من مشاريع الإصلاح إلى الحروب الأهلية!

 

 

د. برهان غليون

 

 

منذ بضع سنوات فقط، كان هناك إجماع على أن الإصلاح والتغيير هما الأجندة الرئيسية للمنطقة، وأن هذا الإصلاح، بما يتضمنه من تقويم الحياة السياسية وفصل السلطات الثلاث وتعزيز المشاركة الشعبية في الحكم... هو المدخل الحتمي لمكافحة الفساد وإطلاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتقنية... وبالتالي التحسين من قدرة المجتمعات على مواجهة الأخطار الأمنية الناجمة عن تفاقم الضغوط الداخلية والخارجية. وحتى أولئك الذين كانت مصالحهم الاقتصادية والسياسية تدفعهم إلى الخوف من الإصلاح أو الوقوف ضده، كانوا مضطرين إلى التكيف مع شعاره والحديث عن إصلاح يتقدم بوتيرة المجتمعات العربية أو ينبع منها.

ونظرة واحدة على ما يحصل في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها من بلدان المشرق العربي، تكفي لإدراك التحول الذي حصل خلال أقل من سنة. فقد أصبح الإصلاح آخر هم يشغل الحكومات الغربية التي أعلنت عن تبنيها الكامل له في السنوات الماضية، ورصدت له الميزانيات وعقدت له العديد من المؤتمرات والمنتديات، ومن باب أولى الحكومات العربية التي وقفت جميعها تقريباً ضده باعتباره بدعة أجنبية، بل جميع قطاعات الرأي العام العربي التي فقدت أي أمل بتحسن الأوضاع، بما فيها المعيشية، ولم يعد يشغلها سوى الحفاظ على الأمن والاستقرار وتجنب الحروب الأهلية والإقليمية الدموية. وكما تهم الدبلوماسية الغربية اليوم باستبدال هدف الحفاظ على الاستقرار بمشروع الديمقراطية الذي انتحلته في السنوات الماضية للتغطية على مشاريعها الهيمنية، وهو ما يشكل جوهر اقتراحات فريق "بيكر- هاملتون" الأميركي لإخراج السياسة الأميركية من ورطتها العراقية، يحتل القلق على المصير لدى الرأي العام العربي أكثر فأكثر محل الأمل في انتزاع الحرية والكرامة الإنسانية. المحافظة على البقاء هي اليوم شعار الجمهور المكلوم بدوامة الحروب الأهلية المندلعة أو التي تشتعل تحت الرماد، تماماً كما أن الحفاظ على الصدقية الاستراتيجية وما تبقى من نفوذ، هو الهدف الأول للدبلوماسية الأميركية والأوروبية اليوم.

لا يرجع هذا التحول الكبير الذي قاد المنطقة من طريق التفاؤل والإنطلاق إلى طريق اليأس والإحباط، في أقل من سنتين، لسبب واحد وحيد، ولكن لأسباب متعددة ومتشابكة؛ أولها من دون شك السياسات والاستراتيجيات الخاطئة التي طبقتها الولايات المتحدة في المنطقة قبل أن تصادق عليها في ما بعد البلدان الأوروبية، وكانت تهدف من ورائها إلى تعزيز مواقعها فيها وتحصينها ضد المنافسة الدولية الأجنبية. فقد أعادت هذه السياسات إلى الأذهان، كما لم تفعل أي سياسة عدوانية أخرى سابقة، صورة السياسات ووسائل العمل الاستعمارية التقليدية، وفجرت مشاعر العداء للغرب ولكل ما يمكن أن يرتبط به من قيم ورموز وأنماط حكم وإدارة مدنية. وبدل أن تساعد على تعزيز فرص تحديث النظم ونماذج الحياة الحديثة، كما ادعت أو افترضت من عملها ذلك، أعطت لقوى الحكم دفعة ما كانت تحلم بها ومكنتها من السيطرة الشاملة على الجمهور العربي، بعد أن كانت تعاني من أزمة حقيقية في مشروعها الخاص، وأجبرت جمهور القوى الإسلامية والقومية المعتدل والمتنور على الالتحاق بأكثرها تطرفاً وإعلان الولاء لها، عازلة بذلك القوى الديمقراطية التي كانت بالأصل قوى محدودة التأثير والنفوذ معاً.

