الفيدرالية كخيار ؛ لماذا وكيف؟

(1)

 



 

إن الفرد في المجتمع العربي لا وجود له كمفهوم مستقل بذاته، فهو يستمد تعريفه ومكانته الاجتماعية والسياسية من خلال ارتباطه بجماعة ما. من الشائع مثلا في العراق (أو في أي دولة عربية أخرى) لدى السؤال عن شخص ما، أن يتجه السائل للاستفسار أولا عن اسم العشيرة أو العائلة أو البيت الذي ينتمي إليه ذلك الشخص، وللأسف تشجع العادات والتقاليد والثقافة المجتمعية هذا المنحى.

لقد عُرف العراق على مر الزمن بتميزه في تعدد أصول وديانات ومذاهب ساكنيه. فبالإضافة إلى العرب

الذين وفدوا إليه ضمن موجات الهجرة المختلفة عبر التاريخ قادمين من شبه الجزيرة العربية، فقد سكنت العراق أقوام أخرى، مثل اليهود والآراميين والآشوريين والأكراد وغيرهم.

ورغم سيادة الثقافة العربية الإسلامية على العراق طوال أكثر من 14 قرنا، فقد تمكن أتباع الديانات والقوميات الأخرى (من يهود ومسيحيين وصابئة وأيزيديين وأكراد وتركمان وآشوريين) من المحافظة على هوياتهم الدينية والقومية.

وبالنتيجة فقد ورثت الدولة العراقية الحديثة التي تأسست عام 1921 هذا التنوع العرقي والديني والطائفي. لكن أنظمة الحكم المختلفة التي توالت على حكم العراق طوال العقود الثمانية الماضية لم تتمكن ( وربما لم تمتلك الإرادة) لإقامة نظام سياسي يقوم على أساس الاعتراف الكامل بحقوق جميع القوميات والأديان والطوائف، ومن ثم المساواة بينهم فيما يتعلق بتوزيع السلطة والثروة الوطنية.

فقد استمر تركز الحكم من جهة في أيدي السنة العرب، ومن جهة أخرى جرى هضم حقوق الشيعة والأكراد، في الوقت الذي عانى فيه أتباع باقي الديانات والقوميات الأخرى من أشكال متفاوتة من التعسف والظلم من جانب الحكومة المركزية.

وقد زادت حدة الاضطهاد ضد الشيعة والأكراد مع مجيء حزب البعث إلى الحكم عام 1968. وشهدت الفترة الممتدة من منتصف السبعينات وحتى نهاية التسعينات، اتساع نطاق عمليات القمع والإبادة ضد هاتين المجموعتين بالذات، وتعتبر مذبحة حلبجة في شمال العراق التي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف كردي، باستخدام السلاح الكيماوي عام 1988 ، مثالا بارزا على وحشية هذا النظام.

وبلغت هذه الوحشية ذروتها بعد حرب تحرير الكويت في عام 1991، وهزيمة نظام البعث العراقي، وقيام انتفاضة الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال، والتي واجهها هذا النظام بشراسة لا مثيل لها، حيث قتل مئات الآلاف وشرد مثلهم إلى دول الجوار وباقي بلدان العالم.

ورغم هذه المعاناة الرهيبة، فقد حافظت جميع مكونات المجتمع العراقي على رغبتها واقتناعها بضرورة العيش المشترك في إطار عراق موحد، ولم ترفع أي طائفة أو قومية شعار الانفصال. كما ظل المجتمع العراقي متمسكا بمنظومة من القيم والثقافات المشتركة، سواء عبر محور الدين أو محور القومية بيد أن العقود الطويلة من القمع والتمييز الطائفي والقومي، والتي انتهت بإسقاط نظام صدام حسين على يد قوات التحالف التي قادتها الولايات المتحدة في أبريل عام 2003، ولدت لدى معظم العراقيين الرغبة في بناء عراق ديمقراطي تعددي، يحترم حقوق جميع أبنائه ويساوي فيما بينهم.

وطرحت المسألة كالتالي: إذا كان التنوع الديني والقومي والطائفي حقيقة قائمة في العراق منذ القدم، وإذا كان جميع العراقيين راغبين في العيش معا في ظل دولة واحدة، فماهي الطريقة الأنسب لتحقيق ذلك؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار مآسي الماضي، وبث الشعور بالطمأنينة والأمان لدى جميع العراقيين؟ وكيف يمكن إشراك مختلف المواطنين، وبصرف النظر عن عوامل الدين أو القومية أو الطائفة أو العرق أو الجنس، في إدارة شؤون بلدهم والتمتع بثرواته، على قدم المساواة؟

بالطبع لا توجد إجابات سهلة أو نهائية على هذه الأسئلة، لكن تجارب الدول الأخرى وخاصة تلك التي لديها طبيعة مماثلة للعراق، يمكنها أن تقدم بعض الأفكار والتصورات المفيدة في هذا الجانب.

