إطلاق عملية الدمقراطة؛هل من شروط؟

 

 خالد الحروب

 

 

كتب خالد الحروب مقالاً بعنوان " الشرط الاجتماعي- الثقافي للديمقراطية السياسية" أهم من ما جاء فيه:

لا تتأسس الديمقراطيات السياسية في فراغ اجتماعي وثقافي, كما لا تتأسس بقرار فوقي داخلي أو خارجي. العملية الديمقراطية صيرورة تاريخية واجتماعية متكاملة الجوانب, واختزالها في الجانب السياسي منها, الذي هو مركزي ورئيسي بالطبع, لا يُقدم فهماً عميقاً ولا تسيُّساً إيجابياً نحو تحقيقها. ومن أهم القناعات التأسيسية إزاء المسألة الديمقراطية في المجتمعات الطامحة لها, أو وسط النخب الداعية إليها, هو إدراك أنها إطار إجرائي يضبط الصراعات السياسية والاجتماعية للمجتمع ضمن سياق سلمي. أي أنها ليست أيديولوجية تحمل حلولاً سحرية للمشكلات المستعصية التي تواجهها مشكلات ما قبل التحول الديمقراطي. إنها الميدان الحُر والمفتوح للتنافس بين الحلول التي تطرحها المجموعات السياسية والثقافية والدينية على المجتمع وتحيل إليه القرار باختيار أي منها على قاعدة القناعات الفردية للناخبين. إذن تمنح العملية الديمقراطية, نظرياً, ثقتها بالفرد كي يمحِّص البرامج السياسية والاجتماعية التي تطرحها الأحزاب عليه طمعاً في الحصول بالتالي على ثقته. والفرضية الأساسية في تبادل الثقة هنا بين العملية الديمقراطية والفرد تقوم على أساس أن الفرد يقوم بتقييم ثم اختيار البرنامج السياسي ومن ثم التصويت للحزب المعني بناءً على عناصر تقييم موضوعي تقارن بين ما هو مطروح. الفرد يصوت للبرنامج الذي يحقق مصلحته الاجتماعية والمهنية والحياتية ويرى فيه تجسيداً لتطلعاته وقناعاته السياسية والفكرية.

القناعة التأسيسية الأخرى للعملية الديمقراطية المتكاملة (السياسية, الاجتماعية, الثقافية) هي احترام الأفراد وتقدير حريتهم في الاختيار الطوعي, والممارسة الحرة حتى وإن خالفت ما هو سائد من قناعات جماعية وذلك بما لا يتعدى على حرية الآخرين. وبشكل أكثر تفصيلاً لا تنفصل الحرية الاجتماعية والثقافية والعقدية عن جوهر التفكير الديمقراطي المعبَّر عنه سياسياً في غالب الأحيان. والتعبير السياسي عن الديمقراطية والدعاوى التي لا تنقطع لتحقيقها في السياق العربي مندفعة تعريفاً بالرغبة في التخلص من الاستبداد والنمط السلطوي في الحكم. وهذا الاندفاع السياسي المفهوم والمبرر من ناحية ما زال ينقصه اندفاع موازٍ وقناعات مناظرة على مستوى الدمقرطة الاجتماعية والثقافية. دعوات الدمقرطة السياسية الصرفة ضامرة النضج وهي لا تؤسس لمجتمعات حُرة بالمعنى الواسع لكلمة الحرية. فمن دون دمقرطات موازية في مجتمعات تسيطر عليها أنماط التفكير الأبوي والتقليدي ويتحكم فيها الخطاب الشعبوي المحافظ وليس المستنير يصعب التكهن بمصائر مشرقة تنتج عن تطبيق الدمقرطة السياسية لوحدها.

فالذي حدث ويحدث في سيرورات الانتقال إلى الديمقراطية في المجتمعات غير المعتادة عليها (كما في حالات أفريقية, وآسيوية, وعربية عديدة) هو محاولة تركيب حداثة سياسية فوقية على بنى اجتماعية ثقافية غير حداثية بعد. وبهذا فإن ما يتم تحت الغطاء الحداثي السياسي (المنقطع عن البنية التحتية للمجتمع) هو أن البنى التقليدية الإثنية والطائفية والعشائرية تعيد إنتاج نفسها وفق التقطيع الديمقراطي التحزبي الجديد. وتصبح التعددية الحزبية الاسم الرمزي للتعدديات والتنافسات الإثنية والطائفية والعشائرية التي يتأسس التصويت الانتخابي لها على قاعدة الولاء والتبعية العمياء، وليس على قاعدة التقدير الموضوعي للمصالح الآنية وللمستقبلات البعْدية.

