حزب العمال البريطاني ؛ جــيـــــل في الانتظار

 

سترايكر مغواير

 

فيما يجتمع حزب العمال في بريطانيا للتفكير في مستقبله، يظل التحدي الأكبر هو أن يحافظ على وحدته

لطالما وصفتهما الصحافة بأنهما رأسا الحربة في معسكرين معاديين. فديفيد ميليباند يخدم سيدا واحدا: رئيس الوزراء توني بلير. ودوغلاس آلكساندر يخدم سيدا آخر: هو وزير المالية غوردن براون. ومع ذلك، كانا يدردشان الأسبوع الماضي مع نيوزويك في مكتب ميليباند الوزاري المطل على إحدى ساحات لندن المورقة. وقد أكمل كل من عضوي البرلمان جملة الآخر وعكسا حركات الآخر ـــ ومع رعشة تنافسية ـــ قبلا بوجهة نظر الآخر بأسلوب تلخصه عبارة "من بعدك، لا والله". وحين وصل مصور، قام ميليباند، البالغ 41 عاما، برفع أكمامه» وبعده بدقائق، حذا آلكساندر، البالغ 38 عاما، حذوه. تنافس؟ أي تنافس؟

يقول ميليباند: "إذا كنا لا نزال نتحدث بعد 20 سنة [عن أنصار بلير وأنصار براون] لن نكون قد أنجزنا الكثير".

وهذا المشهد الثنائي الذي قدمه ميليباند وآلكساندر ليس مجرد عرض مسرحي. فهما فعلا قلقان جراء النزاع الذي عاث خرابا في حزب العمل في الأسابيع الأخيرة. فقبل ثلاثة أسابيع، أسفر تمرد من جانب أعضاء البرلمان الذين كانوا أوفياء في السابق لبلير عن إعلان هذا الأخير عن تنحيه لمصلحة براون الصيف المقبل. لكن يستمر الصراع فيما تتقاتل الفصائل للتحكم بالبرنامج السياسي من الآن وحتى تخلي بلير عن السلطة. والأسبوع الماضي، خلال جلسة متشنجة لمجلس الوزراء، حذر بعض الوزراء من أن الصراعات من أجل السلطة بدأت تنفر العامة. ويقال إن أحدهم قال في هذا الخصوص: "لا بد أن يتوقف ما يحصل". وفيما يلتئم شمل الحزب في مانشستر من أجل المؤتمر السنوي المنعقد هذا الأسبوع ـــ وهو الأخير في ظل قيادة بلير ـــ يشكل الانسجام كلمة السر. فما يحتاج إليه حزب العمل بحسب رئيسة الحزب هازل بليرز "ليس مجرد إظهار الاتحاد لكن الاتحاد فعلا وبشكل جدي من رأس الحزب وحتى القاعدة".

لكن هذا الطلب صعب. فحتى في ظل الهدنة المعلنة بين بلير وبراون، يستمر كبار السياسيين، الذين تفلت زمام السلطة من أيديهم، في إحياء النزاعات. وبعضهم، أمثال رئيس مجلس العموم جاك سترو البالغ 60 عاما، قد حرصوا على إبقاء علاقات طيبة ببراون. أما آخرون، مثل وزير الداخلية جون ريد، البالغ 59 عاما، ووزير التربية آلان جونسون، البالغ 56 عاما، فينتظران في الخلف على أهبة الاستعداد لاستلام منصب رئيس الوزراء في حال زلت قدم وزير المالية. ويواجه براون هجمات مما يسميه سوندر كاتوالا من مؤسسة فابيان "سرية الانتحاريين البليريين" ومن بينهم الوزراء السابقون آلان ميلبرن وسيفن بايرز اللذان ليست لديهما أي آفاق مستقبلية في حكومة براون. ومع كل هذه المشاكل المتراكمة، يظن الناخبون بشكل متزايد أن ديفيد كامرون، زعيم المحافظين البالغ 39 عاما، سيكون رئيس وزراء أكثر فعالية وحماسا وأقرب إلى القلب من براون بحسب استطلاع للرأي أجرته الأسبوع الماضي صحيفة غارديان.

ووسط هذه الجلبة، يتنكب أساسا "الجيل الثاني" من حزب العمل الجديد مسؤولية العمل على اتحاد الحزب. وهذه العبارة يستعملها ميليباند وآلكساندر في مقالة كتباها معا هذا الأسبوع وتشير إلى سياسيين في عقدهم الثالث أو بداية الرابع لا بد أن يتطلعوا إلى ما بعد بلير وبراون، إلى اليوم الذي سيستلمون فيه قيادة الحزب. والمقال بحد ذاته، برنامج مصغر لحزب العمل "الجديد" منصة أفكار لحقبة ما بعد بلير وما بعد براون. (والعبارة الرئيسة التي لا تنفك تتكرر استعاراها من الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون وهي "اقتصاد زائد"، أي "اقتصاد زائد اتصالات، زائد سفر، زائد هجرة، زائد حس بالطرق الجديدة التي يعيش وفقها الناس حول العالم"). وأهم ما في الأمر أن ألمع شرارتين في الحزب وهما يمثلان جهتين متنازعتين، قد كتباه سوية ولم يطعن أحدهما الآخر في الظهر.

