المشاكل التي تواجه الديمقراطيات الناشئة .. تنميـــة القطـــــاع الخـــــاص

 

 

النظام الديمقراطي هو النظام الذي يستند الى فكرة الحد من سلطات الحكومة، خاصة في المجال الاقتصادي، واليوم لم تعد التحديات الرئيسة في السياسة الاقتصادية تتمثل في المحافظة على الانظمة التي تصنعها الدولة بل في التخصيص (تحول المشاريع التي كانت تملكها الدولة الى القطاع الخاص)،.. وهذه المهمة تفضي الى تقليص كبير في سيطرة الدولة على الاقتصاد.. ويعتقد الكثير من الناس ان انتشار الديمقراطية وتعزيزها يرجع الى اسباب اقتصادية عامة، فان الامر هو اشد تعقيدا من ذلك بكثير، فعملية التحول التي تقوم بها اليوم بلدان متعددة تظهر ان التغيير السياسي والاقتصادي طبيعة واحدة لا تنفصم، ودراسة اي اصلاح اقتصادي تعكس وحدانية هذه الطبيعة، وعدم انفصامها بمحاولتها قياس التزام الحكومات بعملية الاصلاح الاقتصادي.

ان سياسة التغيير الواسع النطاق تتناول عدة عوامل مثل حاجة الانسان الى حقوق سياسية وحريات اقتصادية ـ مدنية، كما ان التحول الى الديمقراطية لا يسير قدما دائما دون ان يصاب بنكسة او تراجع، فنجاح او فشل هذا التحول يعتمد على صفات القيادة بين اولئك الاشخاص الشجعان، الذين يعملون في سبيل التغيير، كما يعتمد على حكمة الذين يمسكون بالسلطة، ومع ان التغييرات التي حصلت في السنوات القليلة الماضية تعالج بصورة رئيسة العلاقة بين الهياكل السياسية والاقتصادية الجوهرية، يجب الا يغيب عن الاذهان توق الانسان وحاجاته الاساسية الى الحرية والكرامة فضلا عن عوامل اخرى لا تحصى..

أنماط الديمقراطية الناشئة

عند دراسة التغييرات السياسية والاقتصادية التي حصلت في عدد من البلدان، خلال العقدين الماضيين، يمكن ان نميز اربعة انماط رئيسة في الاقل من البلدان التي تمر في مرحلة التحول الديمقراطي:

اولا: في بلدان مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتشيلي تؤدي زيادة ثراء المجتمع الى جعل الناس يتحررون ويطالبون بقدر اكبر من الحريات المدنية والسياسية..

ثانيا: على العكس من ذلك ففي البلدان التي تواجه انهيارا اقتصاديا خاصة دول اميركا اللاتينية واجزاء من افريقيا، فان انبعاث المؤسسات الديمقراطية مرده الى حد كبير فشل العسكريين او الحكومات التوتاليتارية في تنفيذ وعودها من ناحية تحقيق التنمية في البلاد..

ثالثا: ان تجربة بلدان اوروبا الشرقية والوسطى تشكل مزيجا فريدا من الانهيار الاقتصادي وفشل السلطة السوفيتية، ورفض مجتمعات تلك البلدان ايديولوجيا غريبة، رغبة شديدة في الحرية.

رابعا: وهي الدول التي خلفت الاتحاد السوفيتي سابقا، لابد من تناولها بصورة تختلف عن تناول بلدان اوروبا الوسطى، لان تلك الدول امضت حقبة اطول في ظل الشيوعية، وتمر بفترة تتسم بقدر اكبر من الفوضى الاقتصادية..

السؤال المطروح ماذا عن المستقبل؟

ان المجموعات الاربع، هذه، توفر منطلقا للنظر في القضايا الاساسية التي تواجه كل منها في المحافظة على الديمقراطية او تطويرها، كذلك في المحافظة على النمو الاقتصادي او تطويره، ونظرا الى تاريخ بلدان هذه المجموعات يؤشر الى انها في مستويات متباينة جدا، فمن الصعوبة  تحقيق الهدف الذي اختارته، المتمثل في بناء مجتمعات ديمقراطية يستند اقتصادها الى قوى السوق.

