هل أصبح تعذيب المعتقلين قانونيا في الولايات المتحدة؟

 

 

الكونغرس يقر مشروع قانون محاكمة المعتقلين

كما كان متوقعا وكنتيجة مباشرة لاتفاق التسوية بين الرئيس بوش ومجموعة "المتمردين" من رموز الحزب الجمهوري بقيادة السيناتور جون ماكين الأسبوع الماضي، وافق الكونغرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ على إقرار تشريع يمنح إدارة الرئيس بوش صلاحية استجواب ومحاكمة معتقلين مشتبه في صلتهم بالإرهاب. فقد وافق مجلس النواب الأمريكي في جلسته  التي انعقدت الأربعاء 27 سبتمبر على تمرير مشروع القانون. وجاءت نتيجة التصويت لصالح المشروع بفارق كبير، حيث أيد المشروع 235 نائبا بينما عارضه 168  نائبا من أعضاء مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون.

عارض معظم النواب الديموقراطيين قي المجلس مشروع القانون وانتقدوا منح الرئيس هذه الحجم من السلطة والصلاحيات في تحديد نوعية وأسلوب استجواب المتهمين، كما أبدوا قلقهم من عدم توفر الضمانات الكافية التي تسمح لمعتقلي "الحرب على الإرهاب" بالدفاع عن أنفسهم خلال المحاكمة. وقد حاول بعض الديموقراطيين إدخال بعض التعديلات على مشروع القرار بناء على الأسباب التي استندت إليها سابقا لجنة سياسات التسلح التابعة لمجلس الشيوخ لكن هذه التعديلات قوبلت بالرفض.

جون بوهنر زعيم  الأغلبية في مجلس النواب وممثل ولاية أوهايو حاول التأثير على قرار النواب الديموقراطيين قبل إجراء عملية التصويت مباشرة عندما توجه  إليهم قائلا: "هل سيعمل أصدقائي الديموقراطيين مع  الجمهوريين لمنح الرئيس الأدوات التي يحتاج اليها لكي يواصل منعه وقوع هجمات إرهابية قبل حدوثها، أم سيصوتون ضد المشروع لكي يجبر على خوض المعركة وذراعه مقيدة خلف ظهره؟"

وفي صباح اليوم التالي (الخميس 28 سبتمبر) دعا الرئيس بوش أعضاء مجلس الشيوخ بأن يحذو حذو زملائهم في مجلس النواب ويصوتوا لصالح مشروع القانون وذلك خلال اجتماعه بالأعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري.  وكانت نتيجة التصويت في مساء اليوم كما أرادها الرئيس وإدارته، حيث صوت المجلس لصالح القرار بموافقة 65 عضوا في مقابل معارضة 34 من أعضاء مجلس الشيوخ.

وطبقا للتشريع الذي تم إقراره في الكونغرس، يفترض أن  يتم عقد محاكم عسكرية  للمعتقلين الذين يشتبه في صلتهم بالإرهاب وفي مقدمتهم معتقلي غوانتنامو، وعلى الرغم  من تحريم التشريع الجديد أنواع قاسية من أساليب التعذيب، فإنه لا يسمح للمعتقليين بالشكوى او الاعتراض على ظروف احتجازهم والطريقة التي تم بها استجوابهم. ويوسع مشروع القانون كذلك مفهوم المتهم بالإرهاب ليشمل الإرهابي ومن يدعمه بالمال وتوفير الملاذ الآمن...إلخ ويسعى النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون إلى الانتهاء من إجراءات إقرار مشروع القانون قبل نهاية الإسبوع لكي يسلموا الرئيس بوش النسخة النهائية للقانون  قبل مغادرتهم العاصمة واشنطن للتفرغ  للحملات انتخابات الكونغرس المقرر إجراؤها في السابع من شهر نوفمبر القادم.

الحكاية من البداية

رغم الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها الحكومة الأمريكية على مدار السنوات الأخيرة في الداخل والخارج  فيما يتعلق بالحالة القانونية لمعتقلي غوانتانمو ومخالفتها للقوانين الأمريكية والأعراف والمواثيق الدولية، ظل الرئيس بوش مصرا على الاحتفاظ بهم واحتجازهم دون محاكمة، بل ودافع أحيانا عن استخدام التعذيب في استجوابهم  مبررا ذلك بالأهمية البالغة للمعلومات والأسرار التي كان من غير الممكن الكشف عنها دون استخدام بعض هذه الوسائل أثناء الاستجواب. وكثيرا ما عزف الرئيس على وتر أمن الولايات المتحدة وأن الدافع وراء اصراره  هو حماية المواطنين من خطر وقوع  اي هجمات إرهابية في المستقبل.

