فّهم الإنفتاح السياسي الحالي في العربية السعودية: الإستيقاظ من السبات الوهابي

 

 

عمرو حمزاوي

ترجمة كامل الزيادي

 

 

"هذا بلد لا يُتَوَقَّع منه أن يُجيز الأحزاب السياسية أو تنظيم إنتخابات تنافسية صحيحة في المستقبل القريب، ناهيك عن ظهور سلطة تشريعية قوية أو نظام قضائي مستقل".

 شهدتْ السنوات الأخيرة حِراكاً سياسياً لا سابق له في العربية السعودية. فقد اتخذت الحكومة سياسات إصلاحية متنوعة منذ عام 2002. ورغم أن هذه الإجراآت تبدو أقل أهمية بكثير حين مقارنتها بالتطورات السياسية في بلدان عربية أخرى مثل لبنان ومصر، فإنها تُشكل عناصر إنفتاح ذي مغزى في السياسة السعودية الدكتاتورية.

عاشت السعودية في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم فترة تعزيزالسلطة الدكتاتورية. فقد إستخدمت العائلة السعودية المالكة إيرادت النفط العالية لدعم وتقوية سيطرتها وتوسيع شبكات الولاء الموروثة الموجودة في كل أنحاء البلاد.

وهكذا تضخّمَتْ المؤسسة الحكومية و معها برز دور القوات الأمنية والمؤسسة الدينية الوهابية بصورة مهيمنة وإشتدت قبضة السلطة على المجتمع. وهكذا أُسْتُبْدِلَتْ التعددية المتجذّرة في التركيبة القبلية للمجتمع السعودي وفي الحكم الخيّر للملوك الأوائل بسلطة قمعية وأيديولوجية وهابية أصولية شرسة.

عرّضت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 المجتمع السعودي الى النتائج الكارثية لسُباته الوهابي السلطوي. وكانت النتيجة الأولى لهجمات الحادي عشر من أيلول هي تعرّض العائلة المالكة إلى ضغط دولي متزايد من أجل إدخال إصلاحات لمواجهة التطرف والإرهاب.

على أي حال، كانت الهجمات محفزاً للنقاشات بين النُّخَب السياسية والفكرية تتعلق بـ: "ماذا جرى؟" و" ما يجب القيام به؟" وأُعْطِيَتْ فجأة الأصواتَ المحلية المطالبة بالإصلاح أذناً صاغية.

وفي السنوات الأخيرة، أدخل هذان العاملان- المناشدة الداخلية والمناشدة الدولية بالإصلاح- عناصر جديدة من الإنفتاح والحراك في الواقع السياسي السعودي. كما قد ولّد هذان العاملان بواعث كافية لحمل الحكومة على السير على طريق الإصلاح.

الإجراءات الإصلاحية ما بين 2002 و 2005

نشأت إجراءات الإصلاح الحديثة في السعودية في خِضمّ تجاذب القوة بين اللاعبين السياسيين الرئيسيين. وإلى درجة كبيرة، فقد حدد التفاعل الدائب بين العائلة المالكة والمؤسسة الدينية الوهابية سرعة الإصلاحات المُطَبّقة ومداها.

على أي حال، فقد دخل لاعبون آخرون المجال السياسي وما برحوا يلعبون دوراً مهماً في صياغة العملية الإصلاحية. ورغم أن هذه المجموعات المنشقة، وأهمها المجموعات الإصلاحية الليبرالية، المجموعات الإسلامية المعتدلة، ورجال الدين المحافظون المنتقدون للوهابية الرسمية!!، بعيدة كل البعد من أن تكون حركات معارضة منظمة وفعالة، إلا أنها طرحت قضايا الإصلاح أمام الرأي العام وبهذا جعلت العائلة المالكة والمؤسسة الدينية تلتفت إلى مطالبها.

إن الإصلاحات التي طبقتها الحكومة السعودية في السنوات الأخيرة أعادت الحياة إلى المجالس الإستشارية الموجودة وأدخلت آلية للإنتخابات على المستوى البلدي. وبزغت فرص جديدة لمشاركة المواطن في المجتمع المدني واتسع هامش الحرية في الحياة العامة بصورة كبيرة. بالإضافة إلى هذا فإن المسرح السياسي أصبح أكثر تنوعاً مع دخول لاعبين جدد إستطاعوا أن يحرزوا الدعم الشعبي لبرامجهم الإصلاحية.

ورغم أن هذه التغييرات تمثل إنفتاحاً مهماً في السياسة السعودية، إلا أنها لم تغير الطبيعة الدكتاتورية للنظام السياسي بصورة جذرية. إذ أبقت العائلة المالكة والمؤسسة الدينية الوهابية على مواقعهما المهيمنة في المجتمع. ولم تضعف قدرة العائلة المالكة والمؤسسة الوهابية على عرقلة، وإيقاف أوحتى قلب الإصلاحات. وبغياب مراكز القوة المتنافسة، فأن عملية الإصلاح تبقى محدودة وعرضة للعطب.