من هذه الأفكار، على سبيل المثال وليس الحصر، الفيدرالية، التي تطبق اليوم (بشكل أو بآخر) في عدد كبير من الدول، لعل أبرزها كندا وسويسرا وروسيا والهند، في الوقت الذي بدأت فيه بعض الدول تنظم نفسها كإطار فيدرالي في السنوات الأخيرة، مثل بلجيكا وأسبانيا والدانمارك وغيرها. وسوف نعرض ضمن مواد هذا العدد بالتفصيل لهذه القضية، وكذلك تصورا للحل الفيدرالي في العراق – من دون أن يعني ذلك أن الفيدرالية هي الحل الوحيد لمشاكل العراق - بالإضافة إلى شروط نجاح الفيدرالية واسباب تعثرها في البلدان التي فشلت فيها.

ورغم أن جميع الدول الفيدرالية، هي كذلك من حيث التسمية، إلا أن لكل منها تجربتها الخاصة في هذا المجال، إنطلاقا من ظروف كل بلد وطبيعة التركيبة الإثنية للمجتمع فيه. ويتعلق الأمر هنا بمدى الصلاحيات والحقوق السياسية والاقتصادية الممنوحة للأقاليم والمقاطعات، كما يتعلق بنوعية التنظيم الإداري المطبق في كل منها، وطبيعة العلاقة بينها وبين المركز.

وما يمكن قوله هو إن الفيدرالية ليست مقدمة للانفصال، كما أنها ليست محصلة جمع الولايات أو المقاطعات أو الأقاليم في دولة واحدة، بقدر ما هي تنظيم سياسي وإداري اختياري، الهدف منه هو ضمان تحقيق توزيع حقيقي وعادل للثروة والسلطة بين مختلف مكونات المجتمع، والاعتراف المتبادل بالحقوق القومية والثقافية لجميع السكان.

يعيش في الرقعة الجغرافية المعروفة بالعالم العربي، والممتدة من البحرين شرقا وحتى المغرب غربا ومن السودان في الجنوب إلى سوريا في الشمال، مجموعة كبيرة ومتنوعة من القوميات والطوائف والأديان منذ فجر التاريخ.

فدينيا ينقسم سكان المنطقة إلى مسلمين ( غالبيتهم من السنة بالإضافة إلى طوائف الشيعة والدروز والزيدية والأباضية والإسماعيلية والعلويين) وأتباع ديانات أخرى (ينقسم هؤلاء بدورهم إلى مسيحيين بمختلف طوائفهم ، ويهود، وصابئة وأيزيدية وزرادشتية، وديانات قبلية زنجية في جنوب السودان). كما ينقسم سكان هذه المنطقة قوميا إلى عرب وإيرانيين وأمازيغ وأكراد ويهود وقبائل زنجية وأرمن وآراميين وسريان وتركمان وشركس وأتراك ونوبيين.

ورغم أن غالبية السكان في هذه المنطقة (حوالي 80 في المائة) هم من الناطقين باللغة العربية ويدينون بالإسلام دينا، ويتخذون من السنة مذهبا، إلا أن النسبة المتبقية وهي 20 في المائة تضم في ثناياها قوميات وأديان وطوائف مهمة، بعضها يشكل غالبية على مستوى البلد الموجود فيه (الشيعة في كل من العراق والبحرين) وبعضها أقليات مهمة ومؤثرة (الأمازيغ في بعض دول المغرب العربي، والأكراد في العراق والشيعة في لبنان، والقبائل الزنجية في السودان).

وعلى مدى قرون ظل موضوع الأقليات (الدينية أو العرقية) ضمن قائمة المسكوت عنه في البلدان العربية. كما ظل الحديث عن الأقليات وخاصة الدينية منها يحوطه قدر كبير من التحفظ ، مع سعي واضح للتقليل من أهميته أو نفي أي وجود له قائم بذاته. وكان الحل الشائع هو إما إلحاقها بالعروبة أو بالإسلام.

وحتى في الحالات التي طرحت فيها مشاكل لها علاقة بالأقليات نفسها على الجميع بصورة مدوية وعنيفة، فإن النظام الرسمي العربي، ومعه عدد لا يستهان به من النخب الدينية والسياسية المهيمنة، سارع إلى ترحيلها إلى أسباب وعوامل خارجية.

ونحن نرى ذلك اليوم في مشكلة الأقباط في مصر والأمازيغ في الجزائر، مثلما نراه في مناطق عربية أخرى ؛ الأكراد في العراق و، والمسيحيون في جنوب السودان، بالإضافة إلى الأقليات الطائفية على اختلاف في الدرجات والطبيعة.