 كانت الإدارة الأمريكية تخشى ولاتزال من أن تقديم المعتقلين الأجانب إلى المحاكم العادية المدنية حيث ربما ينتهي الأمر بإطلاق سراح الكثير منهم، خاصة وأن القرائن والأدلة ضدهم سرية أو غير مكتملة. ولكن مع تزايد الضغط على إدارة بوش من الديموقراطيين ومؤسسات الحريات العامة وحقوق الإنسان، بل ومن رموز كبيرة في الحزب الجمهوري وفي مقدمتهم السيناتور جون ماكين، عزمت الإدارة على تقديم هؤلاء المعتقلين إلى محاكمات عسكرية. لكن المحكمة الدستورية العليا الأمريكية في يونيو الماضي أعلنت عدم قانونية هذا الإجراء نظرا لعدم وجود أي تشريع من الكونغرس يسمح بعقد محاكمات عسكرية للمعتقلين الأجانب، أو السماح باستخدام أي وسائل تعذيب حرمتها القوانين الأمريكية والمواثيق الدولية خاصة معاهدة جنيف  في معاملة  المعتقلين وأسرى الحرب. ولذلك كان يتعين على الرئيس بوش أن يحصل من الكونغرس على تفويض قانوني حتى يتجنب تدخل المحكمة العليا.

تسوية الخلاف بين الجمهوريين

تزعم السيناتور جون ماكين حركة المعارضة في داخل الحزب الجمهوري لاستمرار الوضع غير القانوني لاحتجاز المعتقلين وتعذيبهم  معتبرا أن استمرار هذا الوضع  يتنافى مع قيم الديموقراطية وحقوق الانسان كما أنه يضر كثيرا بسمعة وصورة الولايات المتحدة في العالم ، بل وتعرض الجنود الأمريكيين في الخارج إلى معاملة مماثلة إذا وقعوا في أسر دولة عدوة للولايات المتحدة.  وبدأت هذا المجموعة الجمهورية من أعضاء الكونغرس المكونة من السيناتور لينسي غراهام عن ولاية ساوث كارولينا، والسيناتور جون وارنر عن ولاية فيرجينيا، والسيناتور سوسين كولينز عن ولاية ماين، فضلا عن السيناتور ماكين،  بممارسة الضغط على بوش لمنعه من التوجه للكونغرس لدعم أفكاره المتشددة في التعامل مع المعتقلين، بل اتخذت هذه المجموعة خطوات فعلية عندما رفضوا مقترحات الرئيس المقدمة إلى لجنة سياسات التسلح في مجلس الشيوخ  في وقت سابق بخصوص محاكمة المعتقلين الأجانب المتهمين بالإرهاب.

بعد أسابيع من حرب التصريحات والجدل بين إدارة بوش ومجموعة المتمردين الجمهوريين، وفي أعقاب محادثات مكثفة وإبداء بعض المرونة من من كل جانب، أعلن الطرفان بعض ظهر الخميس  21 سبتمبر عن التوصل إلى تسوية وحل وسط  حول تشريع يعطي الرئيس الحق في اعتقال من يشتبه في تورطهم في الإرهاب واحتجازهم في سجون تديرها وكالة الاستخبارات المركزية، وإمكانية تقديمهم إلى محاكم عسكرية خاصة.

المتمردون يدافعون عن الاتفاق

في أعقاب الإعلان عن صيغة التسوية بين بوش ومجموعة المتمردين بقيادة ماكين، انتقدت مؤسسات حقوقية بنود الاتفاق واعتبرت أن المجموعة قد خضعت لشروط بوش وتراجعت كثيرا عن هامش مطالبها السابقة، ورغم أن عبارات أن كلا الفريقين قد فاز وأنه لا يوجد خاسر في هذه التسوية كانت العنوان الرئيسي لكثير من التحليلات في وسائل الإعلام، إلا أن الوقائع تؤكد أن ما حدث يعد انتصارا لبوش، الأمر الذي دفع السيناتور ماكين ورفاقه إلى الدفاع عن الاتفاق وبنوده. ففي مقابلة مع شبكة اخبار CBS وفي رده على أن الاتفاق استبعد إقرار معايير معاهدة جنيف، وأنه  يخول الرئيس لاستخدام  ما يتناسب من وسائل لاستجواب المعتقلين ويمنحه الحق في تفسير بنود معاهدة جنيف كما يراها ملائمة لسير الاستجواب،  قال ماكين إنه وبغض النظر عن معاهدة جنيف، فإن الاتفاق قد نص على حظرأنواع من وسائل التعذيب الجسدي والنفسي والاغتصاب وغيرها من الوسائل التي يمكن أن توصف بأنها جرائم حرب.

الاتفاق وانتخابات نوفمبر

يري بعض المعلقين مثل توم كري الكاتب في دورية ناشيونال افيرز أن الاتفاق الذي توصل إليه قادة الحزب الجمهوري حول محاكمة المعتقلين يمهد الطريق لمعارك انتخابات كونغرس  2006 ، وإن التوصل إلى تسوية بين الإدارة ورموز الحزب سيضعف من فرص الديموقراطيين الذين كانوا يساندون ماكين في انتقاده لسياسة الرئيس بوش في بعض الدوائر الانتخابية، بعد أن تخلى السيناتور وزملائه عن كثير من المطالب التي تثير الخلاف بين الجمهوريين.  وفضلا عن ذلك فإن التصويت الأخير لصالح مشروع القانون في مجلس النواب يعد انتصارا سياسيا لإدارة بوش والحزب الجمهوري قبل أسابيع قليلة من إجراء واحدة من أهم انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن- العدد78