الطبقة الوسطى في العالم العربي من الازدهار إلى الانكماش

 

 

خليل علي حيدر

 

قد تكون بداية الديمقراطية في أي دولة أو مجتمع، قراراً سياسياً أو تدخلاً دولياً، أو ثورة مسلحة أو سلمية أو ربما انقلاباً، ولكن نجاح الديمقراطية واستمرارها وازدهارها ورسوخها...أمر آخر! فعلماء السياسة يتحدثون عن العديد من الشروط والمستلزمات، التي تضمن الاستمرار والفعالية لهذا النظام وتحميه من خصومه. ولعل أبرز هذه العوامل الضرورية وجود "طبقة وسطى" نامية ونشطة، تؤيد الديمقراطية، وترى فيها ركناً أساسياً من أركان الإدارة العصرية للدولة. فماذا نعرف عن الطبقة الوسطى في العالم العربي؟ وما حجمها وما مشاكلها؟ الواقع أن الديمقراطية العربية تعاني أزمة حقيقية في هذا المجال، فغياب الديمقراطية أو ضعفها أو تعثرها يضعف مكانة الطبقة المتوسطة ويهمش بالتالي دورها. وينعكس هذا الضعف والتهميش بدوره على المكاسب الديمقراطية نفسها، ويجعلها مجرد شكليات غير مؤثرة في واقع الحياة السياسية، وبخاصة إن كانت الدولة ثرية من عوائد النفط وغيره، كبعض الدول العربية، أو مضطرة لمراعاة الشكليات الديمقراطية كبعضها الآخر.

ويرى بعض الباحثين أن هذه الطبقة تتألف في العالم العربي من شريحتين رئيسيتين هما: الشريحة القديمة، وتشمل أصحاب الملكيات والتجارة المتوسطة والصغيرة، وأصحاب الصناعات وأرباب المهن الحرة والمثقفين التقليديين من علماء دين وقضاة ومعلمين، والحرفيين أصحاب المهن الشعبية وصغار رجال الأعمال وأصحاب الدكاكين وموظفي الدولة وضباط الجيش. أما الشريحة الجديدة، فتتكون من المثقفين والتقنيين وخريجي الجامعات والمهنيين من أطباء ومهندسين ومحامين وأصحاب الدخل المحدود من موظفي الدولة والشركات الصناعية والتجارية والمالية، فضلاً عن ضباط الجيش وأصحاب المشروعات الخاصة الصغيرة ورجال الأعمال الحرة.

وهكذا يمكن اعتبار هذه الطبقة بمختلف شرائحها وفئاتها عماد الحياة الحديثة في كل مجال، والمسؤولة عن تقديم كل الخدمات تقريباً. فلا غرابة في أن تقول د. هالة مصطفى، رئيسة تحرير دورية "الديمقراطية" في العدد الذي خصص لدراسة الموضوع بإسهاب: "إن تاريخ مصر الحديث هو إلى حد كبير تاريخ تلك الطبقة، فهي محرِّكته وصانعة الكثير من أحداثه، وهي جزء لا يتجزأ من مسيرته السياسية على مر العقود والأجيال منذ أن خرجت منها الحركة الوطنية التي فجرت أولى ثوراتها عام 1919 ثم في 1952". (دورية الديمقراطية، دار الأهرام، عدد أكتوبر 2004، ص 8).

وعن دور الطبقة نفسها في العراق، يقول د. عبدالرزاق الصافي إنها "لعبت دوراً ملحوظاً في الحياة السياسية في العراق، فمن بين صفوفها جاءت النخبة السياسية التي شكلت التيارات السياسية منذ الثلاثينيات في القرن العشرين".

وتحتل الطبقة الوسطى ما بين 33-37% من مجموع السكان في دولة متقدمة أوروبية مثل بريطانيا، ونحو ربع السكان في فرنسا و40% في الولايات المتحدة، بموجب بعض الدراسات. وتذهب بعض التحليلات عن العالم الثالث بأن الطبقة الوسطى في بلدانها، تعيش أزمة، قد تفضي بها إلى التراجع والانكماش. ويُشار في هذا المجال عادة إلى عاملين رئيسيين في هذه الأزمة، وهما التقدم التكنولوجي المعاصر والسياسات الليبرالية الجديدة وإجراءات الخصخصة.

وفي العالم العربي، ثمة تأويلات وتفسيرات تأرجحت بين مؤيد لوجود طبقة وسطى في مصر ومعارض لذلك الوجود، وبين غياب وحدة هذه الطبقة لأسباب تتعلق بمتغيرات عصرية أدت إلى اختفائها تماماً، أو تحولها إلى شرائح مفتتة لا تقوى على تشكيل كتلة طبقية -كما يقول د. أحمد حجازي من جامعة القاهرة- وتفسيرات أخرى تؤكد بالدلائل الواقعية على بقاء طبقة وسطى، وإنْ تغيرت ملامحها في بعض عناصرها وفئاتها. وربما تكون هناك رؤية ثالثة، تدلل على أن ما تسمى بالطبقة الوسطى في مصر قد فقدت وظائفها الأساسية.