فما هو حجم مشكلة الأقليات في العالم العربي؟ ولماذا يعرض النظام العربي عن الاعتراف بهذه المشكلة ولا يبادر إلى حلها بنفسه بدلاً من تركها تتسع إلى نطاق لا يستطيع السيطرة عليها فيه؟

تعتبر مشكلة الأقليات جزءا من مشكلة أكبر يواجهها نظام الحكم في البلدان العربية، وهي الاختلال الكبير في توزيع السلطة والثروة. فقد قام هذا النظام على مرتكزات ثلاثة، الإسلام والعروبة والحكم الوراثي (القبلي أو الطائفي أو العائلي). ولم تعرف البلدان العربية طوال معظم تاريخها مفاهيم مثل المواطنة والمشاركة السياسية والاقتصادية، ناهيك عن أنظمة الحكم الحديثة القائمة على الديمقراطية وفصل السلطات والتمثيل الشعبي ومحاسبة الحكومات.

وعلى عكس الدولة في الغرب التي نجحت (بعد حروب وتطاحن على مدى قرون) في التحول إلى دولة قومية، دمجت الأجناس والطوائف بداخلها، فإن الدولة العربية التي لم تر النور إلا حديثاً، لم يتسن لها ذلك، وحافظت على طابعها الفسيفسائي. وما إن جاء عهد الاستقلال، وبداية تشكل الدولة الوطنية حتى انتقلت إليها مجموعة الأقليات، ككتل اجتماعية بامتداداتها التاريخية والثقافية.

لقد انتهجت معظم الدول العربية (وفي معظم الفترات) أسلوب الإلغاء والتهميش، ولم تعترف بالأقليات كشركاء ومساوين في الوطن وفي الإرث الثقافي والتاريخي المشترك بصورة جدية، وإنما اعتبرتهم مجرد مخلفات لحضارات أو أقوام سابقين تكرّم عليهم المجتمع العربي  فحماهم ولم يتركهم نهباً للانقراض والموت، ومن ثم عليهم أن يشكروا الأغلبية ويعترفوا لها بالجميل بدلاً من أن يطالبوا بحقوقهم!

إن من يقرأ كتب التاريخ العربية يجد أن تاريخ الأقليات يعرض فيها باقتضاب، ودائماً عبر ربطها بأشخاص معينين أو أحداث معينة وليس كوجود اجتماعي وثقافي وديني قائم بذاته.

ولما كانت الدولة العربية الحديثة، ولما كان الواقع العربي نفسه يقوم على أسس قبلية وطائفية ومناطقية، سواء على مستوى أنظمة الحكم أو توزيع القوة والنفوذ داخل المجتمع، فإنه من الطبيعي أن تشعر الأقليات بالحاجة إلى المطالبة بحقوقها والدفاع عن مقومات وجودها، ومن الطبيعي أن تبدأ في البحث عن حلول لمشكلتها، شأنها في ذلك شأن باقي أطراف المجتمع المحرومة.

وقد اتسم تعامل الأنظمة العربية عموما مع مطالب الأقليات بأشكال غاية في التنوع جمعت إلى جانب القسوة والحزم أساليب التذويب والدمج الإجباري، ومنها:

- القمع الداخلي على أيدي الأنظمة التسلطية بمختلف درجاتها ( نظام البعث العراقي ضد الشيعة والأكراد، النظام العسكري المصري ضد الأقباط، النظام الديني السوداني ضد المسيحيين والوثنيين في الجنوب، نظام آل خليفة في البحرين ضد الشيعة، والنظام السعودي ضد الشيعة والإسماعيليين).

- لجأت بعض هذه الأنظمة إلى اتباع أساليب تغيير التركيبة السكانية لزعزعة نفوذ الإثنيات الأخرى (فقد قام نظام صدام بتغيير حدود بعض المناطق والمحافظات ونقل السكان من منطقة لأخرى لإضعاف الأكراد. كما قام النظام البحريني بجلب أعداد كبيرة من السنة من الخارج وتجنيسهم على حساب الشيعة، وكذلك فعلت السعودية عبر نقل أعداد من سكان جنوب البلاد السنة (نجران وعسير) وأعادت توطينهم في المنطقة الشرقية لإنهاء سيطرة الأكثرية الشيعية).

- فرض الثقافة العربية ، وهيمنتهما على مختلف مناحي الحياة في البلدان العربية إلى الدرجة التي لم يسمح فيها بحق أي من القوميات أو الأديان الأخرى، بالتعبير عن نفسها بصورة حرة ومتكافئة.

