الأردن و بطة الإصلاح العرجاء

 

رنا صبّاغ غرغور

 

الأردن: توازن يُبعِد التغيير السياسي

للمرّة السادسة هذه السنة، تشكّك منظّمة "هيومن رايتس ووتش" في الوعد الذي أطلقه الأردن بإلغاء أحكام في قانونه الجزائي تُستعمَل فقط لإسكات الشخصيّات المعارِضة. في نوفمبر/تشرين الثاني، أُخضِع عدنان أبو عودة، الرئيس السابق للمحكمة الملكيّة، للتحقيق بتهمة إهانة الملك والتحريض على الفتنة المذهبية في معرض حديث متلفز له. عبر التعبير عن شعور تتشاطره شرائح واسعة من الأردنيين من أصل فلسطيني – نصف سكّان البلاد البالغ عددهم 5.6 ملايين نسمة – حيث يعتبرون أنّهم مقصيّون من الحياة السياسية الكاملة، أصاب أبو عودة البالغ من العمر 73 عاماً والمولود في مدينة نابلس في الضفّة الغربية، وتراً حسّاساً. أُسقِطت التهم ضدّه بسرعة بهدف الحدّ من الاستقطاب الداخلي والحؤول دون التعرّض لمزيد من الانتقادات الغربية حول تجربة الأردن المتعثِّرة مع سيادة القانون.

يُظهر ما حدث مع أبو عودة توقّف التقدّم الأردني نحو الديمقراطية بسبب انعدام الأمن المتجذّر إلى حدّ كبير في الأزمة الإسرائيلية-الفلسطينية المستمرّة. ما زال الجدل محتدماً في الأردن حول ما إذا كان من شأن الإصلاح الديمقراطي أن يهدّد الاستقرار ما دامت الأزمة الإقليمية لم تجد حلاً لها بعد، أو في المقابل، حول ما إذا كان فتح النظام السياسي تدريجاً هو السبيل الوحيد لضمان الأمن في المدى الطويل. منذ تولّيه السلطة عام 1999، أظهر الملك عبدالله ثباتاً في الإصلاح الاقتصادي أكثر منه السياسي، فاختار بعناية ليبراليين وتكنوقراطاً لتطبيق إصلاحات موجّهة نحو السوق بينما يظلّ متمسّكاً برؤساء وزراء ينتمون في شكل أساسي إلى اليمين الوسطي حرصاً على سلوك الانفتاح السياسي مساراً أبطأ.

كما هو الحال في معظم البلدان العربية، يكرّر الأردن نموذج فتح الإصلاح السياسي وإغلاقه بطريقة متقطِّعة حيث تُربَط التحوّلات في معظم الأحيان بالصراع العربي-الإسرائيلي الذي لم يجد حلاً له بعد ونتائجه على الأمن الداخلي. في الحلقة الأحدث في حكاية طويلة، أوقف الأردن الإصلاح السياسي بعد الهجمات الانتحارية التي نفّذها تنظيم "القاعدة" في فنادق في عمّان في نوفمبر/تشرين الثاني 2005. حلّت حكومة جديدة يرأسها استراتيجي في شؤون الجيش تحوّلا دبلوماسيا مكان حكومة برئاسة عدنان بدران الذي يصف نفسه بالأكاديمي الليبرالي وكان قد وعد بترويج الحرّية السياسية أثناء رئاسته لمجلس الوزراء التي استمرّت ستّة أشهر. أقرّ البرلمان "رزمة أمنية" من القوانين الصيف المنصرم بتحفيز من القصر الملكي وأجهزة الاستخبارات النافذة، لا سيّما قانون لمكافحة الإرهاب أثار مخاوف بشأن انتهاكات حرّية التعبير والحرّيات المدنية. ووضعت قوانين أخرى إصدار الفتاوى في يد الدولة ومنعت الواعظين من التكلّم على منابر المساجد بدون موافقة مسبقة. تُعتبر هذه القوانين أساسية لكبح التعصّب الديني – الذي يتغذّى من الفساد والفقر والبطالة والاستياء من سياسات الحكومة الموالية للولايات المتّحدة – في أوساط سكّان الأردن الشباب والخائبي الأمل.

