الـفيدراليـة ومـدى إمكـانيـة تطبـيقـها فـي العـراق

 

بان عدنان صالح الحكيم *

 

يشير هذا البحث باختصار إلى الفيدرالية في العالم كونها شكلاً من أشكال الأنظمة السياسية في العالم وقد تمت دراسة وتطبيق هذا النظام في اكثر من (200) دولة في العالم والتعرف على مدى ملاءمة هذا النظام لسياسة الدولة، وهذه الدراسة جاءت مع الظروف التي يمر بها الوضع السياسي الراهن للعراق إذا ما عرفنا حجم الأزمات والمعاناة واللامبالاة التي عانى منها المجتمع العراقي عموما والمجتمعات المحلية خصوصا بسبب تبني النظام المركزي من قبل النظام البائد بحجة الوحدة الوطنية و الحفاظ على وحدة الأقاليم فالقضية هي ليست وحدة مصلحة وطنية بقدر ما هي قضية تسلطية ومقابل هذه الرؤى، نجد من الضروري دراسة وتحليل شكل النظام الملائم للمجتمع العراقي آخذين بنظر الاعتبار طبيعة التركيبة الاجتماعية من جانب والموارد الاقتصادية من جانب آخر فضلا عن المرحلة الانتقالية التي يشهدها المجتمع العراقي من نظام تسلطي مركزي قائم على الحزب الواحد إلى نظام تعددي ديمقراطي فدرالي.

وهنا نتوقف عند كلمة الفدرالية وهذا يتطلب دراسة وتحليل مفهوم الفدرالية قبل التصدي لمعناها وفكرتها ومزاياها ومساوئها وقبل الاعتراض على وقت طرحها فهناك من يقف حائلاً أمام برنامج الطرح الفدرالي باعتبار ان الوقت غير ملائم فالعراق يشهد اختراقاً سياسيا ممثل بالقوى المتعددة الجنسيات وهذا يعني ان الفدرالية سوف تؤدي إلى تقسيم العراق مما يؤدي فيما بعد إلى إعداد وتهيئة تربة خصبة لبقاء تلك القوات أطول فترة ممكنة ويطرح هذا الفريق من الباحثين برنامجا بديلا عن الفدرالية و اللامركزية السياسية إلا وهو الإدارة المحلية (اللامركزية الإدارية ) ولو تفحصنا جيدا هذا البرنامج الأخير لوجدنا انه قد طبق في العراق ان النظام البائد وقبله واثبت عجزه وسوء إدارته لمعالجة الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية …الخ ) فما هي الفدرالية و ما هو تاريخها و مدى مناسبتها لطبيعة المجتمع العراقي وظرفه .. هذا ما ستحاول الدراسة التطرق إليه .

الفيدراليـة :

نظام سياسي من شأنه قيام اتحاد مركزي بين دولتين أو مجموعة من الدول و المحليات بحيث لا تكون الشخصية الدولية إلا للحكومة مع احتفاظ كل وحدة من الوحدات المكونة للاتحاد ببعض الاستقلال الداخلي بينما تفقد كل منها مقومات سيادتها الخارجية التي تتفرد بها الحكومة الاتحادية كعقد الاتفاقات و المعاهدات و يكون على رأس هذا الاتحاد الفدرالي رئيس واحد للدولة وهو الذي يمثلها في المحيط الدولي و يطبق فيها قانون دستوري واحد الأمر الذي يؤكد وحدة الدولة الفدرالية .

