أزمة العقل السياسي العربي

 

 

د. سعود هلال الحربي

 

لدي قناعة تامة بأن العقل السياسي يتشكل وفق معطيات الثقافة العامة المحيطة به، لأنها تكون شيئين مهمين هما الجانب المعرفي وآليات التفكير، والجانب المعرفي أقصد به المعلومات والمعارف وما يتبعها في بنية العقل ذاته، وآليات التفكير اقصد بها الطرق وأساليب التفكير في القضايا السياسية وكيفية التعاطي معها.

وقد كنت ذكرت في مقالات قديمة بأن لدينا مشكلة في العقل السياسي العربي في آليات التفكير والنظر للأمور بصورة منطقية، وهذا ما أثر على الرؤى الواقعية لتدخل في جانب اللامعقول، أولى هذه المشكلات ان الجوانب العاطفية تطغى على الجوانب المنطقية، وتصبح التصورات قائمة على الهش من الجانب الفكري المستند على الانفعالات، وبذلك لا يمكن دحض اي فكرة مغايرة لها وفقا للصورة القاتمة والمتجسدة والقائمة على اللحظة الآنية القاصرة بطبيعة الحال.

الجانب الثاني القطعية في الأحكام، وهنا إغلاق تام لكل رأي مختلف، بل عدم قبول اي تغيير يحدث في الجانب المعرفي، لأن القناعة ترسخت وتمكنت في عقل صاحبها، لذلك يستحيل تغيير القناعات وفق لهذه القطعية، والدليل على ذلك نادرا مانجد من يعترف بخطأ التصورات، بل يكون البحث عن المبررات اكثر من اي شيء آخر.

الجانب الثالث يظهر في الوقوف عند مراحل تفكير اصبحت جزءاً من التاريخ الإنساني، وهو التمركز حول الزعيم وإعطاء صفة القدسية للاشخاص، والأدهى من ذلك ذوبان الوطن والشعب في مفهوم الزعامة لحساب الزعيم، ولا يتوقف الامر عند ذلك بل يتم رفض اي تحليل او تعليق للزعيم ونقده وتستمر هذه الحالة باستمرار الزعيم في الحكم وما أطول ذلك في تاريخنا العربي!

الجانب الرابع نجده في عدم فصل القضايا العامة عن الخاصة، وهنا يتم الخلط بين ماهو شخصي ووطني وقومي وعالمي، فقد يتم وضع تصور للوطن قائم على حسابات خاصة او قومية على حسابات وطنية وهكذا، وبذلك تظهر لنا حالة هلامية لا يمكن التأكد من حقيقتها لضبابية الرؤية.

هذه صورة او ملامح بسيطة جدا من واقع العقل العربي السياسي، وبالتأكيد هناك المزيد من السلبيات الأخرى قد أناقشها في مقالة أخرى، ولكن من جعل العقل السياسي العربي يتشكل بهذه الصورة؟ أتصور ان الإجابة لا تغيب عن ذهن كل حصيف، فالأنظمة السياسية والإعلام الرسمي ومع الاسف حتى الخاص وبعض المثقفين والتعليم كلها ساعدت على تكوين العقل السياسي العربي وأعطته هذه الصورة المؤلمة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-2-7-2007