- تسمية الدولة لنفسها (عربية وإسلامية) وبالتالي دفعت الأديان والقوميات الأخرى، إلى الهامش، وقطعت الطريق عليها للمطالبة بالاعتراف بها جنبا إلى جنب مع العروبة والإسلام.

حاولت أنظمة عربية أخرى فرض الثقافة والقومية العربية في محاولة لتعريب أتباع القوميات الأخرى (على سبيل المثال العراق وبعض دول المغرب العربي)، وفرض المذهب الرسمي للطائفة الحاكمة (معظم الدول العربية) على أتباع الطوائف الأخرى.

تقديم أنظمة عربية لبعض التنازلات في ميادين الثقافة والاقتصاد، كما في حالة دول شمال أفريقيا مع الأمازيغ، والأردن مع المسيحيين وأتباع القوميات الأخرى.

5 - يعتبر لبنان حالة فريدة في العالم العربي، حيت تتمتع الطوائف والأديان فيه بترتيب متفق عليه في تقاسم السلطة.

ترى كثير من الحكومات العربية أن الاعتراف السياسي بالأقليات وما يترتب عليه من حقوق وواجبات، يستهدف تقسيم الدولة والمجتمع، كما يعرضها إلى مطالبات قد تمس سيادتها، مثل الحكم الذاتي وتقرير المصير وما شابه، ولهذا وضعت هذه الحكومات مشكلة الأقليات ضمن القضايا المهددة للأمن القومي، واعتبرتها، في الكثير من الأحيان، محاولة من جانب القوى الخارجية للنيل من سيادة هذه الدولة أو تلك.

لقد واجهت الدولة العربية أي نقاش يتصل بهذه المشكلة بقمع لا هوادة فيه. كما وصمت الأدبيات أو الأشخاص الذين تجرأوا بالحديث أو إثارة هذه المشكلة بأنهم خونة يسعون للنيل من أمن وسلامة المجتمع. بيد أن الملاحظ مع ذلك هو أن جميع هذه المحاولات لم تحل دون تفجر قضية الأقليات بين حين وآخر. كما أن النقاش حولها وإن لم يظهر على السطح فإنه لم يتلاش.

لقد طورت العديد من دول العالم مفاهيم مختلفة للتعايش السلمي والخلاق بين سكانها الذين ينتمون لثقافات وأديان وإثنيات متباينة. بعضها واصل العيش في ظل الدولة ذات الكيان الواحد، في حين تبنى بعضها الآخر مفهوم الفيدرالية. لكن دولا أخرى كان نصيبها التفكك والانفصال.

وفي الإجمال يمكن تصنيف الحلول السياسية للتعايش في ظل الاختلاف والتعدد إلى أربعة :

الدولة ذات الإقليم الواحد

وهو يعني أن يعيش أتباع القوميات والأديان والطوائف المختلفة في ظل دولة تتمتع بحكومة مركزية في إطار إقليم سياسي واحد. ويتطلب مثل هذا الحل وجود نظام ديمقراطي، ومؤسسات دستورية قوية، تعامل جميع المواطنين على قدم المساواة وتمنحهم فرصا متكافئة في الحصول على الثروة والسلطة والحقوق العامة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو القومي أو الطائفي.

ورغم أن هذا الحل يناسب الدول العربية، وخاصة تلك التي لا توجد فيها أقليات قومية أو دينية كبيرة، ذات هوية واضحة وقوية، إلا أن هذه الدول تبدو عاجزة في الوقت الراهن على الأقل، عن توفير مثل هذا الحل بسبب قيام معظم أنظمتها على التسلط والتمييز.

الحكم الذاتي

ويقصد به منح سكان منطقة أو أتباع قومية حق إدارة شؤونهم المحلية (من حكم محلي، وتعليم وصحة ومحاكم وقضاء .. الخ) مع احتفاظ المركز بالسيطرة على المسائل السيادية، مثل الدفاع والخارجية والأمن والحدود وما إلى ذلك.

ومثل هذا الحل جرب في كل من العراق (بالنسبة للأكراد في السبعينات) والسودان (بالنسبة لسكان الجنوب في السبعينات أيضا)، لكنه فشل، بسبب عدم التزام الحكومتين في البلدين به، كما لم يكن هناك أي ضمان للسكان المطبق عليهم. واكتشف لاحقا أن هذا الحل لم يكن نابعا من قناعة الحكومة، بقدر ما كان إجراءا مؤقتا لحل أزمات تمر بها السلطة.

الفيدرالية

تعتبر الفيدرالية وهي نظام سياسي يقوم على اتحاد مركزي (على أساس جغرافي أو إثني) بين مقاطعتين أو إقليمين أو أكثر، حلا لبعض المشكلات المرتبطة بوجود أعراق وقوميات وطوائف متباينة الأهداف والمصالح داخل الدولة الواحدة.

