معاناة الطبقة الوسطى العربية ونتائجها

 

د. حسن أبوطالب

 

في مسلسل "حضرة المتهم أبى"، تتجلى العلاقة بين القانون وتطبيقه والحق العام والخاص والطبقة الاجتماعية، وتتجلى أيضا الاستجابات الانتقامية حين يغيب القانون أو حين يصبح تطبيقه رهنا لإرادة الأقوياء الذين يجيرونه لصالحهم أيا كان موضع الحق، معهم أو مع الخصوم.

ومع غياب العدل والإنصاف، يصبح التساؤل: كيف يحصل المرء على حقوقه المغتصبة، هل بالقانون نفسه أم بالخروج عليه أم بقبول الأمر الواقع بما فيه من مهانة وإذلال؟

الخيارات هي التي تفصل بين مجتمع وآخر، وتفصل بين المساواة والمواطنة من جانب، وبين التسلط الاجتماعي والانهيار الأخلاقي من جانب آخر، وتفصل أيضا بين طبقة وسطى تحصُـل على حقوقها الدستورية والقانونية سِـلما، وتمارس في الآن نفسه واجباتها في حماية التوازن العام في المجتمع والنظام وفي تطويره وتحسين أوضاعه، وبين أخرى تجد نفسها في مواجهة اللايقين، وتضطر إلى الانسحاب من المجال، ومن ثَـم فقدان الدور.

والأصل في القانون كنتاج للخبرة الإنسانية الحديثة، أنه المعيار الناظم لحركة المجتمع والمحدد للحقوق والواجبات والمعبِّـر عن حركة المجتمع السلمية والتقدمية، ومدى تكيُّـفه مع المستجدّات المختلفة. والأصل أيضا، أن القانون يُـعامل الجميع بالمساواة ولا ينظر إلى الأصل الاجتماعي أو الغنى المادي أو الموقع الوظيفي، وتلك هي قيمته الرمزية والمعنوية الكبرى.

جانب مظلم عربيا

بيد أن الواقع فى مجتمعات عدّة، ومن بينها العربية، يفصح عن جانب آخر، مُـظلم للأسف هذه المرة. واقع يشهد بأن القانون كنصٍّ وكسلطةٍ رمزية ومعنوية، لم يعد له السّـطوة النظرية أو التطبيقية المفترضة، بل تحوّل إلى شيء معطّـل لا حول له ولا قوة، إذ هناك عوامل أخرى تحدد: هل يطبّـق القانون أم يوضع في الأدراج، وإن طُـبق، ففي أي اتجاه؟ ولا يهم هنا الوقائع والحقائق ذات الصلة، بل المهم هو النفوذ والسطوة الاجتماعية والمالية والجَـاه والسلطان، وهي كلها لا تتوافر إلا لفئة الأغنياء، وبالطبع على حساب حقوق الطبقة الوسطى والفقراء، الذين لا حول لهم ولا قوة، والذين لا يجدون أمامهم سوى خيارات تتراوح بين قَـبول الذل والمهانة أو الخروج على المجتمع نفسه، الذي فشل في ضمان الحقوق وتطبيق القانون أو بعبارة أخرى، التحول من مجتمع القانون والانضباط إلى مجتمع الغابة والسيولة.

خطر التفكك العام

تشكل وقائع المسلسل في جوهرها جانبا من جوانب المعاناة التي يتحملها أبناء الطبقة الوسطى العربية، والتي تمثل بدورها الفئة الاجتماعية العريضة المُـحرِّكة للمجتمع ولتقدُّمه ونهضته، والضامنة أيضا لتوازنه العام بين قمّـته التي يعتليها الأغنياء وذوي النفوذ، وبين قاعدته التي يسُـودها الفقراء والبسطاء في كل شيء، والقانون لهذه الطبقة الوسطى تحديدا، هو الضامن لحقوقها ولدورها الحامي لتوازن المجتمع نفسه، وهو الملجأ بالنسبة لها، حين تتصادم مصالحُـها مع مصالح الأغنياء أو حتى مع عناصر من الطبقة نفسها.

وحين يغيب إيمان هذه الطبقة بالقانون ومعنى العدالة الملتصِـق به، يصبح المجتمع مُـعرّضا لخطر التفكك والانهيار، وتصبح أيضا ظاهرة الحلول الفردية، بما في ذلك الخروج عن القانون وازدراء مؤسسات الدولة، سِـمات مشتركة بين الأغنياء، الذين يحترفون توظيف القانون بالنسبة لهم عن حق أو عن باطل، ومع البسطاء الذين لا يهمهم استقرار المجتمع في شيء، لأنه بالنسبة لهم قد تخلّـى عنهم من الأصل. والأمر في مجمله، يحفِّـز حالة تمرّد وثورة لا يُـفيد معها القمع الأمني، لأنها ببساطة تكون قد تغلغلت في النفوس الغاضبة وتنتظر فقط لحظة الانطلاق العشوائية دون سابق إنذار.

