لماذا يجب مراقبة الأداء الحكومي ؟...و ما هي الآليات؟

 

 

علي دنيف حسن

 

الـرقابة علـى الأداء الحــكومي ... المفاهيم والاليات

استطاع الانسان منذ اقدم الازمنة ابتكار العديد من الافكار والأشياء من خلال مراقبته لعامله البيئي كالظواهر الطبيعية وكذلك للعلاقات المختلفة بين المخلوقات الحية أوبين بني جنسه على وجه الخصوص.

ولايمكن باي حال من الاحوال معرفة متى بدأت الرقابة باشكالها المختلفة إذ انها تتخلل تضاعيف معظم النشاطات الانسانية فمراقبة شروق وغروب الكواكب والنجوم لاسيما الشمس والقمر منحت الانسان القدرة على وضع التقاويم ومعرفة التاريخ وحسابات المواسم والفصول .ولايوجد في الطبيعةعلى وجه العموم اشياءخارج الرقابة.وكأنها اصبحت من الأمور الملزمة لمختلف الفعاليات والعمليات والأنشطة سواء كانت هذه الأنشطة سياسية او اقتصادية اجتماعية اوعلمية او اي نشاطات أخرى.فالاسرة على سبيل المثال تراقب افرادها في الوقت الذي هي مراقبة من قبل المجتمع .والمجتمع مراقب هو الآخر من قبل الحكومة وسلطاتها المختلفة فما من شيء الا وينضوي تحت سلطة رقابة ما.

وتختلف طبيعة الرقابة تبعاً لحجم السلطة الممنوحة لها وللمعايير والأهداف التي تسعى لتحقيقها وتتنوع طبيعتها ومفاهيمها تبعاً للنشاط الذي تضطلع للعمل فيه.كما انها تختلف بشكل مؤكد تبعاً لأختلاف النظام السياسي المهمين على مقاليد السلطة وايديلوجيته وتوجهاته العامة والخاصة .فالرقابة الموجودة في ظل نظام استبدادي شمولي تختلف بطبيعة الحال عن تلك الموجودة في نظام ديمقراطي يحتكم لسيادة القانون ودولة المؤسسات والفصل بين السلطات الثلاث.

تعريف الرقابة 

في كل نظم العالم دينية كانت ام وضعية لابد من وجود نوع من الرقابة لتقييد حرية الفرد من اجل ان تتفق مع الاطار العام لنظام الجماعة والمجتمع ويمكن رؤية قيود الرقابة وحدودها في كل مفاصل الحياة الأنظمة فهناك عدد لايحصى من اشكال الرقابة كالرقابة الأدارية والمالية والدستورية القضائية والصناعية والذاتية والصحية والبرلمانية الخ.

وتعني الرقابة بشكل عام التحكم والتوجيه الذي يقوم فيه شخص او جماعة اوهيئة رسمية او شعبية في أمر او موضوع اوسلوك استناداً لضوابط ومعايير متفق عليها سلفاً بغية التخلص من الأخطاء التي تهدر الجهد والمال في طريق الوصول الى تحقيق الأهداف المرسومة .

ولكي تكون الرقابة فاعلة ومؤثرة فلابد لها من مرتكزات ثلاثة هي:

1- وجود قانون تستمد منه الجهة الرقابية قوتها وسلطتها .

2- وجود قواعد ومعايير سلوك تسري على الجهات الخاضعة للرقابة.

3- وجود قوانين صارمة لها القدرة الصلاحية لمعاقبة المخالفين للضوابط الرقابية.

الرقابة الحكومية

تعني الرقابة الحكومية مجموعة الأجراءات التي تضعها الحكومة للتأكد من التنفيذ الفعلي للخطط والبرامج المرسومة من قبلها لتحديد الانحرافات والأخطاء ان وجدت ودراسة اسبابها لعلاج نقاط الضعف التي تسببت فيها وبالمقابل تشجيع نقاط القوة والنجاح .ويقصد بالأجراءات الخطوات المتعاقبة والمراحل المتسلسلة التي يقصد من ورائها تنفيذ الأعمال وانجاز الأنشطة والتي يتخللها الروتين والبيراقراطية وبقية امراض الأجهزة الادارية في الدول النامية عموماً والمتخلفة على وجه الخصوص.