ووجه هذا الجيل الجديد هو في الواقع مختلف تماما. فبلير وبراون يجيئان من خلفيات متباينة جدا إلى حد عكس الشق الاجتماعي التقليدي في بريطانيا بين الطبقة العليا والطبقة العاملة. ويتشاطر القادة الصاعدون في حزب العمل نظرة للعالم أكثر وحدة. فإذا صقلت شخصية قدامى الحزب الحرب الباردة والمعارك الضروس بين الحكومة والنقابات ـــ التاتشرية في وجه حزب العمل القديم ـــ إن نظرة الجدد صقلتها العولمة والهجرة والأسواق الحرة. ويكفي أنصار حزب العمل، الذين يخشون عودة حزبهم نوعا ما إلى الماضي في ظل قيادة براون، أن يتطلعوا إلى الشباب الذين يحيطون به للاطمئنان.

إليكم ميليباند. فغالبا ما يتم وصفه على أنه رئيس وزراء المستقبل وهو حاليا أهم من يقوم برأب الصدع. وردا على سؤال خلال الأسبوع الماضي حول ما إذا كان يعترض على تسميته "بليري يساند براون"، يقول: "يمكن أن يقال عنك أشياء أكثر فظاظة بكثير من ذلك". وهو يعرف عما يتحدث: فشقيقه الأصغر سنا، إد، البالغ 36 عاما، عضو أيضا في البرلمان وأحد المساعدين السابقين لبراون وعضو من مجموعة المستشارين لديه. وكالكثير من أعضاء الطبقة المستنيرة من الجيل الثاني، كلاهما درس الفلسفة والسياسة والاقتصاد في أكسفورد ثم غادرا إلى أمريكا للدراسة. وكان ديفيد قد حاز منحة كنيدي وتابع تحصيله العلمي في معهد ماستشوستس للتكنولوجيا فيما درس إد في كلية جون أف كنيدي لإدارة الحكم التابعة لجامعة هارفرد وكذا فعل آلكسندر الذي درس السياسة في جامعة أدنبره. وقبل نيل مناصب وزارية، كانت مسيرتاهما في الأوساط الحكومية متباعدتين لكن متشابهتين. فكان ديفيد يدير وحدة بلير السياسية. أما إد وبراون فكانا يعملان لمصلحة براون.

وهما اليوم في حالة ترقب وانتظار ميليباند في منصب وزير البيئة وآلكسندر في منصب وزير النقل. أما إد ميليباند فيعمل في مكتب رئيس الوزراء. صديقه إد بول، البالغ 39 عاما، الذي حاز أيضا منحة كنيدي، هو من أقرب مستشاري براون. وهكذا هي الحال في الدوائر العليا. فروث كيلي البالغة 38 عاما والتي تشغل منصب وزيرة البلديات والحكم المحلي (وقد درست أيضا الفلسفة والسياسة والاقتصاد في أكسفورد) قد عملت لبراون. أما جيمس بورنيل، البالغ 36 عاما، وهو وزير معاشات التقاعد والذي درس مثل سابقيه، فقد عمل لبلير. كما أن ليام بيرن، البالغ 35 عاما، الذي يشغل منصب وزير الدولة للشؤون الداخلية (حائز منحة فولبرايت ومتخرج في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفرد) قد عمل أيضا لبلير. والأهم أن لديهم جميعا هدفا مشتركا: الحرص على أن الحزب الذي سيرثونه لن يدمر نفسه. ويقول ميليباند: "لن نضيع فرصة صقل هذه البلاد".

ميليباند وأمثاله لن يغيروا الكثير لفترة من الوقت. لكن حين يحين وقتهم ستكون "العدالة بين الأجيال" قضية كبرى. هذه هي الفكرة كما يعبر عنها ميليباند وآلكسندر في مقالتهما ومفادها أن الشباب لا بد أن يحظوا بقدر الاهتمام نفسه الذي يحظى به الكبار في السن (في التعليم، مثلا). كما سيحتدم النقاش حول مسألتي الهجرة والبيئة.

وقلة من هذه الموضوعات مدرجة على جدول أعمال حزب العمل فيما يجتمع هذا الأسبوع. وبشكل رئيسي، جل ما يريده الحزب هو البقاء متحدا والفوز بالانتخابات المقبلة على الأرجح عام .2009 ولا تلطّف هازل بليرز كلامها، فهي تقول: "بالنسبة إلي، يكمن الاختبار في إظهار ما إذا كنا نملك «جينات الحكم» في حمضنا النووي. هل نظن فعلا أن حزب العمل هو بشكل طبيعي الحزب القادر على الحكم أم أننا نظن أن المحافظين يحكمون وأننا نأتي بين الفينة والفينة من أجل نفحة تغيير؟" هناك شيء واحد تعرفه جيدا، تماما مثل ميليباند وآلكسندر وآخرين ممن يرأبون الصدع: لن ينجح حزب العمل في اختبار الجينات إذا تمزق من الداخل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر http://newsweek.alwatan.com.kw :