المغرب 2006: لا زال الطريق طويلا

 

 

يقبل المغرب على السنة الجديدة مثقلا بملفّـاته التقليدية، التي يحملها منذ عدة عقود مع تطوّرات عرفتها خلال السنوات الماضية، وإن كانت عرفت بعضها خلال عام 2006، شكْـلَ منعطفات حقيقية وبعضها جاء هامشيا، لكنه سجّـل تحولا فيها.

والملفات الحاكمة بالوضع المغربي منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، مترابطة كما أن التطور السلبي أو الإيجابي، وفي أي منها ينعكس على الملفات الأخرى، وهي نزاع الصحراء الغربية والديمقراطية والتنمية.

كان عام 2006 عاما حافلا في التطورات في الملفات الثلاثة، بدأت بتنصيب العاهل المغربي الملك محمد السادس للمجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية، وكلفه باستشارة سكان الصحراء الغربية حول صيغة حكم ذاتي، تحت السيادة المغربية، كان أعلن عنه في نوفمبر 2005، كما تلقّـى القصر الملكي رأي الأحزاب والقوى السياسية في هذه المقاربة لتسوية النزاع الدائر، والذي يعتقد المغرب أن هذه التسوية لا يمكن أن تكون على حساب وحدته الترابية، أي أن تبقى الصحراء، محل النزاع، مغربية.

والمغرب يُـدرك أن النزاع الصحراوي أصبح منذ منتصف الثمانينات بيد الأمم المتحدة، وأن ترسانة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي، شكلت مرجعية دولية تستند إليها جبهة البوليساريو، مدعومة من الدبلوماسية الجزائرية المتحركة في تمسكها بحق الصحراويين في تقرير المصير، وإجراء استفتاء يُـقرّر من خلاله الصحراويون مصيرهم في دولة مستقلة آو الاندماج بالمغرب، وكانت هذه القرارات، المانع لتطبيق المغرب حل الحكم الذاتي من جانب واحد.

وقبيل عقد مجلس الأمن الدولي دورة اجتماعاته النصف سنوية، لتقييم مسار السلام الصحراوي، تحرك مُـوفدون مغاربة في مختلف عواصم الدول الأعضاء، لتقديم مقاربته الأولية لهذا الحل.

وإذا كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1720، الذي صدر في نهاية شهر أكتوبر 2006 لم يحمل جديدا في تعاطي المنظمة الدولية مع النزاع وتسويته، واكتفى بالتذكير بقراراته السابقة، ومدّد ستة أشهر لقوات الأمم المتحدة المنتشرة بالصحراء (المينورسو)، فإن نهاية أبريل القادم تُـعتبر محطة أساسية في النزاع الصحراوي، حيث يُـتوقَّـع أن يُـقدم المغرب رؤيته ومقاربته المتكاملة للحكم الذاتي الذي يقترحه.

وما تردد عن مشروع الحكم الذاتي، الذي أعده المجلس الاستشاري الصحراوي، أنه يقترح مؤسسات تشريعية وتنفيذية منتخبة وسلطة قضائية مستقلة، ويؤكّـد السيادة المغربية على المنطقة المتنازع عليها، إلا أن قيمة المقترح المغربي تبقى مرهونة بقدرته الإقناعية لدول مجلس الأمن، وتحديدا الدول المؤثرة، لتمارس دورها في إقناع جبهة البوليساريو والجزائر في التعاطي مع المشروع.

أما العودة إلى المواجهات المسلحة، التي تُـهدّد بها جبهة البوليساريو، فهي لا زالت مستبعدة، لأن الوضع الإقليمي والدولي لا يسمح الآن بالتوترات المسلحة غير المسيطر عليها، فإن استمرار النزاع، وبالتالي، التوتر الجزائري المغربي، لا زال يشكّـل حجر عثرة أمام عودة الروح لاتحاد المغرب العربي، الذي بُـنيت عليه آمال عريضة لقيام تكتّـل مغاربي.

فالاتحاد، الذي يضم منذ 1989 المغرب والجزائر إلى جانب تونس وليبيا وموريتانيا، يوجد بغرفة الإنعاش منذ منتصف التسعينات، دون أن يظهر بالأفق ما يؤشر على إحيائه قريبا، مع أن أطرافه لا زالت تؤكّـد رسميا تمسّـكها به، إطارا للتعاون بين دول الإقليم.

وكان تأسيس اتحاد المغرب العربي متأثرا بتحولات سياسية عرفتها دول الإقليم، حفزتها على التقارب وتناسي ما يفرّقها أو وضعه جانبا، ولعب الاتحاد دورا في تشجيع هذه الدول على مواصلة غمار هذه التحولات، وأساسا ذلك الانفتاح الداخلي على تيارات وقوى سياسية، ورفع شعارات صندوق الاقتراع، وإن كان لمرحلة قصيرة، عادت فيها المنطقة ودولها إلى سيرتها الأولى في علاقاتها الثنائية أو الجماعية أو في مقارباتها لترتيب أوضاعها الداخلية، مع انعكاسات التحولات العالمية ورياح الديمقراطية، التي هبّـت، وضغوطاتها.