وللرقابة الحكومية اهداف كثيرة ابرزها:

1- تطبيق القوانين والتعليمات والتوجيهات الصادرة عن مختلف السلطات والمؤسسات والادارات الحكومية بصورة صحيحة لتحقيق الأهداف والنتائج المرجوة منها.

2- الحد من مظاهر الفساد المالي والاداري في دوائر الدولة والدوائر المدنية المرتبطة بها بعقود اوتعهدات او بأي شكل من اشكال الشراكة منعاً لأهدار المال العام.

3- الحفاظ على النشاط الحكومي بعيداً عن الاهواء والميول الشخصية والسياسية والمناطقية او أية ميول آخرى من شأنها حرف النشاط عن توجهاته الحقيقية.

4- تحديد مدى التزام الجهات التنفيذية بما أقرته ووافقت عليه الجهات التشريعية في المجلس التشريعي والموضح في الموازنة العامة للدولة.

5- التأكد من ان عمليات التنمية ومشروعاتها كافة لاسيما المشاريع الانتاجية تسير وفق الخطة او الخطط الحكومية بدقة ونجاح .

6- تحديد السلبيات والأزمات والأخفاقات التي ترافق النشاطات الحكومية لوضع البدائل الناجحة والحلول السريعة لتجاوزها والسير قدماً في عمليات التنفيذ.

7- ضمان وصول الخدمات المقررة للمواطنين كخدمات توفير المياه الصالحة للشرب والكهرباء والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم والأمن  والاستقرار وغيرها.

متطلبات الرقابة

لايمكن لأية رقابة حكومية سواء كانت رقابة ادارية او مالية اوقضائية او برلمانية تحقيق أهدافها وتنفيذ الواجبات الملقاة على عاتقها مالم تتوفر شروط عدة أهمها:

1- السلطة القانونية :بمعنى ان الجهة الرقابية تستمد سلطتها من قوانين وتشريعات وانظمة وتعليمات متفق عليها بعد اقرارها من قبل السلطات التشريعية في البلاد وهو من يعطي الجهة الرقابية تخويلاً عاماً بممارسة اعمالها وفق هذه القوانين.

2- الاختصاص:نظراً لتوسع وتنوع نشاطات الحياة العامة وزيادة تعقيدهذه النشاطات فقد تنوعت اختصاصات الرقابة الحكومية تبعاً لذلك ماجعل الحكومات تشكل اكثر من جهة رقابية لكل جهة منها اختصاصها ومناخها الذي تعمل فيه.

3- توفر المعلومات :لايمكن لأية جهة رقابية ممارسة نشاطها بدون وجود المعلومات اللازمة عن سير العمليات الادارية والمالية والقانونية التي تضطلع الجهة بمراقبتها لكي تتمكن من اصدار احكامها التقييمية وفقاً للمعلومات والمعطيات المتوفرة لديها.

4- وجود المعايير:ويقصد بها تحديد المقاييس والمواصفات المثالية للاداء الناجح وقد تكون هذه المقاييس كمية او قيميةاو زمنية او نسبية اي ان هناك نماذج مثاليةسابقة يمكن القياس عليها من خلال الاداء والنتائج وحجم الهدروالخسائر والربح كذلك من خلال المقارنة.

5- وجود العقوبات: تبقى احكام الرقابة حبراً على ورق مالم تساندها العقوبات الانضباطية والادارية والجزائية بحق المخالفين والمسيئين والمتجاوزين على الشروط والقوانين العامة والخاصة في الانشطة الحكومية فتطبيق العقوبات بحق هؤلاء يعزز دور الرقابة ويدفع الآخرين الى عدم تجاوز الأطر الموضوعة للسلوك والنشاط الحكومي.

اقسام الرقابة

تقسم الرقابة الحكومية الى اقسام عديدة تبعاً لأسس معينة منها:

1- الرقابةعلى اساس الاختصاص/هناك رقابة مالية ودستورية وتجارية وقضائية وصحية وحسابية وغير ذلك الكثير.

2- على اساس الزمن/فهناك  رقابة سابقة للتنفيذ والنشاط ورقابة مواكبة للنشاط ورقابة لاحقة على اساس النتائج.