القلة المحظوظة من هذه البلدان هي في اوضاع اقتصادية سليمة ومزدهرة نسبيا، اذن مهمتها اسهل كما في تشيلي وكوريا الجنوبية، فعلى القادة المنتخبين حديثا في الدولتين ان يعملوا في سبيل وضع انماط جديدة لعملية صنع القرار وبناء مؤسسات سياسية يشارك فيها الشعب، وفي الوقت نفسه على هؤلاء القادة ان يحافظوا على سياستهم الاقتصادية التي توجهها قوى السوق في وجه ضغوط سياسية جديدة تدعو الى اعادة توزيع الثروة والى الانفاق على البرامج الاجتماعية، والقضية هنا قضية بناء ثقافة سياسية تدعم نهجها الاقتصادي. لكن معظم الدول النامية تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية، فيما تقوم بتعديلات هيكلية جوهرية في المجال الاقتصادي.. وفي هذه البلدان تزيد من تعقيد سياسات الاصلاح الاقتصادي الحاجة الى كل من التقشف الحكومي والتصدي للمصاعب الحقيقية التي تعانيها قطاعات كبيرة من السكان، وعلى القادة الديمقراطيين الجدد ان يتحاشوا المخاطر، وعليهم المحافظة على ما يكفي من النمو الاقتصادي لبناء اسس متينة لثقافة سياسة ديمقراطية، والنجاح الذي تحقق في بلدان مثل الارجنتين، وفي الفلبين الى حد ادنى يبين ان القيادة الماهرة يمكنها ان تنمي ثقافة سياسية تدعم عملية التعديل الاقتصادي المؤلمة.

وعلى الديمقراطيات الحديثة في اوروبا الشرقية والوسطى الا تكتفي بتغيير مؤسساتها السياسية والاقتصادية وحسب، بل عليها ايضا، ان تتعامل مع ما خافته الشيوعية بعد سيطرة دامت اربعين عاما، وبخلاف الديمقراطيات الجديدة في البلدان النامية، فان القضية هي ليست قضية اصلاح اقتصادي يستند الى المبادرة الحرة ويتضمن بعض عناصر اقتصاد السوق الحديثة.

وطبيعي ان كل مؤسسة رئيسة لابد ان يعاد بناؤها حتى حين، ويجري العمل على توسيع وتعزيز نطاق القطاعات التي تزدهر فيها المشاريع الصغيرة، والعمل على اعتماد التخصيص في معظم الصناعات..

كما ان حجم التحديات يختلف بين بلد واخر، حيث تتميز المجر وبولندا بان لديهما قطاعا خاصاً كبيرا نسبيا وفي هذا الصدد تنظم جمهوريتا التشيك والسلوفاك وجمهوريات البلطيق في كونها مرت بتجارب ديمقراطية، لكن هذه التجارب مهما كانت قديمة وضيقة النطاق فهي تعتبر حيوية للجهود التي تبذلها تلك البلدان لارساء القيم الاخلاقية والادبية الضرورية لمجتمع ديمقراطي، والتي تشجع روح المبادرة والابداع والمسؤولية والحرية.

ويبدو ان اعظم هذه التحديات على الاطلاق هو ما تواجهه جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، فهناك فوارق بين الجمهوريات الاوروبية منها وتلك الموجود في اسيا، وهي تتعامل مع عدد من القضايا الخطيرة، فضلا عن تلك التي تواجهها بلدان اوروبا الشرقية فالقضية الاولى هي ان القوميات الاساسية ضائعة بين شكل من اتحاد كونفدرالي غير وثيق العرى من جهة، واستقلال سياسي ناجز من جهة اخرى، وبالفعل قضايا الانتماء الاثني، وتغيير الحدود تلقي بعض الشكوك على وحدة الاتحاد الروسي كدولة.