و تعد الفدرالية أحد أنواع الاتحادات الدولية في العالم فإلى جانبها يوجد الاتحاد الشخصي و الاتحاد الحقيقي و الاتحاد الكونفدرالي ومما  تجدر الإشارة إليه أن الاتحاد الكونفدرالي يختلف عن الاتحاد الفدرالي ففيما يتعلق بالكونفدرالية فان السيادة تكون للدولة المكونة لها في حين في الدولة الفدرالية تتخلى كل دولة اتحادية عن سيادتها لمصلحة الدولة الجديدة الفدرالية كما ان الاتحاد الكونفدرالي يتعامل فقط مع حكومات الوحدة الأساسية وليس كما في الفدرالية مع أفرادها المواطنين مباشرة وأخيرا فان الكونفدرالية تمثل اتحادا هشا كونه اتحادا ضعيف الروابط ويتحول تحت ضغط الأحداث السياسية إلى اتحاد فدرالي ومن أمثلة ذلك تحول سويسرا من النظام الكونفدرالي إلى اتحاد فدرالي فعلي منذ القرن  التاسع عشر وكذلك الاتحاد الكونفدرالي الأميركي في نفس القرن والذي تحول فيما بعد إلى اتحاد فدرالي فالاتحاد الفدرالي اكثر ثباتا من الكونفدرالي كما في الهند و الإمارات العربية المتحدة و الولايات المتحدة الأميركية لذا فان الفدرالية تقع في الوسط فهي لا تعني الفدرالية المتشددة ولا تعني الانفصال كما هو الحال في انضمام الكونفدرالي وهي تتطلب شروطا لتوافرها منها الإمكانات المالية لدى السلطات المحلية وثانيها تمتع الشخصية المحلية بالشخصية المعنوية .

هذا ومن الملاحظ ان هناك عوامل عدة تدفع الدول إلى إقامة الاتحاد المركزي ( النظام الفدرالي ) فقد تكون هذه العوامل داخلية كوحدة الجنس أو اللغة أو الدين أو الثقافة و التقاليد و الميول المشتركة و قد تكون عوامل خارجية من أهمها إقامة اتحاد قوي للدفاع عن الدولة من أي عدوان خارجي يوجه إليها .

طرق نشـأة الفيدراليـة :

1. باتفاق عدة دول مستقلة على إنشاء اتحاد مركزي منها الولايات المتحدة الأميركية وسويسرا و ألمانيا وكندا .

2. تفكك دولة موحدة إلى عدة دويلات صغيرة مع الرغبة في تكوين علاقة مميزة بحيث يكون لكل دويلة استقلال نسبي لم تتمتع به عندما كانت ضمن دولة موحدة مثل المكسيك .

مـزايـا الفـيدرالـيـة :

ومما سبق ان الفدرالية تحقق عددا من المزايا للدولة التي تتبعها ومنها :

 1. إعداد دولة قوية تكون لها شخصية دولية واحدة لها صلاحيات إقامة العلاقات الدولية مع الدول الأخرى و المنظمات الدولية وما يتبع ذلك من تبادل التمثيل الدبلوماسي وإبرام المعاهدات وسلطة إعلان الحرب و قبول السلام .

2. تكون إقليم الدولة الاتحادية من مجموع أقاليم الدويلات و تحدد حدودها مع الدول الأخرى .

3. يكون لمواطني الدولة الاتحادية جنسية مشتركة واحدة تكون الرابطة القانونية التي تربطهم بدولة الاتحاد .

سلبيات الدولة الفيدرالية :

1. ازدواجية القوانين على سبيل المثال إحدى مقاطعات الولايات المتحدة الأميركية تبيح قانون تعدد الزوجات على عكس مقاطعات أخرى .

2. صعوبات توزيع الاختصاصات بين الدولة الفدرالية و الدويلات التابعة لها .

كيفية توزيع الاختصاصات في الدولة الاتحادية (الفيدرالية)

من أهم الصعوبات التي تواجه الدولة الاتحادية هي كيفية توزيع الاختصاصات بينها وبين الولايات و تختلف الدول الاتحادية في ذلك تبعا للعوامل التي تحيط بنشأة الاتحاد ، حيث توجد ثلاث طرق لتوزيع الاختصاصات وهي :-