3- على اساس الجهة/ هناك رقابة داخلية ،اي الرقابة المنبثقة من داخل المؤسسة الحكومية نفسها بما لديها من قوانين ونظم ومعايير وتعليمات .ورقابة خارجية صادرة عن جهات حكومية أخرى كديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وغيرها فضلاً عن الرقابة الشعبية المتمثلة بوسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني.

وهناك تقسيمات عديدة تقوم على اسس اخرى.

 الرقابة على الأداء

ان قياس الاداء في الوقت المناسب يساعد على اتخاذ الاجراء ات التصحيحية في الوقت المناسب ايضاً ولضمان التفاعل المستمر بين التخطيط والرقابة ولتوفير التغذية العكسية للعملية التخطيطية فان دورية الرقابة يجب ان تكون اكثر من دورية التخطيط فعلى سبيل المثال فأن الخطة السنوية يلزمها رقابة شهرية بينما الخطة الشهرية يلزمها رقابة يومية لكن هذه الدورية قد تتغير في بعض الأحوال الاستثنائية لظروف طارئة واستناداً الى ذلك يجب ان تكون المؤسسة على درجة عالية من المرونة للتعامل مع مختلف الظروف.ومن خلال الرقابة على الاداء يمكن تلافي الكثير من الاخطاء والانحرافات في مسار التخطيط قبل اعتبارها نتائج نهائية.وتمر الرقابة على الاداء بعدة مراحل أهمها:

اولاً: وضع معايير الأداء:

1- وضع معايير الأداء الرئيسية :وهي المجالات التي يمكن من خلالها الحكم على اداء المؤسسة او المنظمة واداراتها المختلفة ،ويراعى عند تحديد مجالات الأداء ان تستوعب الاهداف التي تسعى الادارة لتحقيقها كافة وبالتالي فقد يكون للادارة الواحدة مجالات اداء مختلفة عديدة.

2- تحديد معايير ((مؤشرات))الاداء الاساسية:وذلك عن طريق تحديد المقياس المناسب لقياس مجالات الأداء السابقة وهذا المقياس أما كمي او قيمي اوزمني اونسب وعلاقات تجمع بين هذه العناصر مثل الكمية المنتجة في مدة زمنية او تكلفة الوحدة او اي شيء آخر.

ثانياً: قياس الاداء:ويتم ذلك من خلال :

أ-وضع توقيتات دورية للرقابة.

ب-تقييم الاداء من خلال المقارنة مع اداء مرجعي آخر كأن تكون المقارنة مكانية اي بين مؤسسة ومؤسسة اخرى او زمانية اي بين ادارة سابقة ولاحقة اوبين اداء نمطي واداء مستهدف.

ج-اساليب وسائل عرض نتائج الاداء وتتم من خلال وسائل عديدة كالتقارير المختلفة والخرائط والرسوم البيانية وجداول البينات .

ثالثاً: تحليل ومعالجة البيانات:وتتم هذه العمليات من خلال:

أ- قياس الأهمية بالنسبة للسلبيات والانحرافات فقد توجد انحرافات كثيرة غير ذات أهمية لانخفاض قيمتها المالية وعدم تأثيرها على الخط العام لتحقيق الاهداف في الوقت الذي قد توجد فيه انحرافات بسيطة لها تداعيات خطيرة على الاهداف.

ب- تحديد اسباب الانحرافات والعوامل المؤثرة في ظهور الانحرافات وتراكمها.

ج-مقارنة الوضع الموجود بما مخطط له في المستقبل لمعرفة ما اذا كانت الظروف والاسباب التي ادت للوضع الحالي ستظل كماهي عليه أم انها ستتغير في المستقبل.

رابعاً: اقتراح وتنفيذ الحلول:

عند وضع الحلول اللازمة لتصحيح الانحرافات وتطبيقها غالباً مايؤخذ بالاعتبارات التالية:

1- النظرة الشمولية للمشكلة/ذلك ان المشاكل غالباً ماتكون ناتجة عن عوامل عدة تتوزع في مفاصل مشتبكة بعلاقات متعددة وفي انظمة قد تكون متباعدة عن بعضها .

2- الاعتماد على الخبرات المكتسبة والتجارب المشابهة سواء كانت داخلية او خارجية لوضع الحلول اللازمة .