والقضايا الاقتصادية الاساسية مرتبطة ارتباطا مباشرا بمسألة الهوية القومية بالنسبة الى مصير (الروبل) مثلا كوحدة نقدية مشتركة، وكيفية تقسيم الموجودات والمطلوبات وملكية الموارد الطبيعية، وقضايا الدفاع، في حين ان كلا من روسيا واوكرانيا وبيلاروسيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق قد تصبح وحدة اقتصادية قادرة على الحياة بمرور الوقت، فان من غير المرجح ان تتمكن جمهوريات اخرى من هذه ان تصبح مستقلة اقتصاديا..

ومن التحديات ايضا، مسائل الهياكل الاقتصادية والسياسية التي تواجه هذه الجمهوريات، تغييرات في نظام القيم لديها تفوق كثيرا ما تواجهه بلدان اوروبا الوسطى، حيث كان الشعب عامة والنخبة في عزلة تقريبا عن الحلبة الدولية، فهما يجدان صعوبة كبيرة في ادراك واستيعاب المفاهيم الاساسية للعالم المعاصر، فافكار مثل الديمقراطية والمبادرة الخاصة اصبحت مشوهة في الجو السوفيتي لدرجة ان الامور الاساسية التي تتضمنها اللغة التي يتحدث بها الناس يوميا مفقودة....

 ماذا عن البلدان الاخرى؟

ان الزعامة الصينية تواصل الانهماك في عملية تكتنفها متناقضات السيطرة السياسية المركزية من جهة وتحرير الاقتصاد من جهة اخرى، وقد بدأت تلك قبل اكثر من عقد من الزمن.. ويبدو ان النجاح الاقتصادي الذي تشهده المقاطعات الجنوبية يصل اضعاف قدرة بكين على فرض سيطرتها السياسية، ويبدو ان الديمقراطية السياسية ستنطلق في نهاية المطاف.

اما في بلدان العالم النامي فتتعرض  اكثرية البلدان الافريقية الى ضغوط متزايدة كي تغير انظمتها. فنظرا الى محنة هذه البلدان الاقتصادية فان حل القضايا الاساسية لديها سيكون صعبا ويستغرق وقت طويلا. لكن الديمقراطية ليست قبيل كل شيء او لا شيء. فالانتخابات الحرة والحريات السياسية الاساسية امور ضرورية لكنها ليست كافية، وليست الانتخابات بالضرورة الخطوة الاولى لبناء مجتمع ديمقراطي، فالعديد من البلدان الافريقية تنشئ مؤسسات يشارك في اعمالها الشعب في القطاعين العام والخاص، وفيما تسير الاصلاحات الاقتصادية الضرورية قدما، تواصل قطاعات من امثال مؤسسات الاعمال الخاصة والصحافة الحرة والاتحادات العمالية والجمعيات المدنية الاخرى نموها، وترسيخ مكانتها وزيادة قدرتها في التاثير في قرارات الحكومة، واضعة بذلك الاساس لقيام مجتمعات ديمقراطية في المستقبل. ومع ان تطور هذه المؤسسات ونموها يستغرق وقتا، فان المساعدة التي تقدمها البلدان الصناعية يمكن ان تسرع هذه العملية، والمجموعة الاسرع من هذه البلدة التي تقيم فيها مؤسسات ديمقراطية مستقرة الى حد ما، مثل الهند وسريلانكا وكولومبيا وفنزويلا وكوستاريكا، تتطلب مساعدة ايضا، فرغم تقاليدها الديمقراطية الراسخة في غالب الاحيان، تعاني بعض هذه البلدان من اعمال عنف داخلية وحركات انفصالية تتسبب فيها في الغالب قضيتان الاولى: توزيع غير عادل للدخل، والثانية: اداء اقتصادي ضعيف ومع ان كوستاريكا تعالج هذه القضايا في صورة جيدة فان معظم البلدان الاخرى في هذه المجموعة لا تفعل ذلك، وفي ظروف مثل تلك القائمة في كولومبيا او سريلانكا  لا يمكن ضمان بقاء المؤسسات الديمقراطية دون حصول تغييرات جوهرية في الهياكل والسياسات الاقتصادية. وفي وضع مثل العراق فان استتباب الامن وتحقيق المصالحة الوطنية وبناء قوات مسلحة قوية والقضاء على الفساد المالي والاداري واجراء تغييرات جوهرية في الهياكل والسياسات الاقتصادية بما يعزز المؤسسات الديمقراطية والتحول نحو اقتصاد السوق، وبغير ذلك فان الفوضى والحرب ستبقى السائدة وسينهار الاقتصاد وتزداد البطالة والجريمة، وهي حالات لا تحمد عقباها..

