"الدولة الموازية" للإخوان المسلمين في مصر؟

 

د. محمد عبد السلام

 

لا توجد كلمة في قاموس السياسة المصرية أكثر حساسية من كلمة "الدولة"، التي يُـمثّـل المساس بها بأية صورة خطأ أحمر، ليس بالنسبة لمؤسسات الحكم فقط، ولكن بالنسبة لمعظم تيارات النظام السياسي أيضا.

وقد شهدت الفترة الماضية محاولة أولية للاقتراب من تلك المساحة من جانب الإخوان المسلمين، فيما يُـعتبر أعنف اختبار مكتوم للقوة بين الجماعة والنظام في المرحلة الحالية.

الأفعال وردود الأفعال المحتملة لتلك الخطوة، لن تحمل مفاجآت غير معتادة. فعلى الأغلب ستستمر "قواعد الاشتباك" المُـعتادة في العمل بين الطرفين عبر المدى القصير، وكأن شيئا لم يحدث، لكن أحدا لن ينسى أبدا أن ذلك قد حدث، ولن يتم التمكّـن من تجنّـب التفكير في أن المسألة قد وصلت إلى حدّ يتطلّـب إعادة التفكير في بعض الأمور.

عقيدة الدولة

إن فكرة "الدولة" تتّـسم بطابع شديد الإثارة في العقل المصري، تتّـضح كل معالمه مرة واحدة، عندما يصل النِّـقاش في أي "ملتقى" إلى ذلك المستوى، الذي يُـسمّـى إستراتيجي، إذ يسُـود توافق على أن مصر أقدم دولة في التاريخ أو كما يُـشير البعض "أقدم بيروقراطية" وأنها "محترفة بقاء".

فقد ظلّـت مصر قائمة في نفس حدودها الحالية تقريبا لأكثر من 3000 سنة، فهي تُـجيد الدِّفاع عن نفسها، ولو بمنطق تحوّلها إلى "مقبرة للغُـزاة"، بأكثر ممّـا تُـجيد بناء إمبراطوريات خارج حدودها، وأنها مستعدة للاستماتة دفاعا عمّـا يُـسمى في ريف مصر "الحديدة"، أي حدّ الأرض، كما أظهرت مشكلة "العلامة 51" بين مصر وإسرائيل في طابا.

المسألة لا تقتصر على فكرة الدولة بالمعنى السابق، لكنها تمتدّ إلى بُـعد آخر، هو أنها كانت دائما "دولة مركزية" قوية مُـسيطرة، وهنا توجد نظريات على غِـرار نظرية المجتمع النهري أو الاستبداد الشرقي، الذي تتحكّـم الحكومات في ظِـله بمقدرات الحياة، لذا، كانت مصر تمثل نموذجا للدول التي هي أقوى من المجتمعات، بعكس حالة كلبنان، المجتمع فيها أقوى من الدولة. وامتدّت الفكرة إلى مُـنتهاها بالحديث عن الحاكم الفرعون، الذي تتجمّـع في يده مقادير السلطة على حساب الجميع، المهم أنه تسود حالة من القلق، عندما يبدو أن الدولة تُـواجه مشكلة.

لقد ألقت مثل تلك الأفكار بتأثيراتها على السياسة الخارجية، فسياسة مصر الخارجية شديدة المحافظة، كل ما يهمّـها هو الاستقرار أو بقاء الحال على ما هو عليه. فهي تعترّض على أي محاولة لتقسيم أي دولة في المنطقة، ولو كفدرالية أو انفصال أي جزء من أراضيها، وتقف في وجه أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للدول، وتعتبر العامل الدولي "وجود أجنبي"، ولا تشارك عادة في أحلاف (فقط ائتلافات)، وتتوتّـر علاقاتها ببساطة مع القوى العظمى، حتى تلك التي ترتبطها بها علاقات خاصة، أما في السياسة الداخلية، فإن مؤسسات الدولة، خاصة الأمنية، لديها قرون استشعار عاتية فيما يتعلّـق بأية محاولة للتأثير على الفكرة التقليدية للدولة.