إن أية نظرة مدققة في حال المجتمعات التي لا زالت تتحكم بها بنى غير حداثية وأرادت أن تنخرط في عمليات دمقرطة سريعة الإيقاع تقدم لنا نماذج عديدة تتدرج من النجاح النسبي والمتواضع إلى الفشل أو شبه الفشل. والحالات التي اتصفت بالنجاح النسبي تحقق لها ذلك إما بسبب مرونة البني غير الحداثية وتقبلها النسبي والتدريجي للتغيير, أو بسبب اشتغال القدرة النسبية للدمقرطة السياسية على دفع الدمقرطات الاجتماعية والثقافية نحو الانفتاح وتقبل الآخر.

إطلاق عملية دمقرطة اجتماعية وثقافية واسعة النطاق بموازاة أية دمقرطة سياسية لا يمكن أن يتم بشكل فوقي أيضاً. كما أن الفهم المبْتسر للدمقرطة السياسية (كما هي نسخة جورج بوش المتهافتة لدمقرطة الشرق الأوسط) بكونها الحامل الأساسي للتغيير الاجتماعي لا يقدم الكثير على مستوى تجذير الوعي الديمقراطي.

والأمر شبه المؤكد, إلى حد إثارة الإحباط والغيظ, هو أن الدمقرطة الاجتماعية والثقافية تحدث ببطء مُمل وفي ضوء اشتراطات تاريخية يختلط ما هو محلي منها بما هو خارجي. وهي على العموم اشتراطات تتباين زماناً وتختلف بيئة ولا يمكن إدراجها كقائمة شروط أو ظروف إن تحققت وتم "تطبيقها" فإن الدمقرطة تنطلق آلياً. تحتاج المجتمعات التي تأمل نحو التقدم إلى دمقرطة حقيقية أن تصل إلى قناعات حقيقية بأن تلك الدمقرطة تخلصها من إشكالات ملحة وضاغطة عليها. عربياً, لم تترسخ قناعات شعبية عريضة, وربما نخبوية أيضاً, بأن الدمقرطة الاجتماعية والثقافية ملحة إلى درجة كبيرة. هناك قناعات أكبر, وأحياناً شبه دينية, بضرورة الدمقرطة السياسية وإحالة التخلص من عدد كبير من المشكلات على تحقق هذه الدمقرطة. لكن ليس ثمة قناعة موازية ولا حتى قناعة معقولة بإلحاح الدمقرطة الاجتماعية والثقافية. على ذلك يصير المطلوب المتسرِّع والمبْتسر عربياً, على مستوى النخبة والرأي العام, هو تركيب الديمقراطية السياسية على "الوضع القائم" اجتماعياً وثقافياً. وهذا الطلب منطلق عملياً وآلياً من واقع الاستبداد السياسي الذي ولَّد القناعة المتنامية وشبه المترسخة بضرورة الحل الديمقراطي.

في المقابل, هناك توافقات اجتماعية وثقافية عريضة على ضرورة "وضع حد" للديمقراطية بمعناها الأعرض الحامل للحرية وخاصة عندما تطال الفضاء الاجتماعي والثقافي و. والمشكلة, راهناً, هي أن سيادة المناخ التعصبي المحافظ الذي يستند إلى رؤى دينية غير مستنيرة وغير آبهة بفتح آفاق جديدة للاجتهاد الديني لا تني تكرس تلك التوافقات الاجتماعية.

وهنا تتحمل النخب الثقافية الإسلاموية والمتحالفة معها مسؤولية التكلُّس الذي يصيب الحياة الفكرية والثقافية في العالم العربي والإسلامي لأنها غير مستعدة للقبول بزحزحة ثقل التفسيرات الجامدة للدين وإطلاق تفسيرات عصرية وجديدة تتعاطى مع واقع الحياة بروح التقدم والانفتاح وإطلاق الطاقات.

وفي خضم مسارات الدمقرطة غير المتوازنة, حيث الدمقرطة السياسية ذات صوت وجلبة وتقدم أكثر من شقيقاتها الدمقرطتين الاجتماعية والثقافية, تتوفر للنخب السياسية الحاكمة مسوغات كبيرة لقطع الطريق حتى على الدمقرطة السياسية التي تحظى بشعبية داخلية وخارجية. فعلى ضوء الحالات والشواهد والممارسات اللاديمقراطية في الفضاء الاجتماعي والثقافي (كاتهامات المثقفين, والمطاردات الفكرية, والشعبوية, وسيادة نبرة اللاتسامح), تظل النخب الحاكمة تردد أن مجتمعاتنا ما زالت غير مستعدة للديمقراطية, وأنه من الأفضل الإبقاء على الوضع القائم باستبداده السياسي وانغلاقه على النخب الحاكمة على خوض مغامرة الديمقراطية السياسية التي قد تجلب لاديمقراطيات اجتماعية وثقافية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: مقتطفات من المقالة المنشورة في صحيفة الإتحاد الإماراتية-العدد  24110