3- التخطيط للتغيير/ان الوصول للحل الأمثل قد يكون سهلاً نسبياً لكن كيفية تطبيقه تحتاج الى جهد وعناية لاسيما بوجود العنصر البشري لماله من آثار جانبية يجب أخذها بنظر الاعتبار.

مستويات الرقابة

توجد ثلاثة مستويات للرقابة بشكل عام طبقاً لمدى تطور المفهوم الرقابي في المؤسسة التي تشكل وحدة اونموذجاً من نماذج الادارة والنشاط الحكومي.وتأخذ المؤسسات المتطورة بالمستويات الثلاثة بينما تأخذ الدوائر والمؤسسات الأقل تطوراً بالمستوى الاول فقط والمستويات هي:

اولاً:الرقابة على عدم ضياع الموارد:

وهواول مستويات الرقابة حيث يتم التأكد من عدم ضياع الموارد او الخامات اوقطع الغيار سواء نتيجة للتلف او السرقة كذلك فان المعدات غير المستغلة  والعمالة التي لاتعمل تعد موارد ضائعة.

ثانياً: الرقابة على كفاءة استخدام الموارد:

ويتم في هذا المستوىالتأكد من استخدام الموارد طبقاً لمعدلات واقعية ونمطية مقبولة.والتأكد كذلك من عدم وجود اسراف او هدر في استخدام هذه الموارد بالعديد من المؤشرات والدلالات.

ثالثاً: الرقابة على فعالية المخرجات في انجاز الاهداف:

وهي اعلى مستويات الرقابة حيث يتم التأكد من ان الانشطة التي تقوم بها الجهة هي الانشطة اللازمة لتحقيق أهدافها وان مخرجات او نواتج هذه الانشطة تتماشى مع الاهداف وتتم بالكيفية والكمية والقيمية المطلوبة.

الرقابة وطبيعة النظام السياسي

تعني الرقابة على وجه العموم ملاحظة أمر او موضوع اوقضية او سلوك فرد او جماعة من قبل فرد او مجموعة او مؤسسة او سلطة عرفية او حكومية لتعيين مواضع الخطأ والخلل في السلوك والأجراءات والأهداف استناداً لمقتضيات المصلحة العامة سواء كانت هذه المصلحة سياسية او اقتصادية اجتماعية او ثقافية ،ثقافية او دينية او أية مصلحة أخرى .وقد فرضت السلطات المختلفة منذ نشأتها وحتى الآن صيغاً وأطراً من الرقابة المتنوعة على جوانب الحياة كافة استناداً لحجج وذرائع شتى لتكريس هيمنتها على انساق الحياة العامة وصياغتها وفق ماتمليه مصالحها وارادتها وتوجهاتها القيمية والأخلاقية بغض النظر عن مسوغات وجود هذه القيم وعن المبررات المختلفة لمرجعياتها الثقافية.

*الأنظمة الشمولية والاستبدادية

كانت الأنظمة الشمولية والاستبدادية ومازالت من اكثر الانظمة السياسية في التفنن في اقتراح الأنظمة الرقابية بل ان رقابتها الصارمة تدخلت في جوانب حياة مواطنيها كافة لاسيما في مجال حرية الرأي والتعبير وحرية تشكيل الاحزاب والنقابات والتجمعات السياسية والاجتماعية والثقافية وكذلك اصدار الصحف والمجلات وعقد الندوات والقيام بالاعتصامات والتظاهرات .فقد فرضت هذه الأنظمة قيوداً رقابية صارمة على هذه الجوانب غير مبالية بمواثيق حقوق الانسان والعهود والاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص.وقد سعت هذه الانظمة فضلاً عن ذلك الى وضع قوانين وتعليمات رقابية تتعلق بنشاط المواطنين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وفرضت عليهم من خلال اجهزتها الرقابية والبوليسية أطراً محدودة ضيقة للحياة. والملاحظ في هذه الانظمة انها تستعين بتقارير اجهزتها الخاصة فقط وتعاقب كل من يتصدى لرقابة هذه الأجهزة وانتهاكاتها لحقوق الانسان المختلفة.