عُـقدة الدولة

في الفترة الأخيرة، بدأت المسألة كلها تُـطرح للنقاش. فخلال النصف الأول من عام 2005، استبعد المشاركون في ندوة حول "تأثير التحولات الديمقراطية على هياكل الدول في المنطقة العربية"، أن تمس تلك التحوّلات، بأية صورة، هيكل دولة مثل مصر، كما حدث في حالات مثل العراق والسودان، التي طرحت في ظل أوضاعها الجديدة صياغات على نمط تقسيم الثروة وتقسيم السلطة والفدرالية واللامركزية والدولة متعدِّدة القوميات، لكن في الفترة التالية، وصل المدّ إلى تأثر فكرة الدولة إلى مصر في عدة أشكال واقعية أو افتراضية منها:

· أن بعض الصّحُـف المستقلة قد بدأت تبالغ في تحليل نتائج حالة الاحتقان السياسي، التي شهدتها الساحة المصرية، ووضح خلالها أن هناك بعض "التمرّدات" من جانب فئات مختلفة، كالقضاة والصحفيين، إضافة إلى مظاهرات الشوارع التي تطرح شعارات جذرية، لتقرر أن قوة الدولة قد انهارت، وظهرت مانشيتات ومقالات وكُـتب تحمل هذا العنوان، ودعا البعض إلى العصيان المدني.

· أن بعض المشاكل الاجتماعية قد تفاقمت أحيانا لدرجة أدّت بتحليلات مختلفة إلى الحديث عن وجود قنابل موقوتة في المجتمع المصري، الذي كان مُـتماسكا بدرجة غير معقولة أحيانا عبر تاريخه. فقد سادت تصوّرات بشأن تداعيات مشكلات الأقباط، ثم البدو ثم النوبيين في سياقات مختلفة وأضيفت إليها مؤخّـرا مشكلات خاصة بالشيعة و...، بحيث بدا وكأن المجتمع نفسه يتأثر.

· أن النظام السياسي نفسه قد بدأ يسير في اتجاه تخفيف قبضة الحكومة المركزية لصالح المحليات، وتحجيم نفوذ السلطة التنفيذية في مواجهة السّـلطة التشريعية، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح السلطة التنفيذية، وأدّى ذلك بشخصيات مصرية إلى الحديث عن النظام البرلماني كحل لمشكلة تركّـز السلطة في مصر، وبالتالي، تجاوزت التطورات فكرة الدولة والمجتمع إلى النظام السياسي.

· أن مسألة الخصخصة بدت في الفترة الأخيرة، وكأنه لا بديل عنها، خاصة في ظل عجز الموازنة العامة وانهيار حالة بعض قطاعات الخدمات بصورة تتطلّـب موارد استثنائية، وأوضحت مشكلة بيع مؤسسات كبرى، مثل عمر أفندي، أن الاعتراضات الفعالة لا تأتي من التيارات اليسارية، وإنما من بيروقراطية الدولة ذاتها. فالأسس الاقتصادية لسيطرة الدولة أيضا، قد بدأت في التأثر.

وبقدر ما أدّى كل ذلك إلى إضفاء حيوية على النقاش العام، الذي تجاوز كل الحدود في الصحف المصرية، أدّى أيضا إلى إثارة هواجس "المؤسسة" أو البيروقراطية في مصر، وتحفّـزها الشديد بشأن أية محاولة للمساس بالدولة، بحيث عادت الأفكار التقليدية بشأن قوة الدولة إلى الأذهان، وفي ظل هذا المناخ، وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى الميدان، لتمس مباشرة – بوعي أو بدون وعي – ما اعتُـبر دائما الوتر الحساس.