فهي تحفظ من جهة وحدة الدولة، وكيانها السياسي، ومن جهة أخرى تمنح المقاطعات أو الأقاليم نصيبها من السلطة والثروة والتمثيل السياسي. وبخلاف الحكم الذاتي، فإن الأقاليم في ظل الفيدرالية تشارك بقسطها في الحكومة المركزية. كما تضمن الفيدرالية الاحترام التام للتعددية القومية والدينية والمذهبية والسياسية، وبالتالي تقطع الطريق على قيام حكومات استبدادية. وأبرز الدول الفيدرالية اليوم كندا وأستراليا وسويسرا والهند والاتحاد الروسي.

الانفصال

الانفصال هو آخر الحلول التي قد يلجأ إليها أتباع بعض القوميات أو الأديان أو الطوائف حين تتعذر إمكانية التعايش فيما بينهم في ظل دولة واحدة، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما جرى في يوغوسلافيا وإندونيسيا. وفي العادة تكون لمثل هذه النتيجة مقدمات وأسباب، وفي الإجمال تراكمات عميقة، وقد تتوج بنزاعات دامية وحروب أهلية. لكن من النادر حصول الانفصال اذا تم اللجوء منذ البداية إلى تطبيق الحلول الأخرى للتعايش بصورة جادة وحقيقية ونابعة من إرادة السكان وأخذ موافقتهم.

يعتبر العراق (حوالي 27 مليونا حسب تقديرات الحكومة العراقية لعام 2005) نموذجا مصغرا للشرق الأوسط حيث يتميز بتعدد دياناته وقومياته وطوائف ساكنيه منذ القدم.

فهناك أغلبية عربية لغة وثقافة تصل إلى حوالي ( ما بين 75 و80 في المائة) ، وتوجد إلى جانبها أقلية لغوية- ثقافية رئيسية هي الأكراد الذين يشكلون ما بين (15 و20 في المائة، حسب تقديرات عام 2002) وجيوب ضئيلة من التركمان والكلدو آشوريين والإيرانيين والأرمن لا يتجاوزون (5 في المائة). ومن حيث الدين، هناك أغلبية مسلمة تتراوح (بين 92 إلى 95 في المائة) من إجمالي السكان، توجد إلى جانبها أقليات مسيحية (معظمها أيضا اقليات لغوية) تصل إلى حوالي (4 في المائة)، وجيوب ضئيلة من الأيزيديين والصابئة واليهود تصل في مجموعها إلى حوالي ( 3 في المائة).

ولكن بين المسلمين وهم الأغلبية الساحقة نجد مجموعتين مذهبيتين، متمايزتين في الحجم وهما الشيعة حوالي (56 إلى 60 في المائة !!) والسنة حوالي (32 إلى 37 في المائة).

إذن هناك ثلاثة مستويات تحكم التعددية الاثنية في العراق، مستوى اللغة –الثقافة، ومستوى الدين، ومستوى المذهب (الإسلامي)، على مستويين منهما هناك أغلبية ساحقة ومجموعة أقليات- وهما مستويا اللغة والدين. أما المستوى الثالث- وهو المستوى الإسلامي المذهبي – فهنا توجد أيضا أغلبية (الشيعة) وأقلية (السنة). فعلى تقاطع مستويي اللغة والمذهب فإن العرب السنة يصبحون أقلية أصغر بكثير (حيث أن الأكراد معظمهم سنيون مذهبا، ولكنهم ليسوا عربا) من العرب الشيعة.

على مستوى التشريعات

إن هذه التشكيلة الفريدة من التنوع الديني والطائفي والقومي، أضفت على المجتمع العراقي من جهة غنى وحيوية ثقافية واجتماعية، لكنها من جهة أخرى جعلت من الصعب توحيد هذا المجتمع ضمن أنماط كلاسيكية من العلاقات، مثل تلك التي كانت سائدة في باقي الدولة العربية.

لقد نشأت الدولة العراقية الحديثة في عام 1921، بعد قرابة أربعة قرون من الحكم العثماني، وجاءت مثقلة بالإرث العربي الإسلامي السائد في المنطقة من حيث شكل نظام الحكم (الوراثي) ، والعلاقة مع الطوائف والأديان الأخرى، ووضعهم في المجتمع.

ولذلك فإن الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي العراقي) الذي صدر في بغداد في 21 مارس عام 1925، لم يتجاوز هذه المرحلة ولم يقدم في مواده ما يشير إلى معالجة منصفة للتعاطي مع هذا التنوع. وفي المرات القليلة التي اضطر فيها واضعو هذا الدستور إلى التطرق للقوميات والأديان الأخرى (بخلاف العرب والمسلمين) كان يتم ذلك باقتضاب شديد ومن دون تسميات أو إشارات واضحة.