وهذا ينقلنا الى منطقة الشرق الاوسط فلا يزال مستقبل بلدانها من اصعب الامور، ويمكن اعتبار التقدم، الذي تحقق في بلدان مثل اندونيسيا وباكستان والاردن ومصر والمغرب، وبعض الخطوات السياسية في عدد من بلدان الخليج العربي، كل ذلك حجة للقول بان من الممكن ان تتطور في النهاية قيم ديمقراطية تنسجم مع الثقافة الاسلامية وعادات المجتمع..

ان العالم الاسلامي شديد الر غبة في العيش بكرامة والتمتع بالحريات السياسية والحريات المدنية، وتكييف الحضارة الاسلامية مثلما فعلت بحضارات اخرى عبر التاريخ ، ويقوم الديمقراطيون العرب وغيرهم من نخبة مجتمعات الشرق الاوسط، مثل نظائرهم في اوروبا الوسطى مثلا بتشكيل وتعزيز منظمات المجتمع المدني، التي توفر القيادات الاخلاقية والمعنوية الضرورية للتقدم وازاء اتجاهات قابضي السلطة الى الابقاء على الانظمة القائمة، والنتيجة المرجحة هي ان يحصل التغيير في البلدان التي يجبرها انعدام مواردها النفطية على التعاطي مع النظام الدولي بقدر اكبر، وباختصار فان القادة المستبدين في البلدان غير النفطية، تتوفر لديهم موارد اقل لمنع حدوث التغيير..

عقبات وحلول

انتهت حرب الايديولوجيات التي طغت على القرن العشرين، واصبحت الايديولوجيا والافكار من قبيل فكرة الديمقراطية وفكرة اقتصاد السوق مقبولة في معظم انحاء العالم واصبحت فكرة سيطرة او فرض مجموعة اشخاص نفسها على الحكم فكرة حمقاء ومرفوضة من كل الشعوب والعمل على التحول نحو الديمقراطية وحياة افضل تنشدها شعوب البلدان النامية..

ومع ان الاتجاهات الحالية تبرز مختلف الطرق التي تؤثر فيها العوامل الاقتصادية في التغييرات في الانظمة السياسية، وتتاثر بها فانها تدحض اي فكرة تقول ان التغيير الاقتصادي وحده يسبب قيام الديمقراطية.. فالوضع في الصين حاليا هو من الامثلة الواضحة جدا على التفاعل المعقد بين السياسة والاقتصاد والثقافة، ومطالب الطلاب والعمال بالعيش بكرامة وحرية..

فالزعامات تواجه اليوم فقدان الشرعية.. وعلى العكس من ذلك فان الاوضاع هي افضل بكثير، في بعض البلدان التي تعمل على بناء انظمة ديمقراطية وانظمة اقتصادية تستند الى قوى السوق ويمكن للقيم الديمقراطية ان توفر الاساس للشرعية اللازمة للتغلب على التحديات التي يكتنفها الاصلاح السياسي والاقتصادي.

وهناك عقبات متنوعة تواجه كلا من الدول التي هي في مرحلة تحول، وتتراوح هذه العقبات بين الاسهل مثل اقامة نظام ديمقراطي في ظروف اقتصادية مواتية، والاصعب مثل مواجهة تحديات جوهرية قبيل القيام بتحول اجتماعي كامل. والعقبة المشتركة التي يواجهها الجميع، لدى اقامة الديمقراطية، هي تجربة المؤسسات الديمقراطية ومؤسسات اقتصاد السوق..

