أوروبا و الفزاعة الإسلامية...هل من مخرج؟!

 

 

الإتحاد الأوروبي و"الإسلاميون المعتدلون".. علاقة لم تتضح بـعـدُ

ماذا لو افترضنا احتمال قيام تعاون مستقبلي بين الحركات الإسلامية، التي قد توصف بـ "المعتدلة" وبين الاتحاد الأوروبي؟

عدد من الباحثين العرب والغربيين انكبوا على دراسة هذه الفرضية من خلال سبع حالات تشمل المغرب والجزائر و تونس ومصر وفلسطين ولبنان وتركيا.. وتطارحوا في إشبيلية بعض ما توصلوا إليه.

"الإسلام السياسي وسياسة الجوار للإتحاد الأوروبي": هو عنوان ندوة علمية احتضنتها مدينة إشبيلية الأندلسية يومي 24 و25 من شهر نوفمبر 2006.

هذه الندوة اشترك في إعدادها وتنظيمها ثلاث مؤسسات تحظى بالاحترام. أولها، "مركز الدراسات السياسية الأوروبية (CEPS)"، الذي يتّـخذ من بروكسل مقرا له، وثانيها، "مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي (FRIDE) مقرها مدريد، وأخيرا، منظمة إسبانية تسمى "مؤسسة الثقافات الثلاث بحوض البحر للمتوسط".

التفكير في عقد هذه الندوة ليس معزولا عن المتغيرات الجارية على الصعيدين، الدولي والإقليمي. فالحركات الإسلامية لم تعد حادثة عابرة في تاريخ هذا البلد أو ذاك. لقد تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مشكلة تشغل الجميع، ومَـعطى لم يعُـد بالإمكان أن يتجاهله الباحثون والحكومات.

ولا يعود ذلك فقط إلى أحداث 11 سبتمبر 2001، التي هزّت الجميع وبعثرت الحسابات والتوقعات، وإنما أيضا نتيجة الصّـعود المتواصل لما يُـسمى بالإسلام السياسي في أكثر من بلد، بعد أن ظن البعض بأن الظاهرة مرشحة للتراجع والانحسار.

لقد أراد المنظمون لهذه الندوة أن يستبِـقوا الأحداث، فافترضوا احتمال قيام تعاون مستقبلي بين الحركات الإسلامية، التي قد توصف بـ "المعتدلة" وبين الاتحاد الأوروبي وطلبوا من بعض الباحثين دراسة هذه الفرضية من خلال سبع حالات هي، المغرب والجزائر وتونس ومصر وفلسطين وسوريا ولبنان وتركيا.

تمحورت الأبحاث حول معرفة موقف عددٍ من الكوادر الرئيسية للحركات التي تم اختيارها من النموذج الديمقراطي الأوروبي، ومدى صلاحيته ليشكل "مرجعية مِـعيارية لتحقيق التطلعات الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية" مع مقارنته بنموذج الديمقراطية الأمريكية، وما موقفهم من السياسة الخارجية الأوروبية عموما، وسياسة الجوار تحديدا؟ وهل قام الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن الحقوق السياسية للإسلاميين؟ وما الذي يمكنه أن يفعل في هذا السياق؟ وهل يعتقدون بأن أوروبا مؤيدة للديمقراطية أم أنها تقف إلى جانب الاستبداد؟ وفي صورة وصول هذه الحركات إلى السلطة في أي بلد من بلدان جنوب المتوسط، هل تنوي إحداث تغييرات جوهرية في علاقة دولها بأوروبا عموما، وبالاتحاد الأوروبي خصوصا؟

ازدواجية المعايير

اللافت للنظر، هو أن الجِـهات، صاحبة المبادرة، حرِصت على معرِفة كيف ينظر الإسلاميون إلى مستقبل تعاون حركاتهم مع اتحاد أوروبا؟ وما هي مجالات التعاون المحتملة، التي يفضلونها أو يعطونها الأولوية؟ لهذا، تُـعتبر هذه المبادرة الأولى من نوعها، التي دعت الحركات الإسلامية في المنطقة إلى التفكير في إمكانية إقامة علاقات سياسية مع الحكومات الأوروبية.

فرغم اختلاف زوايا نظر الباحثين، إلا أن الدراسات التي أعدّوها قد كشفت عن وجود تقاطعات بين مواقف الحركات الإسلامية حول عدد من المسائل المطروحة.

فجميع هذه الحركات تقريبا، أبدت استعدادها للتفاعل إيجابيا مع مبدأ الحوار والتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وإذ تمّ التحفّـظ على ما اعتبرته نقائص أو عيوب في النماذج الديمقراطية الأوروبية، إلا أن الإسلاميين، الذين تم استجوابهم، اعتبروا الديمقراطيات الأوروبية أفضل في بعض الجوانب من نموذج النظام الديمقراطي الأمريكي، كما حاولوا في العموم أن يفصِـلوا بين الديمقراطية كمفهوم، وكآلية لتنظيم عملية التداول على السلطة وبين الغرب، رافضين وجود علاقة ميكانيكية بينهما، وإن كان العديد منهم (الإخوان المسلمون في مصر) قد أكّـدوا تحفّـظهم على الاعتقاد بأن النموذج الديمقراطي هو نموذج كوني.

لكنهم، في مقابل ذلك، انتقد الإسلاميون سياسات الاتحاد الأوروبي الخارجية واتـهموه، بازدواجية المعايير ودعم الأنظمة المستبدّة في المنطقة، ودعوه إلى التصالح مع مبادئه وقِـيمه، الداعية للحرية وحقوق الإنسان.