فقد نصت المادة 13 من هذا الدستور على أن “الإسلام دين الدولة الرسمي وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة ولا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد التامة، وحرية القيام بشعائر العبادة، وفقا لعاداتهم، ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام وما لم تتناف والآداب العامة”. ونصت المواد (69) و (75) و (78) على تقسيم المحاكم إلى ثلاثة أصناف، محاكم مدنية ومحاكم دينية وأخرى خصوصية، وتقسم المحاكم الدينية بدورها إلى شرعية ومجالس روحانية طائفية.

المجالس الروحية الطائفية تشمل: المجالس الروحانية الموسوية ( أي اليهودية)، والمجالس الروحانية المسيحية، وتخول سلطة القضاء بقانون خاص.

وكما يبدو واضحا من هذه المواد، فقد أهمل المشرع ذكر ديانتين في العراق على الأقل، هما الأيزيدية والصابئة المندائية، وهما ديانتان معروفتان ولهما عدد لا بأس به من الأتباع.

بقي هذا الدستور نافذا لحين إسقاط الملكية في الرابع عشر من يوليو عام 1958 على يد عبد الكريم قاسم، وبعد أيام من قيام الجمهورية ، تم إصدار دستور مؤقت، لم يتضمن هو الأخر ما يشير إلى وجود التنوع القومي والديني في العراق. وبعد انقلاب فبراير عام 1963، تم إلغاء الدستور المؤقت وحل دستور مؤقت آخر بديلا عنه في العام 1964، والذي اقتصر على نص واحد فيما يتعلق بقضية الأديان، حيث جاءت المادة (28) لتنص على حرية الأديان وصيانتها وحماية الشعائرالدينية دون الإخلال بالنظام العام والآداب. وحين جاء انقلاب البعث في عام 1968، ألغى جميع الدساتير السابقة وأصدر الانقلابيون دستورا مؤقتا، لم يلبث أن ألغي بدستور مؤقت في عام 1970 ، ثم مشروع الدستور المؤقت في عام 1990.

تاريخ مثقل بالأحداث

على أن تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة مع أتباع الأديان والطوائف والقوميات الأخرى، في التشريعات لم يكن أفضل منه في الواقع العملي، على العكس من ذلك، فباستثناء فترات قليلة من الهدوء والعلاقات الودية، شهد العراق عدة مجازر ضد الأشوريين (المسيحيين) والأيزيديين واليهود والأكراد والشيعة.

مجزرة سميل

ففي أغسطس عام 1933 وردا على مطالب المسيحيين الآشوريين بحقوقهم في العيش بكرامة والتعبير عن إنتمائهم القومي والديني، جهزت الحكومة العراقية التي كان يرأسها رشيد عالي الكيلاني حملة عسكرية بقيادة اللواء بكر صدقي لقمع الأشوريين في الشمال، حيث تقدمت قوات الجيش نحو معاقلهم واشتبكت معهم في معارك عنيفة في منطقة سميل الواقعة بين دهوك وزاخو، وجرت مجرزة راح ضحيتها نحو خمسة آلاف أشوري من الرجال والنساء والأطفال، كما تم تدمير أكثر من 66 قرية.

حملة الأنفال

في السنتين الأخيرتين من الحرب العراقية الإيرانية شنت القوات العراقية بقيادة علي حسن المجيد (الملقب بعلي الكيماوي) حملة عسكرية ضد الأكراد في الشمال عرفت باسم الأنفال، وقد استخدمت فيها هذه القوات جميع الأسلحة بما فيها تلك المحرمة دوليا، وراح ضحيتها حسب تقارير منظمة العفو الدولية أكثر من مئة ألف كردي، قتلوا أو فقدوا. وفي مارس من عام 1988، أي قبل خمسة أشهر من توقف الحرب، شنت الطائرات العراقية، هجوما على مدينة حلبجة الكردية، بالأسلحة الكيماوية مما أدى على الفور إلى مقتل خمسة آلاف كردي بمن فيهم من نساء وأطفال وشيوخ وإصابة 10 آلاف آخرين بجراح، وهي المذبحة التي عرفت بمذبحة حلبجة.