جوانب أخرى للمعاناة

هناك أيضا جوانب أخرى مكمِّـلة لمُـعاناة الطبقة الوسطى العربية، وحين سألت أصدقاء من بلدان عربية مختلفة، بعضها نفطي والآخر غير نفطي، انطلقت الإجابات من أرضية واحدة، بغضِّ النظر عن التفاصيل هنا أو هناك، إنها أرضية التَّـعب والإرهاق وغياب اليقين بشأن المستقبل، والشعور العام والجارف بالاستبعاد من الهَـم العام والانغماس الشديد في الهَـم الخاص والفردي، وذلك جنبا إلى جنبِ الشعور بأن البلد ومواردها وحُـكمها ونظامها، لم يعد للغالبية التي تمثلها هذه الطبقة، بل صارت لفئة قليلة تزداد قلّـة يوما بعد آخر، وتزداد انعزالا عن غيرها من فئات المجتمع الأخرى، إنه شعور الفرد الذي خضع توّا لسرقة مُـفاجئة لكل ثروته ولا يعرف كيف تمّـت السرقة ولا كيف سيُـعوِّض ما فقد.

التَّـعب والإرهاق للطبقة الوسطى العربية ينطلقان من أسس اقتصادية، فكل أبناء هذه الطبقة يعيشون نفس الحالة من تخلّـي الدولة العربية عنهم. فالخدمات الرئيسية باتت بمُـقابل يرتفع يوما بعد آخر، في الوقت الذي لا ترتفع فيه الأجور، إلا بنسبة محدودة جدا لا تتوازى مع الارتفاع العام في أسعار كل شيء تقريبا. ومرة أخرى، لا يوجد سوى خيارين: الأول، الهبوط رُويدا رُويدا إلى درجات أدنى فأدنى في السِّلك الاجتماعي، وبدلا من الانتماء إلى طبقة وسطى، يتحوّل الانتماء قسرا إلى فئة الفقراء أو ما تحدّت الفقر.

وبيانات خط الفقر العربي تقول، إن نسبة من هُـم تحته، وهم الذين يقل دخلهم عن ما يُـوازي دولارا واحدا يوميا، تصل في بعض المجتمعات العربية إلى أكثر من 22%، ولا تقل عن 12% في غالبية المجتمعات العربية. والفقر هنا، يعني الخروج من دائرة النشاط الاقتصادي المشروع والابتعاد عن النظام التعليمي وسيادة ظواهر إجرامية وتمهيد الأرض لنزعات تطرّف دينية غالبا، وإن تحوّلت إلى عُـنف وخروج عن الدولة، تتحول إلى إرهاب، ومن ثَـم، نقص معدّلات الأمن الاجتماعي.

حلول فردية ونتائجها

أما الخيار الثاني، فهو البحث عن حلّ فردى يتمثل في وظيفة أخرى أو نشاط تجاري أو مهني جنبا إلى جنب النشاط الوظيفي الحكومي، الذي يمثل مصدر الدخل الأساسي للنسبة الأعظم من أبناء الطبقة الوسطى العربية وبما يرتّـب نتائج اجتماعية شديدة الأهمية.

فالأسر تتعرّض لنوع من التفكّـك، والأبناء لا يجدون في الأب إلا باحثا دائما عن المال ولا شيء آخر، وتتحول عملية التربية والتنشئة إلى عملية بالمراسلة أو بالإيحاء عن بعد. وبالتالي، تفقد قيمتها الإنسانية والتربوية.

والأخطر أن يترسّـخ في أذهان الأجيال الجديدة أن معاناتهم وسوء علاقتهم بالأب، ناتجة عن تخلي الدولة المقصود عن وظائفها، وأيضا عن سطوة الأغنياء، الذين يحصلون على كل شيء ولا يتركون لهم إلا الفتات، بما يزيد حالة الكراهية الاجتماعية والسياسية بين مكوِّنات المجتمع بشكل عام.

الانسحاب الطوعي.. إجبارا

ومع سطوة البحث عن الرِّزق الإضافي، يصبح الاهتمام بالقضايا العامة حُـلما لا يرِد على بال أو على خاطر، وتلك المقدمة، تقود بدورها إلى انسحاب تطوعي قسرا من الحياة السياسية، حيث تنحدِر معدَّلات المشاركة السياسية في الانتخابات العامة والمحلية، فلا اهتمام بعضوية أحزاب أو منظمات مجتمع مدني أو عمل تطوعي تنموي أو خدمي.

وحين تصبح مثل هذه البديهيات السياسية بمثابة الرفاهية الأكبر لطبقة بحالها، تكون النتيجة المنطقية هي غياب محفّـزات التغيير السلمي التدرجي الإصلاحي، ويصبح المجتمع مؤهّـلا لقفزات فجائية عشوائية الطابع وفوضوية المراد، ومعها يفقد الجميع قيمة النظام الذي كان يجمع بينهم. وبينما سيفقد أبناء الطبقة الوسطى الحدّ الأدنى من الأمن، سيفقد الأغنياء كل المميزات.

وهكذا يؤدي انسحاب أبناء الطبقة الوسطى العربية من المجال السياسي بوجه عام، يقدم الفرصة الكبرى لسيادة حالة من الغوغائية السياسية، حيث الأيديولوجيات المتطرفة، يمينا أو يسارا، وتتحول الاختيارات إلى نوع من الاستقطاب الحاد، الذي يفرز بدوره خلَـلا بنيويا في المجتمع ككل، يسمح بدوره لانهيارات متتالية تُـطيح بالنظام العام بعد حين، وتمهد لإقامة بديل ما، لن يكون سوى بديلا مسخا فاقدا للهوية وفاقدا للآليات الصحيحة للتغيير والتدرج.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: سويس إنفو-110-11-2006