وركّـزت هذه الحركات انتقاداتها بالخصوص، على مواقف الاتحاد من الصِّـراع العربي الإسرائيلي، وخاصة مشاركته الفاعلة في ضرب حصار دولي حول الشعب الفلسطيني ضِـمن خُـطة إسقاط حكومة حماس أو وضع العراقيل أمام طلب تركيا الانضمام إلى النادي الأوروبي.

مع ذلك، بدا واضحا من العُـروض، أن عموم هذه الحركات تجهَـل ما هو المقصود بسياسة الجوار، التي يدعو إليها الاتحاد، ولا تعرف من برامجه العامة إلا الشيء النادر والبسيط. فهذه المسألة لا تحتل أولوية في برامج هذه الحركات، ولعل الظروف الصّـعبة، التي تمر بها، جعلت الكثير منها مشغولا بالسعي اليومي من أجل ضمان البقاء والاستمرار.

الكرة الآن في الملعب الأوروبي

ما يُـطالب به "الإسلاميون المعتدلون" حاليا، هو أن يتخلّـى الاتحاد الأوروبي عن تحفّـظاته تُـجاههم، وأن يُـميِّـز بينهم وبين دُعاة العنف وأن يتجنّـب مستقبلا استعمال "الفيتو"، على حد تعبير بعضهم، عندما يتعلّـق الأمر بحقهم في التعبير والتنظيم، وألا يُـميز بينهم وبين الأطراف السياسية القريبة منه، بل إن بعضهم ذهب إلى حدّ دعوة الاتحاد إلى أن يدرج ضمن اختياراته العمل على إدماج الحركات الإسلامية في عملية الإصلاح والحياة السياسية، وربما التفكير في لعب دور ما لفَـكِّ حالة الاشتباك بين هذه الحركات وحكوماتها، دون أن يعني ذلك "القبول بالتدخّـل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة أو المسّ من سيادتها"، وما طرحه الإسلاميون بإلحاح في الورقات، التي أعِـدّت لهذه الندوة، هو توجيه السؤال التالي إلى الحكومات الأوروبية: "هل أن أوروبا مستعدّة للقبول بنتائج أي انتخابات ديمقراطية وشفافة تكون في صالح هذه الحركات"؟ فما حدث مع حركة حماس، جعل أغلب الإسلاميين يشكّـون في صدقية الخطاب الغربي، الداعي إلى نشر الديمقراطية في العالم العربي.

ؤذأما الأوروبيون من جهتهم، فهُـم، بالرغم من إدراكهم لما تتمتّـع به هذه الحركات من ثقل شعبي وسياسي، إلا أنهم لا يشعرون بالاطمئنان تُـجاهها ولا يثقون في نواياها وأهدافها، كما أنهم يخشون من أن ينخرِطوا في حِـوار مباشر معها، فيُـثيرون في المقابل، شكوك وغضب الحكومات العربية التي تربطهم بها صداقات وتعاون وثيق في مختلف المجالات الحيوية، ولهذا، حرِص خُـبراء الاتحاد الأوروبي، الذين حضروا فعاليات ندوة "إشبيلية" على الاكتفاء بالاستماع والدعوة إلى التمهّـل وعدم "حرق المراحل"، مع التذكير بأن الأوروبيين كانوا أسبق من الأمريكيين في طرح مشروعٍ مُـتكامل يُـوازي بين التنمية والديمقراطية والسلام، وذلك منذ مطلع التسعينات، ممثَّـلا في "إعلان برشلونة"، وهو تخوّفٌ له مبرِّراته من وجهة النظر الأوروبية، غير أنه لم يمنع الاتحاد من بعث خلية بحث مختصّـة في فهم ورصد "حركات الإسلام السياسي في المنطقة".

في مقابل ذلك، ألقى الإسلاميون الكُـرة في الملعب الأوروبي، وهو ما أفصح عنه مثلا السيد حمادي الجبالي، القيادي في حركة النهضة (المحظورة في تونس) عندما اعتبر أن كل تعاون "يُـحتِّـم وجود طرفين على الأقل، يتبادلان الاعتراف قبل الشروع في التعاون"، كما افترض بأن ذلك يتم عندما "تتوفّـر إرادة صادِقة للتعاون، وثقة مُـتبادلة ومُـصارحة لخدمة مصلحة الطرفين"، وتساءل "هل أن أوروبا مستعدّة الآن (ويلح على كلمة الآن)، أن تعترف بالواقع وتُـقرَّ بوجود طرف له وزنه وحضوره الشعبي ومصداقيته، إضافة على حقه الطبيعي في الوجود على الساحة السياسية المحلية والعالمية"؟

معلومات أساسية

- احتضن مقر مؤسسة الثقافات الثلاث بحوض الأبيض المتوسط في إشبيلية فعاليات الندوة العلمية يومي 24 و25 نوفمبر 2006.

- كان موضوع الإسلام السياسي وسياسة الجوار الأوروبي محور الندوة، التي نظمتها مؤسسة الثقافات الثلاث بحوض الأبيض بالاشتراك مع مركز الدراسات السياسية الأوروبية (مقره بروكسل) ومؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي الإسبانية (مقرها مدريد).

- شارك في الندوة خبراء أوروبيون وآخرون قدموا من بعض بلدان الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط من بينهم: محمد المصري (الأردن) وخالد الحروب (فلسطين) وعماد شاهين (مصر) وطلال عتريسي (لبنان) وسمير الأمغر (المغرب) وأمال بوبكر (الجزائر) وسينيم أيدين (تركيا).

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: سويس إنفو- 4-12-2006