الاعتماد على التفتيت؟ الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الديمقراطية مقسمة اثنياً وطائفياً ولكن هذه التقسيمات غير معتمدة في العملية السياسية في هذه المجتمعات. تقوم الأنظمة القانونية والسياسية في هذه الدول بصياغة علاقات الأفراد على أساس المواطنة القائمة على المساواة أمام القانون. لماذا لا يطبقون ذات المعايير التي يطبقونها على أنفسهم في العراق؟ لماذا تعامل الأمريكيون مع العراق على أساس طائفي وعرقي واثني وجغرافي؟ الإجابة المختصرة أنهم لا يريدون خلق دولة مدنية في العراق بعد تكسيرها وإنهاء دولته المدنية. إذا ما نظرنا إلى النتائج على الأرض من قتل ودمار وعنف نخلص إلى أن الأمريكيين نجحوا في تدمير العراق، والآن سيدمرون إيران بغض النظر عن الأسباب والنتائج. وسيعاد تكرار السيناريو ذاته.

لا يمكن لنا أن نستمر بتصديق الأمريكيين والإسرائيليين في موضوع الأمن الإقليمي والسلام. هم لا يريدون ذلك إلا بمقاييسهم، وهناك اختلاف كبير بين مقاييس العرب ومقاييس الأمريكيين وهناك اختلاف في تعريف السلام والأمن بيننا وبينهم. يمكن للعرب أن يتفاهموا مع الإيرانيين والأمريكيين على حد سواء. ويمكن التوصل إلى تفاهمات مع الإيرانيين ربما بشروط أفضل من الشروط التي يمكن أن نتفاهم مع الأمريكيين على أساسها ما دمنا بموقع المتلقي ونكتفي بردة الفعل على ما يقوم به الآخرون من حولنا ويؤثر في حياتنا.

لا بد أن تقوم دولة عربية بتقديم نموذج ديمقراطي والبلد العربي الذي سيتمكن من تقديم هذا النموذج سيكسب الكثير داخلياً وخارجياً وسيجيب عن هذه الأسئلة الملحة والاتهامات المهينة للمنطقة وأهلها. الثقافة ليست عائقة أمام الديمقراطية. ما يقال الآن عن الثقافة الإسلامية والعربية سبق وأن قيل عن الثقافة الكاثوليكية والأرثوذكسية والشيوعية. ولكن ما الذي حصل في هذه الثقافات؟ جميعها تحولت للديمقراطية السياسية. ستستمر المحاولات التي ستبرر فشل الإدارة الأمريكية على حساب ثقافة المنطقة وأهلها. ينبغي أن يقوم المثقفون العرب بتحميل الولايات المتحدة المسؤولية عما وصلت إليه المنطقة من تردٍ بسبب سياساتها.

يرى بعض المنظرين الأمريكيين الآن أن الديمقراطية لن تحل مشكلات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. خصوصاً وأنها ستجلب قوى سياسية ستكون صلبة في التعامل مع الولايات المتحدة. ويمكن البدء بالتفكير في هذه الأطروحة بشكل جدي. الأمثلة التي يطرحها هؤلاء هي حماس في فلسطين والإخوان المسلمون في مصر. ويتناسى هؤلاء أن حماس لم تحصل على أغلبية الأصوات وأنها حصلت على أصوات احتجاج كثيرة مكنتها من الحصول على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني. أما فوز الإخوان المسلمين في مصر بنحو 20في المائة من مقاعد مجلس الشعب فلا يمكن اعتباره انقلابا سياسيا في مصر. فللإخوان المسلمين، كما لغيرهم، الحق في الحصول على مقاعد برلمانية في بلد وفي أي انتخابات. ومن جانب آخر لم يصوت نحو 75في المائة من الشعب المصري في تلك الانتخابات. وهذا يعني أن البدائل غير مرضية من جهة وأن الشعب غير متحمس وربما يعود ذلك للتاريخ السياسي الحديث لمصر التي؛ لم تشهد تداولا ديمقراطيا للسلطة. وفي الأردن تشير الدراسات الانتخابية أن حزب جبهة العمل الإسلامي لن يحصل على أكثر من 30في المائة من مقاعد مجلس النواب على أحسن الأحوال وفي أكثر التوقعات تفاؤلاً.

فلماذا تخاف الولايات المتحدة من مشاركة الإسلاميين وتعتبرهم مشكلة؟ وهل ينبغي أن تكون الولايات المتحدة قلقة؟ (يرى السيد سميث بأن الولايات المتحدة ينبغي ألاّ تقلق من معاداة السياسة الأمريكية في المنطقة). الولايات المتحدة تخاف من الإسلاميين لأنها تعرف أنهم سيبدأون من حيث ينبغي أن تبدأ المفاوضات حول الحقوق العربية والإسلامية. الإسلاميون سيقولون للولايات المتحدة ما لا ترغب أن تسمعه. وفي هذا تتفق معهم الأغلبية من الناس في المنطقة العربية. وحتى النظم السياسية القائمة الآن تتفق معهم في الموضوعات السياسية الإقليمية مثل فلسطين والعراق. ينبغي أن تقلق الولايات المتحدة؛ لأن استمرار سياساتها سيزيد التطرف بين فئات صغيرة من المجتمعات العربية ولكنها ستكون جماعات أكثر دموية من الجماعات الموجودة الآن. وستقل شعبية هذه الجماعات بين الشعوب العربية ولكن هذا لن يقلل من فرصها في تجنيد المقاتلين والانتحاريين ومثيري القلاقل حول العالم.

والسياسة التي تتبعها الولايات المتحدة الآن والقائمة على التقسيم الإثني والطائفي في المنطقة ستزيد من حجم الغضب على سياسات الولايات المتحدة بكل تأكيد. ويحمّل الكثير من العرب شعوبا ومثقفين الولايات المتحدة مسؤولية انزلاق المنطقة إلى أتون التطرف العرقي والطائفي وبذلك تخسر الولايات المتحدة وبشكل يومي الأصدقاء والمتعاطفين معها على قلّتهم .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:مجلة المجلة-16-12-2006