مشكلة الإخوان

إن التيار الرئيسي داخل النّـخبة السياسية في مصر، يتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين كأمر واقع. فالمثقفون اللّـبراليون يرون أنها قوة سياسية لديها قاعدة قوية ويجب أن تُـوجد صيغة لإدماجها في النظام السياسي والحكومة ذاتها – التي تعتبرها رسميا جماعة محظورة – تترك لها مجالا واسعا للعمل ضِـمن قواعد لُـعبة محدّدة، وأحيانا يتم عقد صفقات سياسية معها، كما أصبح مفهوما أنها قد سيطرت بالفعل على قطاعات واسعة في المجتمع وأنها وصلت إلى مرحلة "الإستقواء"، رغم شعار "مشاركة لا مغالبة"، الذي تطرحه في كل مناسبة، فقد أصبحت تفكّـر في السلطة وتعتقد أن الوصول إليها أصبح متاحا، وربما قريبا.

لكن ظلّـت هناك دائما معارضة حادة لهذا النوع من الأمر الواقع، ليس من جانب الحكومة فقط، لكن من جانب التيارات الليبرالية واليسارية أيضا، وهناك حُـجج كثيرة تساق بهذا الشأن، تتّـصل باحتمالات الانقلاب على الجميع بعد الوصول إلى السلطة، إن حدث، وعدم وضوح الأفكار فيما يتعلّـق بقضايا أساسية، وأنها تنظيم سرى أكثر منها قوة سياسية، وكذلك سيطرة المُـيول السلفية على كوادر الجماعة، واستغلال الشعارات الدينية في مجتمع يُـفترض أنه مدني.

لكن فيما يخُـص مسألة الدولة، يتمثل الاعتراض الرئيسي على جماعة الإخوان المسلمين في أنها لا تطرَح نفسها كمُـجرد بديل للحزب الحاكم القائم أو حتى للنظام السياسي الحالي، وإنما كبديل للدولة القائمة، أي الدولة المدنية المصرية التي تشكّـلت أسُـسها منذ عهد محمد علي في بداية القرن التاسع عشر. فالإخوان المسلمون يرغبون في إقامة دولة دينية (أو ذات مرجعية دينية) كفيلة بقلب الأمور رأسا على عقب في كل شيء، ابتداءً من نمَـط الحياة إلى السياسة الخارجية، حيث يُخشى أن تكون هناك "مصر" أخرى، إذا وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم.

إشارات مقلقة

لم تكن كل تلك التوجّـسات بدون أساس فيما يتعلّـق بفكرة الدولة تحديدا. فبعيدا عن البرامج السياسية والانتخابية المُـعلنة للجماعة والممارسات العملية لكوادرها في الجامعات والنقابات والبرلمان وغيرها، كانت الصّـدمة الأولى هي تلك التصريحات المُـثيرة عن المُـرشد العام للجماعة، الأستاذ مهدي عاكف، التي قال فيها "طز في مصر، وإللي في مصر ..."، وأعرب فيها عن عدم ممانعته في أن يتولّـى حكم مصر أحد الماليزيين مثلا، والتي كان مدلولها معروفا، بأن الجماعة لا تفكر في مصر كدولة لها حدودها وخصوصيتها، وإنما ولاية (ربما) ضمن كيان إسلامي أوسع، وهو ما مسّ مباشرة عقيدة الدولة.

في الأسابيع القليلة الماضية، تم المساس بأحد الخطوط الحمراء الأخرى المتعلقة هذه المرة بعُـقدة الدولة. فقد أدّت توجّـهات أجهزة الأمن إلى استبعاد المرشحين التابعين للإخوان وكثيرين غيرهم في انتخابات اتحادات الطلاب بالجامعات المصرية وانتخابات اتحادات العمال، التي جرت في نفس الفترة، وكان ردّ فعل الحركة مثيرا. فقد تمّـت عملية واسعة بمشاركة التيارات السياسية الأخرى، التي تم استبعاد مرشحيها بتنظيم انتخابات أخرى لتشكيل اتحادات موازية "حرة" بموازاة الاتحادات الرسمية، ليمس ذلك عُـقدة الدولة.