قمع انتفاضتي الشيعة والأكراد

وفي أعقاب هزيمة النظام العراقي في حرب تحرير الكويت عام 1991، اندلعت انتفاصة الشيعة في الجنوب والاكراد في الشمال ضد حكم صدام، وقد واجهها بحزم وعنف لم يسبق له مثيل، حيث استخدمت القوات العراقية جميع ما بحوزتها من أسلحة لقمع المنتفضين، بما في ذلك الدبابات والمروحيات العسكرية، كما مارست قوات الحرس الجمهوري والأمن والمخابرات وميليشيات حزب البعث أعمال إبادة جماعية انتقامية ضد المناطق الشيعية في الجنوب والوسط وضد المناطق الكردية في الشمال، راح ضحيتها أكثر من 300 ألف قتيل وتشريد أكثر من مليوني كردي تركوا قراهم ومدنهم هربا من بطش النظام. وقد اعتبرت هذه بحق أكبر نكبة مني بها الشعب العراقي في تاريخه الحديث.

ورغم أن معظم هذه الأعمال وما رافقها من مجازر وأعمال قتل واسعة ضد المدنيين، ارتبطت بأحداث سياسية، إلا أن الطابع الطائفي أو القومي في كل منها كان واضحا، وفي كل مرة كان للحكومة المركزية في بغداد دور مباشر فيها. وحتى في الحالات التي كان الأمر يتخذ طابع الصدام العسكري أو التمرد المسلح، فقد كان المدنيون من أتباع الطائفة أو القومية المعنية عرضة للانتقام على نطاق واسع. كما تسبق هذه الأعمال في العادة أو تتلوها حملة سياسية ودعائية من التخوين والتجريم والتكفير ضد الطرف المراد قمعه وضربه.

العراق الجديد

مع سقوط نظام صدام في أبريل عام 2003 ، فتحت أمام العراقيين فرصة تاريخية، وربما نادرة لإعادة تأسيس وطنهم ونظامه السياسي على أسس جديدة، على رأسها التعامل مع الأديان والقوميات الأخرى.

وربما يكون أهم درس يمكن استخلاصه في هذا المجال - منذ إنشاء الدولة العراقية قبل ثمانية عقود وحتى الآن- هو ضرورة الاعتراف رسميا بأن العراق بلد يملكه جميع ابنائه من المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة والأيزيديين، للأكراد فيه كما للعرب والتركمان والأرمن وأبناء القوميات الأخرى، مهما قل عددهم أو كثر. وأنه لكل عراقي نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. وأن الدولة يجب أن تكون محايدة، وواجبها ليس الانتصار لطائفة أو دين أو قومية بعينها وإنما الانتصار لجميع المواطنين، ووظيفتها هي إدارة هذا التنوع بصورة تضمن التعايش السلمي والخلاق وحماية حقوق وحريات جميع المواطنين، الفردية منها والعامة، بما في ذلك حرية العبادة وممارسة الشؤون الدينية والمحافظة على واحترام الخصائص الدينية والقومية والثقافية لكل جماعة، وضمان حق التمثيل وتسلم المناصب الحكومية والعامة لجميع المواطنين، على قدم المساواة.

مثل هذه الدولة هي ما يجب أن تتمخض عنه التحولات الديمقراطية الحالية في العراق.

يشير مصطلح التعايش إلى حالة العيش المشترك التي تجمع مجموعتين أو أكثر تختلف عرقياً أو دينياً او فكرياً عن بعضها الآخر مع احترام كل مجموعة لمعتقدات المجموعة أو الجماعات الأخرى وقدرة هذه الجماعات على حل خلافاتها بصورة سلمية. وعلى هذا الأساس، يستند مفهوم التعايش على وعي الأشخاص أو الجماعات بأن لها هويات دينية أو عرقية أو فكرية مختلفة والإقرار أن اختلاف الهويات هذا لا ينبغي أن يقود إلى صراعات عنيفة أو دموية بين حاملي هذه الهويات أفراداً كانوا أم جماعاتٍ.

عادةً ما تظهر الحاجة إلى التعايش في المجتمعات التي يوجد فيها تنوع عرقي أو ديني أو سياسي، لكن في غياب مؤسسات وآليات قادرة على استيعاب هذا التنوع، يمكن أن تؤدي الخلافات الناشئة عن هذا التنوع إلى تفجر صراعات عنيفة ودموية بين مختلف فئات المجتمع. وتمثل الأنظمة الاستبدادية أمثلةً صارخة على حالة العجز عن استيعاب التنوع والاستفادة منه لمصلحة المجتمع ككل إذ تقوم هذه الأنظمة عادةً على تفضيل جماعات وأفراد معينين في المجتمع من أجل دعم استمرارها في الحكم .

إن أهمية التعايش تكمن في أن غيابه يتسبب عادةً في تفجر هذا النوع من الصراعات ، كما أن ترسيخه يساهم دوماً في حل هذه الصراعات حتى بعد تفجرها الدموي والعنيف. من هنا لا بد من التأكيد على أن نشر الوعي بضرورة التعايش و تفعيل آليات تحقيقه على المستوى الاجتماعي أمران أساسيان لبناء أي مجتمع ديموقراطي وعادل ، فالإثنان كفيلان ببث روح التسامح وقبول الآخر المختلف.