ولم تترك هذه الأنظمة للرقابة الشعبية او الجماهيرية المتمثلة بوسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني وعموم المواطنين سوى هامش بسيط وضيق يقع تحت رقابتها الفعلية الصارمة ليقوم باداء واجب الرقابي تحت شروط قمعية واسعة.كما ان الأجهزة الرقابية للأنظمة الشمولية والاستبدادية تأخذ بعين الأعتبار قضية الحفاظ على النظام السياسي كأحدى اولوياتها الأساسية قبل اي شيء .ولاتنشر في تقاريرها الدورية سوى بيانات ومعلومات مضللة للرأي العام وتعمد الى تسوية الانحرافات الموجودة في التخطيط والادارة والتنفيذ بينها وبين النظام السياسي بعيداً عن اعين الجماهير وحاجاتها الملحة والأساسية.

ومن خلال ذلك يتوضح ان الرقابة في الانظمة الشمولية تتميز بمايلي:

1- انها تتدخل بكل صغيرة وكبيرة وتتنوع أجهزتها حجماً ونوعاً وكيفاً وتغطي مساحات وانشطة الحياة كافة.

2- انها لاتهتم بآراء الرقابة الشعبية بل وتحاول طمس ملامح تلك الرقابة وازاحتها عن طريقها بكل الوسائل والسبل المتيسرة .

3- تبتغي من خلال عملها ونشاطها المتعدد والمتنوع الحفاظ على النظام السياسي وادامة وجوده ووجود اجهزته القمعية المختلفة .

4-لاتعتمد الرقابة الشمولية على الشفافية في نشر تقاريرها وبياناتها اذ ان عملها تكتنفه السرية والغموض بذريعة مراعاة الظروف الأمنية للنظام.

5- تؤكد في كل عملياتها على مبدأ الولاء للنظام السياسي بعيداً عن الكفاءة ولايهمها حجم الانحرافات والخسائر المختلفة في النشاطات الحياتية المختلفة

فالولاء للنظام يقع في رأس قائمة اولوياتها.

6- تفتقد الى المرونة في التعاطي مع مستجدات ومتغيرات الظروف الطارئة لارتباطها بقوانين وتعليمات صارمة.

7- لاتمتلك أية صلاحيات استثنائية يمكن من خلالها الفصل والحكم حتى في ابسط الأمور لأن أوامر وتعاليم مرجعياتها لاتقبل الجدل.

8- تمتاز بالبيروقراطية وتتخلل اجراءات  العوائق الروتينية لارتباطها بالتوجه المركزي للنظام كما ان اغلب العاملين فيها هم من عديمي الكفاءة والموهبة لاعتمادهم على الولاء للنظام وكذلك المحسوبية والمنسوبية في حصولهم  على مواقعهم الوظيفية.

9- تعد الرقابة بشكل عام احدى الوسائل المهمة للحفاظ على مكتسبات ووجود النظام السياسي بغض النظر عما تعانيه الجماهيرمن قيود وقمع للحريات العامة وتدن في مستويات الخدمات المقدمة للجمهورفهي بهذا المنحى احدى وسائل خدمة النظام وليست وسيلة من وسائل تطوير خدمة الجماهير.

10- تكون الرقابة باشكالها ووسائلها وحجمها خاضعة لتوجيه فرد واحد او مجموعة افراد يستأثرون بالسلطة ويوجهون مصالح البلاد نحو الوجهة التي تخدم وجودهم ومصالحهم

 ووجهات نظرهم اي انها توجه بشكل مركزي.