إن تصريحات قيادات الإخوان المسلمين لم تشر إلى أن ذلك يمثِّـل تمرّدا أو إقامة "سلطة موازية"، وإنما هو ردّ فعل لعملية شطب المرشحين ووسيلة لتحفيز الاتحادات "الشرعية"، والملفت، أن مرشحي الجماعة في الانتخابات الموازية لم يفوزوا بالأغلبية في مواجهة مرشحي الحركات المدنية، مثل حركة كفاية وأحزاب الناصري والغد والعمل والاشتراكيين والمستقلين، لكن السَّـير في هذا الاتجاه، قد أثار قلق أطراف كثيرة واستتبعته رُدود أفعال حادّة من أطراف كانت تؤيِّـد أحيانا حق الإخوان في الوجود والعمل. فعندما تصل الأمور إلى فكرة "الدولة"، تصبح أشياء كثيرة غير مقبولة.

اختبارات الإرادة .. إلى أين؟

لقد أشارت بعض الصُّـحف المصرية إلى أن الإخوان قد بدأوا في تأسيس "دولتهم البديلة" عبر كيانات مُـوازية للمؤسسات الرسمية والنقابية، وتمّ شنّ هجوم حادّ ضد الجماعة من جانب تيارات سياسية وتنظيمات مجتمع مدني مختلفة، لم تقتَـصِـر على المؤسسة الرسمية، باتِّـهامهم بأنهم يسعَـون إلى إقامة "دولة داخل دولة" أو على الأقل "مجتمع داخل المجتمع" من خلال الدّفع في اتجاه "أسلمة" كل مظاهر الحياة في مصر، وأن ذلك يمثل توجّـهات جديدة، تشير إلى نوايا غير مقبولة، تتعلّـق بمسألة تتجاوز السياسة إلى الإستراتيجية، أي الدولة.

لم تتجاهل قيادات الإخوان تلك الانتقادات، فبعض قيادات الجماعة تحدّث عن ذلك بصراحة، كالدكتور محمد حبيب، الذي أكّـد ما حدث، لكنه أشار إلى أن الدولة أكبر بكثير من إتحادي الطلاب والعمال، فهي تتضمّـن الجيش والشرطة والمؤسسات التشريعية والسلطة التنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني، إلا أن ذلك قد أثار أسئلة بأكثر ممّـا مثّـل إجابات، وتركّـزت الأسئلة حول المدى الذي وصلت إليه قوة الجماعة في مجالات الاقتصاد والمجتمع، وبعض القطاعات الحساسة، وكيف تفكر في واقع الأمر.

في النهاية، فإن العملية – كما تمّـت الإشارة في البداية - قد تمُـر كما مرّت أعمال أخرى في إطار اللُّـعبة السياسية المعقّـدة بين النظام السياسي والإخوان المسلمين في مصر، لكن دروسها ستظل ماثلة في أذهان الجميع،

فمن الواضح، منذ فترة طويلة، أن أي طرف لا يرغب في مواجهة الطرف الآخر بحدّة، إذ ستكون الخسائر المترتبة عنها كبيرة، لكن وصول اختبارات الإرادة إلى مستوى المساس بالدولة، سيؤدّى إلى تحوّل مُـهم في التفكير، قد تتّـضح نتائجه مستقبلا، فلن يستطيع أي طرف أن يتصرّف وكأنه لا يرى مشكلة على الجانب الآخر، لفترة طويلة، إلا إذا تم التوافق، بصورة ما، على أن فكرة الدولة خارج المباراة.

و كل ذلك بحسب المصدرالمذكور.

المصدر: سويس إنفو- 27-11-2006

 

مواضيع ذات علاقة:

لماذا لا يعترف "الإخوان المسلمون" بفشل "التنظيم الدولي"؟      

 حقائق خطيرة أم إتـهامـات كبيرة ؟ :الإخوان المسلمون... حقائق قديمة ما زالت صالحة لإثارة الدهشة

 هل بدأ الاصلاح يشق طريقه داخل جماعة الإخوان ! ؟

 تأثير نتائج الانتخابات المصرية على العلاقات الأمريكية – الإخوانية

علاقة الإخوان بالنظام المصري: أزمة منهجية أم مصالح متصادمة؟