في يوليو/تموز 2006، تلقّى "جدول الأعمال الوطني"، وهو عبارة عن خطّة عشرية للإصلاح أعدّتها لجنة ملكيّة برئاسة السياسي الليبرالي مروان المعشّر، ضربة قويّة عندما وُضِعت بنود جدول الأعمال التي تنصّ على تغيير القانون الانتخابي وتطبيق التمثيل النسبي على الرف. دعا القصر الملكي أكثر من سبعمئة أردني جرى اختيارهم بعناية ويمثلّون مختلف الأقطاب إلى اجتماع مغلَق للتوصّل إلى توافق آراء حول أولويّات السنتين المقبلتين لا سيّما التحدّيات الداخلية والإقليمية. وقد لُفَّت وثيقة "كلّنا الأردن" التي صدرت عن الاجتماع واختيرت كلماتها بدقّة، بغموض بنّاء لتلبية الحاجات المتنوِّعة لبيروقراطية محصَّنة وبرلمان قبليّ محافظ ومسؤولين حاليين وسابقين نافذين يكافحون للحفاظ على نفوذهم ونخبة غربيّة الميول غير راضية عن وتيرة الإصلاح البطيئة ومعارضة نافذة بقيادة الإسلاميين، ولاجئين فلسطينيين لا يزالون ناقمين من معاهدة السلام الموقَّعة مع إسرائيل عام 1994.

إذاً سيحتفظ الأردن حالياً بالقانون الانتخابي القائم على مبدأ "صوت واحد للشخص الواحد" الذي يعطي غالبيّة المناطق الريفية في الضفّة الشرقية أفضليّة على المدن ذات الكثافة السكّانية العالية التي تسكنها غالبية من الأردنيين من أصل فلسطيني. تفكّر الحكومة بالطريقة الآتية: لمَ نعالج مسألة خلافيّة كهذه في حين تُظهِر استطلاعات الرأي أن ّغالبية الأردنيين يفضّلون القانون الانتخابي الحالي إلى أن يتمّ التوصّل إلى تسوية كاملة للصراع العربي-الإسرائيلي ويُحدَّد مصير اللاجئين الفلسطينيين في الأردن.

يكثر أيضاً الحديث الرسمي المؤيّد لإرجاء الانتخابات البرلمانية العامّة المقرّرة في صيف 2007 لفترة قد تصل إلى سنتين، وذلك بسبب الاضطرابات في المنطقة. الدافع وراء خطوة مماثلة هو الخوف من فوز "جبهة العمل الإسلامية" النافذة بغالبيّة في البرلمان. لطالما عارض الإسلاميون في الأردن قرار قطع العلاقات مع الضفّة الغربية معتبرين أنّها جزء من وقف إسلامي ولا يحقّ لأحد التخلّي عنها. وقد يستعملون فوزهم الانتخابي لإقامة علاقات أوثق مع حركة حماس والدفع باتّجاه إنشاء دولة إسلامية بين الأردن وما تبقّى من الأراضي الفلسطينية.

يسير الأردن وأنظمة عربية أخرى على خيط يزداد صعوبة، ويتملّكها الخوف من جماهيرها المتململة والضغوط الغربية التي تُمارَس عليها من حين لآخر من أجل دفعها إلى إجراء إصلاحات، وأهمّ من ذلك كله الخوف من خسارة السلطة، ما يدفعها إلى توخّي الحذر. لا يستطيع الأردن أن يرجئ إلى ما لا نهاية منح مواطني الجيلَين الثاني والثالث من أصل فلسطيني حقوقهم السياسية. لكن في الوقت الراهن، الصمود السياسي هو الهدف الأساسي لا سيّما وأنّ القادة الأردنيين يعتبرون أنّ نتائج الانتخابات في العراق وفلسطين ولبنان أحدثت اضطراباً أكثر منه توافق آراء.

*رنا صبّاغ غرغور صحافية أردنية مستقلّة ورئيسة تحرير سابقة في صحيفة "جوردان تايمز".

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر:نشرة الإصلاح العربي-تشرين الثاني2006