دور العوامل الخارجية

إن تعزيز الإنفتاح السياسي الحالي في العربية السعودية يضع أمام الولايات المتحدة وأوربا مجموعة من التحديات الصعبة. ففي الحالة السعودية، لاتملك الولايات المتحدة وأوربا كلاهما خيار المساعدات الإقتصادية أو العسكرية والتي يمكن جعلها مشروطة بتطبيق إجراآت إصلاحية أخرى. على العكس، يعتمد الإقتصاد الغربي إلى درجة كبيرة على النفط السعودي، وقد إزدادت أهميته أكثر في السنوات الأخيرة.

ونتيجة لهذا، فإن الضغط الغربي وخاصة الأميركي على السعودية من أجل الإصلاح منذ الحادي عشر من أيلول كان غير دائب وذا تأثير محدود. في البدءِ صُعِقَتْ إدارة بوش بسبب أن أغلب خاطفي الحادي عشر من أيلول كانوا من المواطنين السعوديين، وهكذا فإنها ضغطت على العائلة المالكة كي تحارب التطرف والإرهاب، ومازال هذا الضغط مستمراً.

وفي عام 2003 و2002 وقبل غزو العراق، أطلقت إدارة بوش وابلاً من الخطابات-لا سابق لها- حول ضرورة الإصلاح السعودي، مستهدفة بصورة خاصة نظام التعليم وغياب المشاركة السياسية.

وخوفاً من فقدان تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ووسط المطالبات المحلية المتزايدة من أجل التغيير، استجابت العائلة السعودية المالكة وأدخلت بعض الإصلاحات، كما بينّا آنفاً. ولكن الإضطراب في العراق دفع ببندول العلاقات الأميركية-السعودية في الاتجاه المعاكس.

فقد ليّنت إدارة بوش خلال السنتين الماضيتين، من موقفها إزاء السعودية وغضّت الطرف عن القضايا الداخلية السعودية. ولجأت العائلة المالكة من جهتها إلى أساليب التخويف، محتجةً إن إصلاحات سريعة غير مُراقَبَة سَتُضْعِفُ سلطتها وتؤدي إلى تولّي الجهاديين للسلطة. ولأن الولايات المتحدة وأوربا قلقتان من إمكانية الزعزعة الكاملة لمنطقة الخليج فقد خفّفتا الضغط من أجل الإصلاح.

إن الولايات المتحدة وأوربا، في بحثهماعن نقاط دخول لتشجيع الإصلاح، مقيدتان بالواقع السعودي الداخلي . ورغم أن الإنفتاح السياسي الحالي هو، لا شك، مهم، إلا أنه لا يعني البتّة بداية عملية دمقرطة سعودية.

هذا بلد لا يُتَوَقَّع منه أن يُجيز الأحزاب السياسية أو تنظيم إنتخابات تنافسية صحيحة في المستقبل القريب، ناهيك عن ظهور سلطة تشريعية قوية أو نظام قضائي مستقل. إن إصلاح الحكومة الدكتاتورية في السعودية مكتوبُ له سلوك طريق بطيء، إنها عملية وعرة تستلزم توسيعاً تدريجياً للتمثيل السياسي وخلق فضاءات جديدة حيث يمكن للمواطنين التمتع بحريات محدودة.

إن الإختلافات حول قضايا معينة مثل خلط الدين بالسياسة وكذلك دور النساء في الحياة العامة تمثل أجزاء أساسية في إدخال الإصلاحات إلى بلد مثل السعودية.

دعم المجتمع المدني

بناء على هذه الظروف فأن لدى الولايات المتحدة وأوربا نقطتي دخول واقعيتين من أجل تشجيع الإصلاح السياسي في السعودية. أولاً: على مستوى الحكومات: يجب على الحكومات الغربية دعم مطالب المجموعات السعودية المنشقة المنادية بالإصلاح.

ثانياً: على المستوى غير الحكومي: يتوجب على الغرب أن يكثف إتصالاته مع ممثلي المجتمع المدني. محاولة مثل هذه تتطلب جهوداً مشتركة من منظمات حكومية وغير حكومية عاملة في حقل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. يجب أن يُضْغَط على الحكومة السعودية كي تسمح بتعاون أكثر حرية بين المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، ومازال هذا أمراً صعباً جداً في الوقت الحاضر.

ويمكن أن يساعد إشراك المنظمات السعودية غير الحكومية والنقابات المهنية، بصورة تدريجية، في برامج مناطقية مستمرة و كذلك إيجاد وسائل إصلاحية خاصة بالسعودية على تطوير قدراتها وتشجيع برامجها الإصلاحية بإطلاعها على أجندة تعزيز الديمقراطية الدولية.

إن الخطوات المسطورة هنا هي متواضعة. ولكن في بلاد مثل السعودية والتي بدأت تواً بإتخاذ الخطوات الأولى تجاه التحرر، فإن من الأولى للولايات المتحدة وأوربا أن تضعا أهدافاً متواضعة وتسْعَيا لتأكيدها بصورة دائبة. هذا خيرٌ من الإنغماس في خطابات وبيانات فخمة عن الديمقراطية لا يمكن تعزيزها بسياسة واضحة.

* باحث في مؤسسة كارنيغي إندومانت للسلام الدولي في واشنطن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: qantara.de