هل صحيح أن بعض المسلمين يعيشون حريتهم الدينية في بلدان غير إسلامية أكثر من ممارستهم لحريتهم الدينية في بلدان إسلامية؟!

لن نخرج عن الصواب إذا أجبنا على هذا التساؤول بـ” نعم” رغم أن الأمر يختلف نسبيا من هذا البلد الإسلامي إلى ذاك ومن بلد مضيف إلى آخر.

ولكن إذا كان حسن، أو حيدر، أو محمد، يستطيع أن يمارس حريته الدينية خارج بلده بالشكل الذي يعتقد أنه الصحيح، ولا يستطيع أن يفعل الشئ ذاته بكامل حريته في بلده فإن الأمر يدعو حقا إلى التساؤل عن السبب.

وإذا كان المسلم يجد صعوبة في أن يعيش حريته الدينية الكاملة في بلده الإسلامي بسبب انتمائه لطائفة مسلمة مختلفة فكيف يكون الحال مع أتباع الأديان الأخرى؟!

المشكلة برأينا لا تكمن في الإسلام، كدين أو عقيدة، فالأديان والمذاهب بمختلف توجهاتها تدعو للسلام والمحبة، والتعايش المشترك، والحياة، ولكن المشكلة تكمن في أصحاب الأيديولوجيات السياسية الذين يسخرون أديانهم ومذاهبهم لخدمة أهدافهم السياسية الدنيوية مما يؤدي إلى الصدام مع مخالفيهم في الرأي وربما تأجيج الكراهية الطائفية والعداء الديني بلا مبرر.

وربما أن تركيز أنظار العالم على ما يقوم به المتطرفون في العالم الأسلامي من أعمال عنف وما ينشرونه من أفكار هدامة قد حوّل الاهتمام عما ينشره مفكرون مسلمون يؤمنون بحق الناس في التعايش ويفسرون الدين الإسلامي على الوجه الصحيح الذي يجعل من المسلم إنسان خير، ويجعل الجماعة المسلمة قادرة على التعايش السمح مع المؤمنين بالأديان الأخرى ومع أتباع الطوائف المخالفة داخل المجتمع المسلم ذاته.

فالمفكرون المسلمون المتنورون ليس لديهم مشكلة مطلقا مع مبادئ أصبحت عالمية مثل الديمقراطية، ومنح المرأة حقوقها، وحرية التفكير والاعتقاد، إلى آخر ذلك. ويدرك هؤلاء المفكرون بأن المسلم الفرد، والمجتمع المسلم على حد سواء يستفيدان من وجود دولة ديمقراطية تؤمن بالإصلاح وبالمجتمع المفتوح. ويوجد العديد من المفكرين المسلمين يدعمون هذا الاتجاه بما لايخالف عقيدة المسلمين، أو يسئ إلى الدين الإسلامي في أي شئ إن لم يعزز وجوده.

وقد أوضحت التطورات العالمية الأخيرة أن شعوب العالم قادرة على تخطي الحواجز العرقية والدينية والثقافية والحضارية في سبيل تحقيق السلام والعدل.

وفي ظل كل ذلك يتساءل تشاندرا مظفر ، كيف نسمح لصدام زائف بين الحضارات أن يحول طاقاتنا؟ وهل سيجدر بنا الحديث عن الغرب والإسلام كهويتين منفصلتين؟ أليس الغرب ككيان حضاري موجود داخل العالم الإسلامي؟

يجب استعادة الاحترام المتبادل بين أصحاب مختلف الانتماءات، استنادا إلى المبادئ القانونية الأساسية المتعلقة بحرية التعبير (حتى بالنسبة للأقليات الصغيرة جدا)، وحكم القانون والمساواة أمام الدستور.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: أوراق ديمقراطية-العدد2

 

مواضيع ذات علاقة:

لـماذا ترفض القـوى الـمتـغـيّبة الفيدرالية ؟

دروس وعبر من :  ولادة وتطور الفيدرالية الأميركية ( 2 )

الفيدرالية.. خيار لابد منه

الفيدرالية.. مشـروع للتقسـيم أم للوحدة

دروس وعبر من : ولادة وتطور الفيدرالية الأميركية

دراسات وابحاث : الفيدرالية ومستقبل العراق

سمات الدول الفيدرالية

الفيدرالية وإمكانية تطبيقها  في العراق

( تقاسُم السلطة في العراق (الفيدرالية

لتحيا الفيدرالية