 كيف تعمل المجتمعات الديمقراطية التي تعتمد اقتصاداً يستند على اقتصاد السوق؟

قليل من الناس يدرك صعوبة انشاء وادارة البنية التحتية المؤسساتية اللازمة لمجتمع عصري. وفيما تواصل بلدان اوروبا الشرقية والانحاد السوفيتي السابق تغيير وتعديل هياكلها، اخذت هي والبلدان النامية تكتسب افكارا جديدة عن هذه القضية ويبدو ان البعض يعتقد ان نظام الاقتصاد الحر ينشئ نفسه بنفسه تلقائيا كذلك عن المؤسسات السياسية، خاصة فيما يتعلق بنواحي صنع القرار الحكومي، بالنسبة للقضايا اليومية، والواقع ان المجالين مترابطان في شكل مباشر، لانه عبر العملية الدستورية السياسية الحكومية يتم وضع القواعد والهياكل السياسية التي تستند اليها آليات السوق. كتب هرنان بوتشي الذي صمم عملية تحول اقتصاد تشيلي، يقول: انه احتاج الى اكثر من 500 شخص مدرب لاعتمادات اصلاحات ضرورية في الحكومة. وتدعو الحاجة الى مديري مؤسسات اعمال قديرين، والى اصحاب مشاريع ذوي خبرة ومحاسبين ومصرفيين ومهنيين اخرين لقيام اقتصاد السوق. ومن الناحية السياسية لا غنى  عن مساهمات مشرعين وسياسيين على مختلف المستويات، لاسيما المستوى المحلي، يكونون جيدي التعليم والتدريب واصحاب خبرة..

من العقبات التي ينبغي التغلب عليها، ايضا انعدام الفرص والانظمة التعليمية في معظم البلدان المتجهة حديثا الى الديمقراطية، فالهياكل المؤسساتية التي جرى وصفها انفا، وما يرافقها من سياسة اقتصادية سليمة يشكلان جزءا من الصورة، وتؤكد دراسات اجراها البنك الدولي خلال اعوام 1987-1990، تحققت في البلدان التي لديها مستويات النمو الاقتصادي في بلدان العالم النامي في الفترة من عام 1965 الى 1987 انها حققت مستويات مرتفعة من التعليم الاساسي وسياسات اقتصادية سليمة، فضلا عن التعليم الاساسي والتربية الوطنية وتلقين القيم، التي تعتبر من الامور الحيوية ايضا.

فالديمقراطية تستلزم التسامح والاستعداد لقبول الحلول الوسط واحترام الاجراءات الديمقراطية من قبل الشعب، ويمكن تلقين بعض هذه المبادئ في المدارس والجامعات، لكن بعضها الاخر يستلزم قيادة وطنية، مثل الدور المثالي الذي لعبه فاتلاف هافل، رئيس جمهورية التشيك..

تشكل الاتصالات وتدفق المعلومات والمعرفة والاطلاع على تجارب الاخرين احد المجالات المهمة التي لها علاقة بالتعليم والتوعية.. فثورة المعلومات والاتصالات انتجت مجتمعا في البلدان المتقدمة اكثر اطلاعا بكثير مما كان عليه قبل هذه الثورة ومعظم انحاء العالم متخلف عن هذه البلدان بقدر ما. وعقبة الاتصالات لها عدة ابعاد ابرزها:

اولا: هناك حاجة ان تكون الصحافة حرة ووسائل الاعلام الحرة مسؤولة وفعالة في نقل وتحليل ما يصرح به ويدعيه السياسيون والمسؤولون المنتخبون خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية. فدور وسائل الاعلام الحر في ارساء الحرية السياسية مفهوم تماما، لكن دورها في الحفاظ على نمو اقتصادي يلقي قدرا من الاهتمام، والتجارة تستلزم معلومات صحيحة عن الاوضاع الاقتصادية المحلية والعالمية من اجل وضع خطوط عمل وتسويق المنتجات واجتذاب الاستثمارات لذا فان قيام صحافة مختصة في شؤون المال وسيلة سليمة تتمتع بحرية نقل المعلومات الصحيحة، ونقد السياسة الاقتصادية امراساسي جدا..