ويلاحظ د. يونان لبيب رزق، أن قاعدة الطبقة الوسطى الصغيرة في مصر، قد اتسعت خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، لجملة أسباب: أولاً، احتكار الأراضي من قبل كبار الملاك في الريف وإفقار عدد كبير من متوسطي الحال والصغار، فزادت ظاهرة نزوح هؤلاء إلى المدن، حتى قال المفكر المصري جمال حمدان: "إن مصر قد انتقلت آنئذٍ من قرية طويلة ضخمة في الماضي إلى نصف قرية -نصف مدينة حالياً".

ثانياً: تنامي العديد من الصناعات الصغيرة التي استدعتها ظروف الحرب من نشوء طبقة من متوسطي رجال الأعمال المصريين، خاصة مع الوضع في الاعتبار أن تلك الظروف قد أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من الأوروبيين من هؤلاء، فتركوا فراغاً سعى المصريون إلى ملئه. وسرعان ما بادرت هذه الطبقة المتوسطة إلى اصطناع أدواتها ومظاهر حياتها. أما على الصعيد السياسي والعقائدي، فلقد أفرزت تيارات وأحزاباً مختلفة بل ومتناقضة الاتجاهات كـ"الوفد" و"الناصرية" وحركة "الإخوان المسلمين" و"الحزب الشيوعي" وغير ذلك.

تدخلت عوامل أخرى في تشكيل مصير الطبقة الوسطى في العراق، وبخاصة عدم الاستقرار السياسي والتعددية القومية والدينية والمذهبية ثم الديكتاتورية. ولهذا برزت مثلاً ظاهرة الهجرة إلى الخارج، وبخاصة إلى أوروبا والولايات المتحدة، في أوساط النخب العراقية المتوسطة.

ولا تحسن الشرائح الاجتماعية الوسطى دائماً اختيار الحزب المناسب لطموحها ومتطلباتها، والقادر على خدمة أهدافها. وتتدخل هنا عوامل كثيرة توجه أعضاء الطبقة الوسطى إلى الالتحاق بأحزاب تضر مصالحها أشد الضرر. ويقول باحث جزائري إن المعلم والموظف الذي التحق بـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ": "لم يجد نفسه داخل حزب سياسي، كما كان ينتظر يمكن أن يؤثر على قراراته أو يتسلق هياكله للحصول على ترقية اجتماعية، كما فعل ذلك مع جبهة التحرير، ترقية تقيه شر التقهقر الاجتماعي والإفقار الذي بدأ يعيشه، بل وجد نفسه كجزء من قاعدة اجتماعية لتيار سلفي برز على شكل حركة اجتماعية قوية ومندفعة، مما جعله تقريباً من دون دور متميز فعلياً، فطابع الحركة الاجتماعية الذي غلب على الجبهة الإسلامية للإنقاذ وخصوصياتها الفكرية السلفية لم يسمح للكثير من المتعلمين بالقيام بأي دور كفئة متعلمة مهما كان تواضع زاد الحركة علمياً ومعرفياً، ناهيك عن المزاحمة التي وجدتها هذه الفئات الوسطى من قبل الكثير من الفئات الاجتماعية الأخرى، كالتجار وأصحاب الحرف وأرباب العمل في القطاعات غير الرسمية والهامشية التي تميزت بحضور قوي داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ والتيار الإسلامي عموماً. وعلينا ألا ننسى في هذا المجال مواقف "الجبهة" المتشددة ضد الديمقراطية نفسها، و"الرفض بل التكفير الذي قوبلت به آليات عملية الانتقال كالانتخابات وفكرة التداول على السلطة وكل القيم المرتبطة بها، من قبل نفس التيار السلفي الذي لم يترك أي فرصة للمتعلمين الكثيرين الذين التحقوا به للتمايز أو القيام بأي دور فكري داخل التنظيم، الذي احتلوا فيه مواقع ذيلية وتابعة للعناصر الشعبية، التي منحت الكثير من خصائصها للحركة".

ومثل هذا النمط من سوء اختيار الأداة الحزبية والجماعة العقائدية من قبل الطبقة المتوسطة لتحقيق التقدم والاستقرار لنفسه وبلاده ومجتمعه، رأينا نماذج مؤلمة منه في دول عربية وإسلامية عديدة. ولا تنحصر مشاكل الطبقة الوسطى في اضطراب رؤيتها السياسية ووعيها الاستراتيجي، بل تتحدث كتب ومقالات كثيرة عن "انقلاب في خريطة الطبقات الاجتماعية" في مصر مثلاً! فقد صعدت شرائح وتدنت شرائح، وزادت أنماط الاستهلاك بسبب تقليد الشريحة الثرية، وحلت القيم المادية محل القيم المعنوية، وتفككت الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية، واختلطت الموازين والمعايير.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكورنصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-12-11-2006