المسلسل الديمقراطي

وكما النزاع الصحراوي، الذي اندلع ومعه بدأ المسلسل الديمقراطي المغربي، مُـقبل على محطة أساسية في مسار تسويته، فإن الديمقراطية المغربية هي الأخرى مقبلة - بالانتخابات التشريعية المقررة في خريف العام القادم - على منعطف تسميه النخبة السياسية المغربية، بانتهاء مرحلة الانتقال إلى مرحلة الديمقراطية، أي ترسيخ نظام المؤسسات المنتخبة ومنحها الفرصة للعب دورها في تدبير الشأن العام.

وبدأت معركة الانتخابات التشريعية منذ عدة شهور، حين وقفت تيارات يسارية معترضة وبشدّة على مشروع القانون المنظّـم للانتخابات، الذي قدمته الحكومة ولم يُـقرّه مجلس النواب حتى الآن، لتضمينه شروطا تتعلق بالترشيح، باشتراط حصول مرشحي الأحزاب التي لم تشارك في انتخابات 2002 على توقيعات مواطنين ومنتخبين، وأيضا وضع شرط الحصول على 7% من أصوات الناخبين كعتبة لتقاسم المقاعد.

وفتح إدريس جطو، الوزير الأول المغربي معركة ضدّه، حين أعلن في باريس أن الانتخابات القادمة ستُـعيد الأغلبية الحالية إلى تدبير الشأن العام وتشكيل الحكومة، وذلك لطمأنة المستثمرين الفرنسيين حول إمكانية فوز حزب العدالة والتنمية الأصولي، الذي تعتقد أوساط عديدة بإمكانية ذلك. وقال فاعلون سياسيون، إن تصريحات جطو تُـسيء للديمقراطية المغربية الفتية، لأنها تُـظهر أن السلطة هي من يُـحدد نتائج الانتخابات.

وبانتظار الحسم في القانون الانتخابي، تواصل التيارات المعترضة نشاطاتها المناهضة للمشروع، مرتكزة إلى أن المشروع "استبعادي ويتعارض مع الحريات العامة والحريات السياسية"، وهذه الحريات يتوقع أن تكون أيضا محور معركة قادمة للطامحين بتوسيعها وترسيخها، كتعبير من أهم تعبيرات انتهاء المرحلة الانتقالية ضد أطراف لا زالت تعتقد أن الانتقال التدريجي، يبقى الضمان الأفضل للاستقرار.

ملفات تظل مفتوحة

من جهة أخرى، سيبقى ملف الحريات وحقوق الإنسان مفتوحا خلال العام القادم، لتصفية تركة عقود من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بعد أن كلف العاهل المغربي الملك محمد السادس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، مواصلة البحث في الملفات التي لم تنجزها هيئة الإنصاف والمصالحة، التي شُـكّـلت لفتح هذه الملفات وطيها بعد تبيان الحقيقة، وتعويض الضحايا وعائلاتهم وجبر الضرر المادي والمعنوي.

ومن بين هذه الملفات ملفات المختطفين، وأبرزهم الزعيم المهدي بن بركة، مؤسس اليسار المغربي، الذي اختطفته المخابرات المغربية من أمام مقهى بالعاصمة الفرنسية باريس في أكتوبر 1965 واغتالته هناك، بالتعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي وعملاء المخابرات الفرنسية، دون أن يكشف عن مصير جثمانه، وأيضا مصير النشط اليساري الحسين المانوزي، الذي اختطفته المخابرات المغربية من تونس عام 1973 وبقي مصيره مجهولا إلى حد الآن.

ويقول النشط الحقوقي عبد الحميد أمين، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إن "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد السياسي الذي عاشته البلاد في العقود الماضية، شكلت الأرضية الأساسية للانتهاكات الجسيمة الاقتصادية والفساد المالي"، وبالنسبة للأوساط السياسية المغربية، فإن مكافحة الفساد وتبديد المال العام، تتطلّـب شفافية ومتابعة ومحاسبة وشرطا ضروريا للانتعاش الاقتصادي، وجلب الاستثمارات الأجنبية، التي عرفت خلال الشهور الماضية، (خاصة الخليجية منها)، ارتفاعا ملحوظا. ويُـتوقع، إذا ما واصلت السلطات المعنية الإصلاحات السياسية والاقتصادية، أن يتدفق المزيد منها خلال العام القادم، خاصة في ميدان العقار والسياحة أو الصناعات الوسيطة، وهي هدف المستثمرين الأوروبيين.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: سويس إنفو-24-12-2006