 1.ان يحدد الدستور الاتحادي اختصاصات كل من السلطة المركزية ( الحكام الفدراليين ) و الولايات ( الحكام المحليين ) على سبيل الحصر وبهذا الشكل ستعرف مقدما ما سيكون من اختصاص و سلطة الدولة الفدرالية و سلطة و اختصاصات المناطق المحلية إلا انه ما يعاب على هذه الطريقة انه من المستحيل ان يتوقع الدستور مقدما كل المسائل التي ستمارس بشأنها السلطة الفدرالية او السلطات المحلية لان هذه المسائل رهينة بالظروف الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية للدولة الفدرالية للمناطق المحلية ثم ان هذه الظروف نفسها قد تفقد عدد من المسائل صفتها المحلية لتصبح شأنا قوميا و بالتالي فانها تستدعي تدخل الدولة الفدرالية لتنظيمها .

2ان يحدد الدستور اختصاص الولايات على سبيل الحصر و يترك ماعدا ذلك إلى السلطة الاتحادية المركزية و هذا يعني ان السلطة الاتحادية تكون صاحبة الاختصاص العام و الولايات صاحبة الاختصاص الاستثنائي و غالبا ما تفضل هذه الطريقة عوضا عن الطريقة السابقة و يؤخذ بها إذا أريد دعم سلطة الاتحاد و قويتها و لذلك يلاحظ ان الاتحادات الحديثة قد أخذت بها مثال ذلك دستور الهند لسنة 1949 و دستور فانزويلا لسنة 1953.

3. أن يحدد الدستور اختصاص السلطة الاتحادية على سبيل الحصر و يترك ماعدا ذلك إلى الولايات و هي عكس الطريقة السابقة و هذه الطريقة هي الأكثر شيوعا ، وقد اتبعت في سويسرا و الاتحاد السوفيتي و يوغسلافيا و الولايات المتحدة الأميركية. ومن جهة أخرى فهي تعد انسب طريقة بالنسبة للوضع الحالي في العراق حيث يضمن وحدة التشريع و وحدة الصف بين جميع فئات الشعب العراقي بمختلف طوائفه مع مـراعاة التكوين الطبقي للمجتمع العراقي و الديني و التوزيع للثروات وغيرها .

الأسـس الرئيسـة للـدولـة الفـيدراليـة :

تعتبر الحكومة ناجحة عندما يتم تزويدها بالمؤسسات المناسبة وتدل التجارب على ان المؤسسات الفعلية لأي تجربة فدرالية تتألف من :

1. هيئة نيابية منتخبة انتخابا حرا تتمثل فيه جميع الأقاليم المكونة للدولة الفدرالية.

2. هيئة عليا فيها عدد من الأعضاء مع وجود تمثيل متساو للوحدات المكونة له بحيث تستطيع الوحدات الأصغر الشعور بقدرتها في اتخاذ القرارات بنفس القدرة للوحدات الكبيرة .

3. حكومة فدرالية مركزية ذات عدد قليل من الأعضاء تكون قادرة على اتخاذ القرارات السريعة .

4. محكمة فدرالية لها دور مزدوج سياسي بالرقابة وقضائي باعتبارها أعلى هيئة قضائية .

الخـلاصـة :

وفي الخاتمة هناك سؤال يطرح نفسه هل تقوم الفدرالية العراقية على أساس قومية عنصرية أم تقوم على أساس إقليمي جغرافي و أيهما افضل بالنسبة للوحدة الوطنية ؟ ومن دون الخوض في تفاصيل هذه الصيغ و الدوافع السياسية الرغوية التي تكمن وراءها يمكن القول من حيث المبدأ ان الفدرالية لا خشية منها عندما تقوم على شرطين

1. الشرط الأول :- أن تكون ديمقراطية المشاركة و ليست ديمقراطية الموافقة، ديمقراطية التأييد هي أساس ممارسة السلطة الفدرالية وسلطة الأقاليم المحلية.

2. الشرط الثاني :- أن تقوم الفدرالية على معايير جغرافية إقليمية وليس على أساس قومية عنصرية ولا دينية طائفية .

* باحثة واعلامية في تجمع عراق المستقبل

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: النزاهة- 30-9-2006