الأردن: لماذا لا يتقدم الإصلاح السياسي

 

فارس بريزات

 

منذ ارتقاء الملك عبد الله الثاني العرش في 1999، احتدمت توقعات الإصلاح السياسي في الأردن  وما يتصل بها من جدل. في هذه الفترة، شكل خمسة رؤساء وزارات حكومات. في خطاب التكليف للحكومات المتعاقبة كان الملك يطلب إصلاحا سياسيا، أحيانا يحدد المسائل صراحةً (إصلاح النظام الانتخابي، قانون الأحزاب السياسية) وفي أحيان أخرى يذكر الحاجة للتنمية السياسية.  رغم طلبات الملك، كان هناك تقدم ضئيل. الحقيقة، أن عدم استقرار الحكومات الأردنية بالذات واعتمادها الكامل على الملك هو الذي يجعلها غير قادرة على الوفاء بطلباته.

الملك يعين رؤساء الوزارات ويعفيهم وبالتالي لديه السلطة لتنفيذ برنامج الإصلاح الذي تبناه. لكن "الإصلاحيين" الذين عُينوا وزراء ومستشارين لإدخال الإصلاح السياسي حتى الآن لم يكونوا "مصلحين" سياسيين ، باستثناءات قليلة. وحيث كانوا مهتمين بالإصلاح الاقتصادي لا السياسي، لم يروا في الإصلاح السياسي أولوية عليا وفي الحقيقة كانوا سلطويين ليبراليين أكثر منهم إصلاحيين من حيث التوجه.وقد أحبطت هذه الحال بعض السياسيين والنشطاء ذوي العقلية الإصلاحية وجعلتهم ينسحبون من مجهود الإصلاح، مع الشكوى من الافتقار إلى الدعم الرسمي لبرامجهم الإصلاحية في أوقات حرجة.

قد لا يرجع بطء الإصلاح إلى أخطاء رؤساء الوزارات أو الوزراء الأفراد، بل بالأحرى إلى مشكلة هيكلية يتسبب فيها النهج الجاري لتشكيل الحكومة. الحكومات تعمل برضا الملك. وبالتالي الملك لـه مسؤولية غير مباشرة عن سقطات حكوماته لأن الناس لا يستطيعون محاسبة الحكومة من خلال الانتخابات الدورية. حتى البرلمان لا يكاد يكون له قول في تشكيل الحكومة وعزلها. ورغم أن الحكومات يجب أن يصادق عليها البرلمان، فإنها ليست حكومات أغلبية برلمانية.

الآن تعد حكومة رئيس الوزراء معروف البخيت تشريعا جديدا للأحزاب السياسية والانتخابات والبلديات من بين عدد كبير من مشروعات القوانين التي تتعامل مع الإصلاح السياسي. الخشية هي أن العمل على هذا التشريع، مثلما حدث في محاولات سابقة، لن يكتمل إذا تغيرت الحكومة. كان النمط هو أن تبدأ الحكومة العمل على تشريع بمناقشة الأفكار مع اللاعبين المعنيين، لكن عندئذ يجري تغييرها؛ ثم تعيد حكومة جديدة اختراع الدولاب رغم أن كثيرا من المسائل تكون قد سوُيّت.  كما أن سجل الحكومات المعينة لم يكن مبهرا في مسائل أخرى ذات أولوية عند الشعب الأردني مثل البطالة والفقر والفساد وزيادات الأسعار.

إن شعورا بخيبة الأمل العامة في وتيرة الإصلاح السياسي واضحة في الاستطلاعات التي قام بها "مركز الدراسات الإستراتيجية". على مدى السنوات العشر الأخيرة، في المتوسط، يرى الأردنيون مستوى الديموقراطية في الأردن عند حوالي 5 من 10. مع ذلك يفضل أكثر من 85 بالمائة من الأردنيين نظاما سياسيا ديموقراطيا لبلادهم، وترفض نسبة مماثلة السلطوية. هكذا من الواضح أن الإصلاح السياسي الأردني يتلكأ وراء ما يريده الجمهور.

للتعامل مع الطلب المتنامي للإصلاح السياسي وخيبة الأمل فيه، على الملَكية أن تقود عملية الإصلاح السياسي وتسمح للائتلاف الذي يكسب أغلبية في البرلمان بأن يشكل حكومة.  من شأن هذا أن يتطلب تبني قانون انتخابي جديد يوفر الشروط الضرورية لائتلافات سياسية على نطاق البلاد. يجب أن يُنتخب 50 بالمائة من المقاعد البرلمانية على أساس التمثيل النسبي. قد تحتاج الدولة فعلا أن تساعد على تنظيم ائتلافات يسار  ـ وسط ويمين ـ وسط لتتنافس في الانتخابات. لا شك أن قائمة ثالثة ستكون من الإسلاميين. الخط الرسمي هو أن الملَكية لا تستطيع خلق مثل هذا الاختيار بينما الأحزاب السياسية لا تزال ضعيفة. لكن الناس لن ينضموا إلى الأحزاب السياسية ويشاركوا في العملية السياسية ما لم يروا حوافز لفعل ذلك. ما أن تتوفر لهم آلية واضحة تشجعهم على أن يكونوا نشيطين، يمكن الاعتماد على الأردنيين للعمل وفقا لمصالحهم في المجال السياسي.

* باحث وخبير استطلاعات في "مركز الدراسات الاستراتيجية" بالجامعة الأردنية في عمّان.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: نشرة الإصلاح العربي- اكتوبر 2006

 

 مواضيع ذات علاقة:

الأردن: ما بين إنعاش الأحـزاب السياسية.. والنفخ في القربة المثقوبة!

 الأردن .. و"الإخوان" .. والأسئلة الكبرى!

 اخوان الاردن بين تيار «حماس» وهواجس السلطة              

 الملك الأردني يرفض أي تعديل للدستور البلاد