لكن السياسات الغربية الحمقاء ليست وحدها المسؤولة عن انهيار الوضع المشرقي. فما كان لمثل هذا التطور أن يحصل لو قبلت الحكومات العربية، أو معظمها، بالحد الأدنى من الإصلاح في نظم الإدارة والحكم، بما يفتح آفاقاً فعلية لجمهور الشباب اليائس والقانط معاً. والواقع أن أغلب هذه الحكومات لم تقف موقف المتفرج من مشروع الإصلاح ولكنها اعتبرت إحباطه وإفشاله جوهر المعركة الوطنية. وفي سبيل ذلك لم تتردد في العمل على محورين: أولهما تقويض أسسه الأخلاقية والسياسية، بتحويله إلى مشروع أجنبي مفروض من الخارج وتجاهل الضغوط الداخلية القوية لتحقيقه، حتى في ما يتعلق بما يشكل جوهر أي سياسة وطنية؛ أعني محاربة الفساد المعمم ونهب المال العام وسوء الإدارة وفساد القضاء وتعطيل القانون وانفلات يد الأجهزة الأمنية من دون ضابط ولا رقيب. وهو ما قاد إلى تفاقم الأحوال السياسية والمعيشية وانهيار هيبة الدولة التي تحولت إلى ما يشبه "العصابة المنظمة". أما المحور الثاني فهو إعلان النظم القائمة الحرب، وما يشبه التعبئة العامة (النفسية والدينية والقومية)، ضد قوى الإصلاح العربية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مشروع الاحتلال والسيطرة الأميركية. ولم تتوان هذه النظم في سبيل تحقيق أهدافها عن العمل على محور تعبئة الأحقاد الطائفية، والمغامرة بتفجير المجتمع العراقي لإجبار الولايات المتحدة على التراجع ووقف الضغوط التي وجهتها للنظم العربية. وليس هناك مبالغة في القول إن النجاح كان من جانب هذه الحكومات العربية، ولو أن ما حصل كان على حساب وحدة الشعوب العربية واستقرارها ومستقبلها.

بيد أن ذلك لا يعني أن قوى التغيير الوليدة لا تتحمل هي أيضاً قسطاً من المسؤولية في إيصال الأوضاع المشرقية إلى ما وصلت إليه. فليس هناك شك، وهو ما كنت قد حذرت منه في أكثر من مناسبة، في أن قطاعاً كبيراً من تلك القوى قد خدع بشعارات الديمقراطية والإصلاح التي ازدحمت بها وسائل الإعلام وخطابات المسؤولين الغربيين، واعتقد الكثيرون عن حسن نية، من دون أن يخفف ذلك من عدائهم التقليدي والصحيح للهيمنة الأجنبية، بأن التغيير حاصل لا محالة، وبالتالي ليست هناك حاجة لتضييع الوقت في العمل الدؤوب والصابر على الأرض، وبذل الجهد اللازم والطويل لإحداث التغييرات الفكرية والسياسية الداخلية المطلوبة. ولعل هذا ما يفسر أيضاً الضعف الذي أظهرته قوى التغيير في التكون والتبلور فكريا وسياسيا وتحقيق تحولات نوعية في ممارستها العملية. وهكذا بقيت هذه القوى مشتتة، تعيش حالة تنافس وتناحر مستمرين، وتفتقر لمنهاج عمل واضح وواحد في جميع الميادين. باختصار، إن مسؤولية قوى التغيير تتجسد في إخفاقها في تجاوز نقاط ضعفها والتغلب على قصورها للارتقاء إلى مستوى التحديات المطروحة عليها. وكثير منها لا يزال أسير تصورات واستراتيجيات وشعارات وأفكار هي من تراث حقبة فاتت، ولم ينجح في التكيف مع الأوضاع الجديدة المتحولة، الخارجية والإقليمية والوطنية.

بعد أن انهار مشروع الإصلاح وانعدم الأمل في الخروج من الحلقة المفرغة التي تعيشها المجتمعات منذ عقود، حلقة الفقر والبطالة والعزلة والتهميش والإحباط من كل نوع، لم يعد أمام الشعوب سوى المواجهة: مواجهة بعضها للبعض الآخر لتحقيق مكاسب وامتيازات وتقاسم منافع وموارد تتقلص أكثر فأكثر، لضمان شروط بقاء يزداد إشكالية يوماً بعد يوم، ومواجهة مع خارج معاد متعدد الأوجه والحلقات، ثقافي وسياسي وعسكري واقتصادي واجتماعي، لا يزال، رغم الانهيار الكبير في مواقعه الاستراتيجية، يملك المفاتيح الأساسية لأي تحول بناء في عموم المنطقة. وهكذا تتقاطع الحروب الأهلية والحروب الوطنية، بقدر ما تنقسم الشعوب على نفسها، وتتضاءل فرص انخراطها في اقتصاد عصرها وحضارته، ويزداد بالتالي تهميشها وعزلها وضرب الحصار عليها، سواء أجاء ذلك باسم الحرب على الإرهاب أو الحرب ضد السيطرة الاستعمارية. وهو حصار مزدوج، مختار من قبل الحكومات المحلية ومفروض من قبل الدول الاستعمارية.

السؤال الذي يطرحه الجميع على أنفسهم اليوم هو التالي: إذا كان عدم التفاهم حول محتوى الإصلاح سبب اندلاع الصراع في السنوات القليلة الماضية بين النظم المحلية والدول الغربية الحامية لها، فهل يعيد التفاهم المستعاد بينهما الآن، ولو على حساب الشعوب، السلام والاستقرار والازدهار؟

الجواب: ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن لهذا التفاهم حظا كبيرا في الحياة. لكن حتى لو تحقق فلن يستطيع شيئا أمام التدهور المطرد في الأوضاع. فكلا النظامين، العربي والإقليمي الذي صاغه الغرب للسيطرة على المنطقة، وهما وجهان لعملة واحدة، في حالة انهيار، ولن يكون بوسع أحد إنقاذهما من الهلاك.

كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-20-12-2006