الرقابة في الانظمة الديمقراطية

تتصف الرقابة في الانظمة الديمقراطية بمواصفات معاكسة لمثيلاتها في الانظمة الشمولية والاستبدادية فهي متعددة ومنفصلة تبعاً لفصل السلطات وتآزر السلطات فيما بينها لتحقيق الصالح العام كما ان لها اطرها العامة البعيدة عن التدخل في تفاصيل الحياة العامة للمواطنين وحقوقهم التي يقرها الدستور والقوانين الساندة وتؤكد على الحريات العامة بما في ذلك حريةابداء الرأي والتعبير وتأسيس الاحزاب والنقابات والتجمعات الخاصة. وبغض النظر عن الأجهزة والدوائر الرقابية الحكومية فأن هناك تواجداً ملحوظاً للرقابة الشعبية الفاعلة من خلال ماتنشره وسائل الاعلام من تقارير واخبار ووجهات نظر تتعلق بالخطط والمشاريع الحكومية والمدنية على حد سواء اي ان الرقابة لاتكون حكراً على السلطة الحكومية او النظام السياسي .اذ بامكان اي مواطن او جماعة او صحيفة او وسيلة اعلام ان تدلو بدلوها في مراقبة مجريات تنفيذ الخطط والمشاريع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكشف الأخطاء والانحرافات المرافقة لعمليات الاعداد والتخطيط او التنفيذ والمباشرة بما توجهه من نقد بناء يعتمد مصالح الوطن والمواطن بالدرجة الأولى بعيداً عن الولاء للنظام السياسي القائم اولهذا الطرف او ذاك .فهي رقابة شراكة بين الحاكم والمحكوم وفق أطر موضوعية تتسم بالصدق والشفافية العالية من اجل الصالح العام . كما ان حرية الوصول الى القرارات والمعلومات والبيانات المتعلقة بالخطط والمشاريع الوطنية مكفولة للجميع لكي يتم تقييمها ودراسة جدواها والبت النهائي في أمر تنفيذها ووضعها موضع التطبيق من خلال ماتمنحه الأنظمة الديمقراطية من حريات واسعة للمشاركة في صنع القرارلعموم المواطنين .ومن خلال ما تملكه الجماهير في ظل هذه الانظمة من وسائل للتعبير عن غضبها واستنكارها او تأييدها وموافقتها للقرارات والخطط والمشاريع المزمع تنفيذها على ارض الواقع بعيداً عن أية حجج اوذرائع ففي هذه الأنظمة يتحول المواطن العادي الى مراقب ومراقب في الوقت نفسه اذ يمكنه ابداء رأيه حتى لو كان متواضعاً بمجمل الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ورقابة المشاركة هذه لايهمها مصلحة النظام الحاكم بقدر مايهمها مصلحة الجماهير وتطلعاتها العامة.

الرقابة الذاتية   

تحتاج الرقابة الى الكثير من الأموال والجهود لماتتطلبه من طاقات بشرية ومادية ولما تستغرقه من عمليات متابعة وتوجيه لما يجري في نشاطات ووجوه الحياة المختلفة.ولذلك تسعى الحكومات جميعاً فضلاً عن منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام ومؤسسات الضبط الأجتماعي كالأسرة والمدرسة والمجتمع الى تعزيز روح الرقابة الذاتية لدى الأفراد من خلال انساق التربية والتعليم والعلاقات الاجتماعية. ويتم ذلك بتعليم الفرد جدوى القوانين والتعليمات والانظمة وتبصيره بالاطر العامة لآخلاقيات التعامل المختلفة بما يعود عليه وعلى المجموع بالنتائج الايجابية وهو مايخلق بالتالي جيلاً او اجيالاً تتصف بالصدق والنزاهة والأخلاص في العمل الدؤوب لتحقيق اهداف الصالح العام.

وتعد الرقابة الذاتية أول الاسس الوقائية لتحصين الفرد والمجتمع من الانغمارفي مستنقع الفساد الاخلاقي والمالي والاداري ليكون بعيداً عن ممارسة السلوكيات المنحرفة كالسرقة والاختلاس والرشوة والتهريب والاتجار بالممنوعات والغش الصناعي التجاري وما الى ذلك.

ولقد حرصت الاديان والعقائد القديمة ونظريات التربية والفلسفة الحديثة وكذلك الاعراف التقليدية على تلقين الفرد شتى النصائح والعبر والمواعظ لتحصينه ضد مخاطر الفساد المختلفة بمعنى ان عمليات الارشاد والتوعية والتوجيه يمكن ان تكون لها نتائج مجدية في تحقيق وتكريس الاطر العامة والخاصة للتعامل الاجتماعي والحكومي لاسيما اذا كان هذا التوجيه والارشاد مدعوماً بمبدأ الثواب والعقاب وتقف خلفه منظومة قانونية وتشريعية قادرة على التعامل مع مستجدات ومتطلبات الحياة بشبكاتها

 المعقدة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-9-12-2006