ثانيا: الاتصالات البعيدة المدى بالغة الاهمية في هذا العصر، الذي يشكل الاعلام والمعلومات قوته الدافعة، وليس هناك كثير من البلدان خارج العالم المتقدم لديه نظام هاتف واف او اتصال كاف بشبكة الاتصالات بعيدة المدى الدولية، فعلى سبيل المثال قد تكون فترة الحصول على خط هاتفي في بعض البلدان وقتاً طويلا يسقط من وقت العمل والراحة، وقد يغير قرارات صائبة الى قرارات لا تخدم العمليات التجارية والاقتصادية، فمثل هذه الظروف تجعل من المستحيل القيام باعمال تجارية على نطاق دولي، وحتى بين مدينتين في البلد نفسه، في بعض الاحيان ومن الممكن حتى لعاصفة صغيرة او هطول خفيف للامطار ان تعطل شبكة الهاتف لساعات او ايام، كل هذه العوامل تضعف النموالاقتصادي واداء مؤسسات الاعمال.

ثالثا: ان تطوير الخبرة المؤسساتية وانظمة التعليم والبنية التحتية الخاصة بقطاع الاتصالات امر باهظ الكلفة، وهي امور ضرورية لادارة مؤسسات الاقتصاد او النظام السياسي المعاصر، ولابد من معالجة كل عقبة تقريبا والتغلب عليها بالسعي الى اقامة نظام ديمقراطي يقود الى قضية الموارد، ولا تواجه كل البلدان القدر من التحدي نفسه، فمجموعة البلدان المصنعة حديثا ومعظمها في شرق اسيا، وبعض البلدان الاخرى مثل تشيلي تتمتع بحرية الحركة اكبر من سواها، فليس فقط ان شعوب هذه البلدان اكثر تعليما واطلاعا من شعوب البلدان الاخرى، لكن هذه الشعوب لديها ايضا وصول الى السوق ورؤوس الاموال الدولية، وتنعم بنمو اقتصادي داخلي لا بأس به، لكن كل بلد في العالم يواجه معوقات تتعلق بالموارد، وتتراوح شدتها بين ما تعانيه بلدان مثل الارجنتين او المجر من جهة، وبلدان مثل الحبشة وبنغلاديش من الجهة الاخرى.

لكن حتى في افقر البلدان يمكن ان ينجز به اكثر بكثير مما ينجز به حاليا، فالموارد المالية محدودة دائما، مما يعني ان الاولوية يجب ان تعطى للانفاق الذي يبني الثروة.

وسجل العالم النامي وبلدان اوروبا الوسطى والشرقية في هذا الشأن شيئاً سيئاً للغاية، فالا نفاق العسكري يزيد دائما عن الانفاق على التعليم، وهذا النهج يجب ان يتغير، بل يجب ان يكون تغييره شرطا لتوفير المساعدة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجهات المانحة الاخرى، وهناك كميات هائلة من الاموال يمكن ان تمنح اذا اتخذت التدابير الصائبة، بهدف تطوير القيم والمؤسسات الديمقراطية لتلعب دورا بالغ الاهمية لتخفيض الانفاق العسكري بشكل كبير، وضبط موضوعة ردع اي عدوان خارجي كما يمكن توسيع مدى الديمقراطية في الوقت نفسه الذي يكبح من الافراط في الانفاق العسكري، مما يحرر قدرا من رؤوس الاموال للقيام باستثمارات منتجة في مجالات التعليم والاتصالات وخدمات مؤسسات الاعمال..

.....................................

المصادر

1. د. جون دي سوليفان، الديمقراطية والنمو الاقتصادي العلمي ترجمة احمد عزت (بيروت ، 2006).

2. دار النشر باللغات الاجنبية الاستثمار الاجنبي في الصين (سلسلة الصين) حقائق قارة م، بكين 1998.

3. جوزيف ستكتلز العولمة ومساوئها ترجمة عبدالقادر حلمي. (بيت الحكمة، بغداد، 2003).

 و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-4-11-2006