دور الدولة القطرية في تأجيج الفتن والصراعات الطائفية

 

رائد قاسم

 

ما من فرد أو مجتمع إلا ويتمتع بطاقة ايجابية دافعة حباه الخالق بها تمكنه من تحقيق التقدم والرخاء وصياغة النظريات الإنسانية والعلمية التي تساهم في حل مشاكله العالقة وتتيح له سبيل حياة أفضل .

الطاقة الفردية جزء من الطاقة الاجتماعية في عمومها وإذا لم تستثمر على مختلف الأصعدة ستكون لها نتائج عكسية على المجتمع ذاته وعلى القوة المهيمنة عليه ، وبما أن الدولة تعتبر القوة المسيطرة على الشعب بما تمتلكه من مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية وتمتعها باعتراف دولي أصبحت من خلاله ممثلة له وراعية لمصالحه فإنها بذلك تعتبر القوة القادرة على استغلال  الطاقات الإنسانية لشعبها عبر مؤسساتها المختلفة ، لا سيما عندما تكون هذه الدولة شمولية الطابع والأداء والسياسية ، تنعدم في أرجائها مؤسسات المجتمع الأهلي والحريات الفردية والجمعية ، فالدول التولتارية عادة توجه شعوبها للذوبان الكلي في دوائرها ليتحولوا إلى رعايا ، ولتصبح الدولة راعية ، وبالتالي لا يتمكن الإنسان من تسيير شئونه المختلفة دون الاتكاء على الدولة باعتبارها دولة أبوية .

أن عدم توفير الدولة التولتارية الرعوية لمساحات داخلية لاستغلال واستهلاك الطاقة الشعبية سينتج عنه نتائج خطيرة على وجودها ككيان وقوة حاكمة مسيطرة وسوف تتجه هذه الطاقة الشعبية الهائلة باتجاه تقويض سيطرتها على السلطة أو تحجيمها على الأقل .

أن النموذج الشيوعي السوفييتي مثالا نموذجيا على ذلك ، فالدولة السوفييتية وفرة لمواطنيها حرية النشاط والحركة في أيطار مؤسساتها الثقافية والفكرية والعلمية والبحثية ، ووجهت الطاقات الإنسانية من خلال توظيفها في هذه المؤسسات فنتج عنها نهضة علمية استمرت زهاء نصف قرن قبل أن تنهار بسبب سيطرة الجمود المدمر على الاقتصاد والنظام السياسي وعدم قدرة الدولة على رعاية مصالح الملايين من أفراد الشعب ، بينما في المقابل قامت الصين الشيوعية بإصلاحات واسعة حولت الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة إلى اكبر قطاع عام في العالم واستوعبت ملايين المواطنين في شركات تتمتع باستقلالية ومرونة في اتخاذ القرار بعيدا عن السلطة المركزية ، فتحولت الصين إلى قوة صناعية كبيرة ، وهي الآن بعيدة عن خطر ثورة شعبية تطيح بنظامها الشيوعي الحاكم منذ أكثر من 70 عاما.

أن السلطات التنفيذية والتشريعية في الدول المتقدمة تولد من رحم مجتمعاتها وتمارس السلطة بناء على ترشيح غالبية أفراد الشعب وتبقى في الحكم لمدة معينة لا تتجاوزها وفقا لدستور ناجز ، ومن أهم وظائفها وواجباتها توفير المساحات الواسعة للأفراد والجماعات لممارسة الحق الواسع النطاق والحرية ذات الهامش الكبير في التطور والتنمية   سواء كانت اقتصادية واجتماعية أو ثقافية ، وتسخر مؤسسات الدولة لذلك أيضا لتصبح الدوائر الرسمية والأهلية في خدمة الشعب بكافة انتماءاته وتوجهاته .

في العالم العربي أو العالم الثالث حسب المعايير الدولية توجهه الدولة القطرية طاقات المجتمع بمبعد عن هدف مركزي يشكل مسار تعاقدي ما بين الحكم والقاعدة الجماهيرية ، أن الدولة القطرية في العالم الثالث توجه طاقات المجتمع وقدراته الإبداعية   في اتجاه عبثي، وهمي،ميتافيزيقي، وذلك حفاظا على مكتسبات السلطة وضمان عم توجه النخب وعامة الجماهير لانتزاع حقوها السياسية والاقتصادية والمدنية والثقافية المسلوبة من قبل حزب السلطة أو الشريحة الحاكمة .

