لماذا يتخوف السياسيون العرب من المنظمات غير الحكومية ؟

 

علي البهادلي

 

يعتقد الكثيرون بأن مفهوم المجتمع المدني قد جاء ليقف قبالة المجتمع السياسي (النظام السياسي القائم ) والبعض يعتقد بأنه جاء ليقف قبالة المجتمع العسكري (عسكرة الحياة) الى غيرها من التفسيرات إلا ان مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم اخر يختلف تماما عن كل تلك المفاهيم العديدة التي اضرت بالمجتمع واخضعته (مرغما) تحت طائل المشاكل التي تتسبب بها النزاعات الاقليمية او المحلية بالاضافة الى المشاكل النفسية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي يتعرض لها المجتمع العربي بسبب سوء الادارة الحكومية وتشريع نصوص قانونية تحد من الحريات وتشجع على الاضطهاد العرقي والجنسي والطائفي.

الطابع الانساني لهذا للمجتمع المدني وضع حلولا الى المشاكل التي تعيشها المجتمعات ذات الارتباطات الايدولوجية والثقافية والعرقية المتعددة حيث اضفى على ذاته صفة المدنية بعيدا عن التعقيدات التي قد تؤدي بالمسيرة السلمية للمجتمعات التعددية وهذا انما يعني الركون الى منطق القانون المدني الذي ياخذ بنظر الاعتبار حق الاغلبية ولا يتجاهل اطلاقا حقوق الاقليات وبالتالي التوصل الى مبدأ التوافق المدني بالرغم من المجال الواسع للاعتراض والرفض (المعارضة) سلميا ودون المّس بالحريات العامة واحترام الرأي والرأي الاخر وغيرها من المباديء الانسانية الصريحة.

وكون ان المجتمع المدني له رؤية متفاوته لحل تلك المشاكل عن الرؤية السياسية او رؤية السلطة فهذا لا يعني التصادم بين الرؤيتين وانما التنافس الحر في الساحة الاجتماعية ، كيف ذاك؟

يبني المجتمع المدني اساس عمله على العلاقة الوطيدة بين الهدف والمستهدف من جهة والضر والمتضرر من جهة اخرى ، فهو لا يعتمد على استخدام الوسائل التقليدية التي طالما عهدت البشرية على استخدامها قبل انبثاق عصر المجتمع المدني ، والتي تتلخص بمقاومة ومنع تلك المشاكل عبر حزمة اجراءات قسرية يغيب عنها الطابع الانساني المدني كالقوة العسكرية او اصدار قوانين غير عادلة او اتخاذ اجراءات قسرية بناءا على رغبة انتقامية او رؤية ضيقة الافق، وانما يمارس حقوقه وفق مجموعة من الانشطة السلمية التي تضع حلولا (ولو جزئية) لتلك المشاكل لسد الفجوات التي يصعب على الحكومات سدها لاسباب مختلفة .

ولكي تحقق المجتمعات الانسانية تلك الرؤى والاهداف لابد من ان تبادر الى انشاء مؤسسات لتنظيم عملها ومساعدتها في رفع الضرر الذي لحق بها او سيلحق ، وهذه المؤسسات سميت بمؤسسات المجتمع المدني ، التي يمكن اعتبار وجودها وفاعليتها ومدى الحرية الممنحة لها بمثابة المؤشر على المستوى الديمقراطي الذي وصلت له هذه الدولة او تلك .

تنقسم مؤسسات المجتمع المدني الى شقين احدهما حزبي (الاحزاب) والاخر غير حزبي (منظمات المجتمع المدني) وجميع هذه المؤسسات تعتبر غير حكومية وغير ربحية إذ تعتمد في تمويلها وديمومتها على خبرات ومنح ومساعدات وتبرعات واشتراكات من قطاعات غير حكومية ، فالمهم في تلك الاموال والخبرات ان لا تعطي مجالا للشك في وطنية واخلاص ونزاهة وشفافية مؤسسات المجتمع المدني.

ومن الملاحظ أن هناك لبس في المفهوم السلطوي العربي للعلاقة بين الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني وهذا اللبس ولد لدى المشرع العربي او الوزير او المسؤول ارباكا فكريا وبالتالي تصرفات مرتبكة ، فصار يتصرف وفقا للمفهوم الخاطيء فيمنع ويقمع بدون محاولة المراجعة الصحيحة التي تؤدي الى فهم هذه العلاقة واسبابها ، فدور المنظمات غير الحكومية في التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية والخدمية في وطننا العربي هو دور مساعد وليس بديل عن الاجهزة الحكومية او الاحزاب ، كما ان القصور في الاداء الحكومي او الحزبي لا يمكن رده الى فاعلية منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية ، كما ان المنح المالية ليست هي السبب في قوة المنظمات وتصاعد وتيرة ادائها وهي ليست وراء تدهور الاداء الحكومي وضعف قابلية الاحزاب على امتصاص نقمة الجماهير على سوء التصرفات من قبل بعض كوادرها او من قبل ممثليها في المجالس التشريعية والتنفيذية .

ان سر نجاح هذه المنظمات في العراق وفلسطين والاردن ولبنان مثلا يعتمد على الخبرات التي اكتسبتها تلك المنظمات من جهة وتمكنها من الوصول الى القواعد الشعبية وتقديم المعونة لها من جهة اخرى وعليه فالدرس المستنبط من هذه المنظمات يجب ان يكون بمثابة المحفز على دراسة وتقييم عمل المؤسسات الحكومية والحزبية لا سن القوانين التي تضع العوائق امام منظمات المجتمع المدني وبالتالي سد اخر المنافذ الخدمية امام المجتمع .

هذا اللبس يتم تعميقه اليوم من قبل تيارات فكرية وأيديولوجيا عربية مختلفة ومن خلاله يتم الضغط على المشرع العربي لاجل ان يضع العراقيل امام المنظمات غير الحكومية التي تبادر من تلقاء نفسها الى مساعدة المنفذ والمشرع فشتان بين هذا الفعل وذاك .

انني ادعوا جميع المسؤولين والسياسيين العرب الذين يتخوفون من قوة منظمات المجتمع المدني الى قياس مدى حاجة المجتمع الى تلك المنظمات لا الى قياس حاجة احزابهم واديوليجياتهم وكراسيهم اليها فهي منظمات غير حزبية وغير حكومية ولا تسعى الى الوصول الى السلطة ولا حتى المنافسة عليها ، وانما هي منظمات الشعب العربي والمجتمع العربي وبناءا على ذلك القياس الصحيح يمكن لهم سن القوانين والتشريعات وتنفيذها فقط بناءا على تلك الحاجة الوطنية والقومية المخلصة لا غير.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: http://alwitwity.friendsofdemocracy.net/default.asp?item=194158

 

مواضيع ذات علاقة:

كربلاء المقدسة تحتضن الملتقى الأول لمنظمات المجتمع المدني

الاحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية : أي واقع ؟ .. واية آفاق ..

منظمات المجتمع المدني في العراق: تفعيل برامج متميزة لكل منظمة.. وتحديد آليات ومصادر التمويل

مسؤول أميركي يدافع عن الدور الذي تضطلع به المنظمات غير الحكومية

حصيلة سنة من اللقاءات مع منظمات تعتبرها أميركا إرهابية