أن الدولة القطرية الاستبدادية   في العالم الثالث تفسح المجال للطاقات الشعبية لتستنفذ من خلال مؤسسات ترعاها أجهزة السلطة ، من دون أن يكون لها مردود واقعي ونتائج ايجابية تصب في صالح التنمية المستديمة للبلاد ، ذلك أن الشريحة الحاكمة أو الحزب الحاكم لم يأتي إلى السلطة من خلال إرادة شعبية وبالتالي لا يعبر عن آمال الشعب وتطلعاته وطموحاته ولعل من أهم ظواهر ضعف شرعية الحكم في العالم الثالث عدم إشراكه الشعب في أي قرار مصيري عن طريق الاستفتاء العام أو من خلال مجلس يمثل الشعب تمثيلا حقيقيا وواقعيا، أن هناك فجوة نفسية عميقة ، وتضارب   في المصلح والاتجاهات بين السلطة وجماهيرها ، وان هناك ثمة احتمال تفجر صراع على الحكم ما بين الشريحة الحاكمة والفئات والطبقات الشعبية الأخرى، ومن اجل ضمان عدم حدوث مثل هذا الصراع تعمد الدولة القطرية الشمولية إلى تفريغ الطاقات الشعبية بمختلف اتجاهاتها من خلال تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية والقومية والعرقية والاثنية ضمانا لعدم اتجاهها نحو المطالبة بالحقوق والمشاركة في إدارة دفة الحكم ، وتساهم سياسة الدولة الأمنية في ذلك فتحظر توجيه طاقات المجتمع باتجاه الحالة السياسية التي تمس السلطة وتطلق العنان للنزاعات الطائفية التي تساهم في تغذيتها باستمرار ليبقى الشعب بعيدا عن تكاثفه باتجاه تحديد أولوياته المصيرية ، متجهه لنزاعاته الطائفية ، مفرغة طاقاته في صراعات لا نهاية لها ، ليصبح الواقع السياسي والديني منحصرا ما بين نظام شمولي حاكم ومجتمع ديني سلفي ، يعيش الحاضر والماضي والمستقبل في لحظة واحدة وبالتالي يفقد القدرة تماما على الاستفادة من الماضي وانجازات الحاضر وبناء المستقبل.  

أن الصراعات الطائفية مطلوبة في البلدان المتخلفة التي تسيطر عليها أنظمة شمولية رجعية من اجل ضمان تحييد الشعوب وشل قدرتها على المطالبة بحقوقها ، فبينما يقتل الشعب الفلسطيني كل يوم من قبل الجيش الإسرائيلي  تخرج جماعة متطرفة في باكستان لتقتل مجموعة من المصلين   في احد مساجد الشيعة ، ورغم أن المسلمين بحاجة إلى التلاحم ورص الصفوف  إلا أن هؤلاء ما يزالون متمسكين بمنطلقاتهم العقائدية الاقصائية المتحجرة، في احد البرامج التلفزيونية على قناة المستقلة اتصل العديد من المشاهدين وأعلنوا عدم رغبتهم في التعاون مع الشيعة، وان الشيعة اعد أعداء السنة بل أنهم العدو رقم واحد بلا شك ولا ريب، بل ورفض بعضهم الدعم الإيراني للفصائل الفلسطينية المسلحة   بحجة أن إيران شيعية ، لقد  كان لي حوار سابق مع بعض المتطرفين فأكد لي انه يتمنى أن تلملم طالبان والقاعدة الصفوف ليكملوا مسيرة جهادهم صوب طهران فردد الحاضرون بكل تأكيد : آميـن !! .

على الشعوب في العالم الثالث أن تبدأ بمراجعة ثوابتها ومفاهيمها الثقافية وقيمها الاجتماعية حتى تتمكن من بلورة حياة جديدة قوامها التعددية والحرية والدستورية واحترام الرأي والرأي الآخر ، لتتراجع الظواهر الإرهابية   وتصبح قادرة على الالتحاق بركب العالم الحر وتستطيع المساهمة الفاعلة والمؤثرة في صياغة عالم أكثر أمنا وعدالة وحرية ورفاه.  

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكورنصاً و دون تعليق.

المصدر: الحرية و الحقيقة-20-1-2006